ملخص
توصلت أرمينيا وأذربيجان في البيت الأبيض إلى إطار أولي لاتفاق سلام برعاية ترمب، يقوم على فتح ممر جديد يحمل اسمه ويهدف إلى تطبيع العلاقات بعد عقود من الصراع. نجاح الاتفاق يظل هشاً في ظل تعقيدات دستورية وسياسية داخلية، وتنافس روسي وإيراني وتركي على النفوذ في جنوب القوقاز.
في الثامن من أغسطس (آب)، استضاف الرئيس الأميركي دونالد ترمب قادة أرمينيا وأذربيجان في البيت الأبيض واصفاً اللقاء بأنه “قمة سلام تاريخية”. ومثلما حدث مع محاولاته البارزة غير الناجحة للتوسط في هدنة بين روسيا وأوكرانيا، قد يبدو هذا الوصف مبالغة كبيرة. فبعد كل شيء، وعلى مدى أكثر من 30 عاماً، ظل البلدان في جنوب القوقاز خصمين لدودين. لقد خاضا حربين، وشعوبهما غارقة في سرديات تاريخية متعارضة. ومنذ عامين وحسب، استولت أذربيجان بشكل حاسم على إقليم ناغورنو قره باغ المتنازع عليه، مما أجبر أكثر من 100 ألف أرميني على الفرار.
مع ذلك، في هذه الحالة، نتيجة لتداخل الحظ مع المهارة، ربما يكون ترمب قد أنجز شيئاً بالغ الأهمية. فبعد أشهر من المحادثات الثنائية بين البلدين، بدا أن اللحظة مهيأة لاتفاق سلام مؤقت. والأهم من ذلك، أن كلا الجانبين لم يرغبا في أن تكون روسيا، القوة التقليدية المهيمنة في المنطقة، هي الضامن لأي اتفاق، مما جعل عرض ترمب لاستضافة قمة سلام جذاباً بشكل خاص. فإذا أردت أن تتراجع عن تعهدات قطعتها للرئيس الروسي فلاديمير بوتين، فالمكتب البيضاوي هو المكان الأمثل لذلك.
في البيت الأبيض، وقع رئيس الوزراء الأرميني نيكول باشينيان والرئيس الأذري إلهام علييف بياناً موجزاً لكنه ذو مغزى، تعهدا فيه بتجنب مزيد من النزاعات. كما وضعا توقيعيهما الأوليين على نص مكون من 17 بنداً، لم يُوقَّع رسمياً بعد، يصفه المراقبون بأنه “اتفاق سلام” يهدف إلى تطبيع العلاقات الدبلوماسية والسياسية بعد سنوات من الصراع. ووافقا معاً على خطة لإنشاء طريق بري وسكة حديد جديدة تربط أذربيجان بمنطقة ناخيتشيفان، وهي جيب أذري معزول [إقليم تابع لدولة لكنه منفصل عنها جغرافياً ومحاط بأراضي دول أخرى] تحده أرمينيا وإيران وتركيا. وقد منحت أرمينيا حقوق تطوير ممر العبور هذا البالغ طوله 27 ميلاً والعابر لأراضيها لشركة أميركية، مع احتفاظها بالسيادة عليه، على أن يُطلق عليه اسم “مسار ترمب للسلام والازدهار الدوليين” [اختصاراً “تريب” TRIPP]، وستُمنح أذربيجان “وصولاً غير مقيد” من ناخيتشيفان وإليها. ومن اللافت أن خطة “تريب” تتجاوز اتفاق عام 2020 الذي أبرمه علييف وباشينيان وبوتين، والذي كان سيمنح روسيا السيطرة على هذا الممر.
ولأسباب مختلفة، فإن الحكومة الأذرية في باكو ونظيرتها الأرمينية في يريفان حريصتان على التحرر من قبضة موسكو. أما إدارة ترمب، فهي بدورها متحمسة لرعاية الاتفاق، جزئياً بسبب الفوائد التجارية المحتملة للولايات المتحدة، لكن بالأخص لأن اتفاق سلام دائم سيعزز ادعاء ترمب بأنه صانع سلام عالمي. غير أن إطار السلام الذي جرى التوصل إليه في البيت الأبيض في أغسطس لا يزال هشاً. ولن ينجح إلا إذا مضت الولايات المتحدة قدماً في تنفيذ خطة “تريب” والمساعدة في إعادة فتح طرق أخرى أغلقت بسبب الصراع. ومن أجل تحقيق ذلك، يجب عليها العمل مع أرمينيا وأذربيجان وتركيا لتمويل وبناء روابط أخرى في شبكة نقل من الشرق إلى الغرب عابرة للدول الثلاث، مما سيجعل الطريق الذي يحمل اسم ترمب طريقاً دولياً سريعاً وليس مجرد مشروع محلي.
سيتعين على الولايات المتحدة أيضاً أن تعمل بشكل وثيق مع الاتحاد الأوروبي، الذي يستثمر في جنوب القوقاز سياسياً ومالياً أكثر بكثير مما تفعله واشنطن. فالدعم الأوروبي سيكون حاسماً لجعل اتفاق السلام بين أرمينيا وأذربيجان مستداماً. أما موسكو، فمن الطبيعي أن تفضل فشل التقارب الذي ترعاه الولايات المتحدة بين باكو ويريفان. لكن إذا بقيت واشنطن وشركاؤها الأوروبيون منخرطين في تنفيذ اتفاق العبور المعقد ومعالجة العقبات التي ستثيرها أطراف محلية وخارجية لا محالة، فقد يتمكن جنوب القوقاز أخيراً من الخروج من حلقة الصراع التي كبّلته لعقود.
التوجه غرباً
يعكس الاتفاق الذي وُضعت خطوطه العريضة في البيت الأبيض صعود أذربيجان بوصفها القوة المهيمنة في جنوب القوقاز. وقد بدأت هذه الحقيقة الجديدة تتبلور بعد حرب ناغورنو قره باغ الثانية، التي اندلعت بين أرمينيا وأذربيجان واستمرت 44 يوماً عام 2020. فبعد سنوات من الجمود الدبلوماسي، استأنفت أذربيجان القتال مع أرمينيا في ذلك العام وتمكنت من استعادة جميع الأراضي المحيطة بناغورنو قره باغ التي كانت قد خسرتها في تسعينيات القرن الماضي. وعندما توسطت موسكو للتوصل إلى وقف إطلاق النار في حرب 2020، بقيت ناغورنو قره باغ كياناً شبه مستقل بحكم الأمر الواقع تحت سيطرة أرمينيا، لكنه أصبح يعتمد في أمنه على قوة حفظ سلام روسية جرى نشرها حديثاً.
ولكن في عام 2023، ومع عجز أرمينيا عن الدفاع عن الجيب المنعزل، وانشغال روسيا بحربها في أوكرانيا، انتهزت القوات الأذرية الفرصة للسيطرة على ناغورنو قره باغ. وبين ليلة وضحاها تقريباً، فر جميع السكان الأرمن المتبقين هناك. وفي أعقاب هذا الانتصار العسكري الميداني، بدأ علييف، الرئيس القوي الذي يحكم أذربيجان بقبضة من حديد منذ عام 2003، التفاوض مع أرمينيا على اتفاق سلام، لكنه لم يُبدِ أي عجلة في إبرامه، واثقاً بأن بلاده باتت صاحبة اليد العليا في ميزان القوى الإقليمي.
وطوال فترة حكمه، أدار علييف بمهارة علاقاته مع روسيا، التي كانت تاريخياً حليفاً طويل الأمد لأرمينيا. ففي عام 2022، وقع اتفاقاً ثنائياً مع بوتين قبل يومين فقط من شن الكرملين غزوه لأوكرانيا. وفي أغسطس 2024، قام بوتين حتى بزيارة رسمية إلى أذربيجان. لكن منذ ذلك الحين، تدهورت علاقات باكو مع موسكو بشكل حاد. وخلال الأشهر التسعة الماضية على وجه الخصوص، أصبح علييف أكثر حذراً من روسيا وأكثر ميلاً إلى إبرام السلام مع أرمينيا.
بدأت المشكلات في ديسمبر (كانون الأول)، عندما أسقط صاروخ روسي مضاد للطائرات طائرة ركاب أذرية عن طريق الخطأ، مما أسفر عن مقتل 38 مدنياً. وعندما لم يقدم بوتين اعتذاراً، وجه علييف انتقاداً لاذعاً وغير معتاد، مؤكداً أن موسكو حاولت “التعتيم” على القضية. ثم، في صيف هذا العام، عين بوتين سيرغي كيرينكو، وهو متشدد في الكرملين قاد سياسة ضم المناطق الأوكرانية المحتلة إلى روسيا، مسؤولاً عن العلاقات مع دول جنوب القوقاز. وفي ما بدا أنه استفزاز متعمد، قامت الشرطة في مدينة يكاترينبورغ الروسية بحملة اعتقال ضد الأذريين المحليين في يونيو (حزيران) متهمة إياهم بجرائم تعود إلى عقدين من الزمن. وانتهى الأمر بمقتل اثنين من الأذريين. رد علييف بغضب، فألغى الزيارات الرسمية والفعاليات الثقافية الروسية، وقاد حملة إعلامية اتهمت روسيا بالنزعة الإمبريالية الجديدة. كل ذلك يشير إلى أن الزعيم الأذري عازم الآن على إبقاء موسكو خارج أي تسوية إقليمية جديدة.
ومن اللافت أن أرمينيا بدورها لديها مشكلة مع روسيا، وهو ما يخلق تلاقياً تكتيكياً في المصالح مع أذربيجان. فمنذ عهد القياصرة، ضمنت روسيا ولاء أرمينيا عبر تعهدها بالدفاع عنها ضد الإمبراطورية العثمانية (ثم ضد خليفتها تركيا) من خلال دعم عسكري متواصل. لكن في الآونة الأخيرة، فشلت موسكو مراراً في نجدة أرمينيا، كما حدث حين امتنعت عام 2022 عن الوفاء بالتزامها في المعاهدة بالدفاع عنها عندما شنّت أذربيجان توغلاً عبر الحدود.
وباشينيان، الذي ازداد تشككه في مصداقية موسكو كحليف، علّق في عام 2024 مشاركة أرمينيا في منظمة معاهدة الأمن الجماعي، وهي تكتل أمني تقوده روسيا. وبدلاً من ذلك، لجأ إلى الولايات المتحدة وأوروبا طلباً للدعم. ففي يناير (كانون الثاني)، وقبل تولي ترمب منصبه بفترة وجيزة، وقّعت الحكومة الأرمينية اتفاقية شراكة استراتيجية مع إدارة بايدن، متعهّدة بتوثيق العلاقات السياسية والتجارية، كما اعتمد البرلمان الأرميني في مارس (آذار) تشريعاً يدعو الحكومة إلى بدء مساعي الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي.
وقد دفع هذا روسيا إلى اتخاذ خطوات أكثر فجاجة لزعزعة استقرار حكومة باشينيان. ففي يونيو، أعلن باشينيان إحباط مؤامرة للإطاحة بحكومته. ولم تتهم السلطات الأرمينية موسكو بشكل مباشر، لكنها اعتقلت رجل أعمال أرمينياً روسياً بارزاً في يريفان، يُدعى سامفيل كارابيتيان. وفي تطور أكثر إثارة، تم اعتقال أسقفين أرمينيين على صلة بروسيا. وقد نشرت الحكومة أدلة على المؤامرة، بما في ذلك العثور على مخبأ للأسلحة.
إن استعداد باشينيان لمواجهة الكنيسة الأرمينية، التي كانت تقليدياً على علاقة وثيقة بموسكو، يُظهر مدى استعداده للذهاب بعيداً في سبيل كسر اعتماد أرمينيا التاريخي على روسيا. وهكذا، دفع التحدي المشترك لموسكو الزعيمين إلى التقارب في وقت تُقيد فيه قدرة روسيا على التأثير في القوقاز بسبب الحرب في أوكرانيا. ولذلك، لاقت المبادرات الدبلوماسية من واشنطن ترحيباً خاصاً. أما بالنسبة إلى علييف، الذي يُحكم قبضته على الداخل ويضيق على المنظمات الدولية، فقد كان عرض ترمب لشراكة استراتيجية مع الولايات المتحدة بمثابة هدية؛ إذ إن إدارة بايدن لطالما جعلت مثل هذا العرض مشروطاً بتحسين باكو سجلها المتدهور في مجال حقوق الإنسان. ولم يطرح البيت الأبيض خلال اجتماع أغسطس أي مطالب على باكو بالإفراج عن السجناء السياسيين الأذريين أو المعتقلين الأرمينيين. بل إن شركة النفط الأميركية العملاقة “إكسون موبيل” وقّعت في اليوم السابق للاجتماع مع باشينيان اتفاقية ثنائية مع شركة الطاقة الحكومية الأذرية “سوكار”.
التحديات المقبلة
لا بد من بذل جهد كبير لترجمة الاتفاقيات التي عُقدت في واشنطن إلى واقع ملموس. تعد الاتفاقية المكونة من 17 نقطة، والتي وقعها الزعيمان مبدئياً، مفتاح تطبيع العلاقات وإنهاء الصراع رسمياً. وعلى الرغم من أهميتها، فهي ليست اتفاقية سلام شاملة بين دولتين متحاربتين. فلا يتضمن نصها أي ذكر لحق مئات الآلاف من المدنيين النازحين من كلا الجانبين في العودة إلى منازلهم. ولا توجد آلية للمساءلة عن جرائم الحرب المرتكبة على مدى عقود من القتال. وفي وقت يجري فيه الحديث عن السلام على مستوى النخب، تواصل أذربيجان احتجاز ناشط السلام الأذري الشاب، بهروز صمدوف، بتهمة “الخيانة” لاتصاله بنشطاء المجتمع المدني الأرميني.
قد تفشل المعاهدة لأن علييف صرح بأنه لن يوقع أو يصدق عليها ما لم تغير أرمينيا دستورها لإزالة إشارة غير مباشرة إلى اتحادها مع ناغورنو قره باغ. وسيتطلب تغيير الدستور استفتاء ربما يحاول باشينيان تمريره قبل أو بعد الانتخابات البرلمانية المقبلة في أرمينيا، المقررة في يونيو 2026. وهذا يمنح معارضي باشينيان القوميين والموالين لروسيا هدفاً مزدوجاً لحشد الناخبين ضده: رئيس وزراء يسعى لولاية جديدة، واتفاقية سلام يريدون إفشالها.
كما أن الاتفاق المتعلق بالممر الذي يربط أذربيجان بجيب ناخيتشيفان المنعزل هش أيضاً. فلم تتفق باكو ويريفان بعد على تفاصيل أساسية، مثل موقع الطريق الجديد وما هي الترتيبات الأمنية المطلوبة له. ولا يزال من غير الواضح كيف سيتيح الاتفاق لحركة المرور الأذرية عبور الأراضي الأرمنية “من دون عوائق”، وفي الوقت نفسه احترام سيادة أرمينيا.
ولأن هذه البقعة من الأرض تحمل أهمية استراتيجية وعاطفية كبيرة لدى أطراف عديدة، فهناك دافع لدى البعض لتقويض أي حل لا يروق لهم. فمن المرجح أن إيران، التي تمتد حدودها الشمالية من ناخيتشيفان إلى أرمينيا ثم إلى أذربيجان، غير راضية عن اتفاقية السلام. فطهران تريد الحفاظ على وضعها الحالي كبلد عبور بين جزأي أذربيجان، وقد عارضت باستمرار أي ترتيبات جديدة من شأنها أن تنشر قوات أمن غربية على الطريق المؤدي إلى ناخيتشيفان أو منح سيطرة مفرطة لجارتيها التركيتين غير الودودتين، أذربيجان وتركيا. وحتى الآن، كانت تهديدات إيران جوفاء، لكن قد يتغير ذلك إذا جرى استبعاد شاحناتها وقطاراتها من المرور عبر طريق تُديره الولايات المتحدة.
وقد يسعى الكرملين بدوره إلى عرقلة الاتفاقات التي أُبرمت في واشنطن. فلا تزال روسيا ترى في هذه المنطقة أهمية استراتيجية، إذ كانت قد وُعدت بالسيطرة عليها بعد حرب 2020. وكانت موسكو تعتقد أنها ستنشر قوات حدودية روسية على طول الطريق، وتكسب نفوذاً على كل من أرمينيا وأذربيجان، وتؤمن الحلقة المفقودة من ممر النقل الدولي بين الشمال والجنوب، وهو مشروع طال انتظاره يربط روسيا بالخليج العربي براً وبحراً وسككاً حديدية. حتى الآن، جاء رد فعل الكرملين على الاتفاقات فاتراً ومتجاهلاً، بدلاً من الدخول في مواجهة صريحة. وستتجنب موسكو، كما طهران، تعطيل طريق يحمل اسم الرئيس الأميركي علناً. لكنهما ستسعيان إلى تقويض الاتفاق إذا عجزت أرمينيا وأذربيجان عن التفاهم على التفاصيل الجوهرية، أو قد تعملان على إفشاله فعلياً بعد انتهاء ولاية ترمب.
أما الجار الثالث في المنطقة، تركيا، فيُشكّل حالة خاصة. فعلى الرغم من دعمها للسلام في المنطقة ورغبتها القوية في إنشاء طرق نقل جديدة عبر جنوب القوقاز وصولاً إلى آسيا الوسطى، فإن تجاهل المسؤولين الأميركيين تقريباً لمشاورات جدية مع نظرائهم الأتراك بشأن خطة “تريب” أثار استياء في أنقرة. وكان ذلك مؤسفاً، لأن لدى أنقرة الورقة الأقوى لتعزيز السلام الإقليمي: فهي تملك القدرة على تطبيع العلاقات وفتح حدودها البرية مع أرمينيا، المغلقة منذ عام 1993، وهو ما من شأنه أن يحرر أرمينيا من قيودها الجغرافية. وفي 12 سبتمبر، أرسلت تركيا مبعوثها إلى يريفان وأعلنت عن إجراءات جديدة لبناء الثقة، لكنها، مراعاة لحليفتها الوثيقة أذربيجان، لا تزال تتلكأ في إعلان انفراج كامل. وفي الأثناء، تبقى العلاقات الأميركية – التركية متوترة. ومن هنا، تبرز الحاجة إلى فتح خط دبلوماسي جديد بين واشنطن وأنقرة لطمأنة الجانب التركي بأن له نصيباً من “طريق ترمب” وخطط الولايات المتحدة للمنطقة.
مكسب للجميع
طوال عقود، سُجلت انفراجات “تاريخية” في النزاع بين أرمينيا وأذربيجان، لكن سرعان ما كان البلدان ينزلقان مجدداً إلى الصراع. وقد يلقى اتفاق ترمب المصير نفسه. فقد نشأ جيل كامل من الأرمن والأذريين متأثراً بالصراع. وقد استغل السياسيون في كلا البلدين العداء لتعزيز شرعيتهم، عبر التركيز الانتقائي على بعض المظالم تجاه الطرف الآخر وتضخيمها.
يُحسب لباشينيان، الذي بدا مدفوعاً في البداية بظروف صعبة لكنه اليوم مدفوع بقناعة صادقة، أنه شرع في تغيير هذا النمط السائد. وحتى لو تطلب الأمر تنازلات كبيرة، فإنه يسعى إلى إبرام اتفاقيات مع كل من أذربيجان وتركيا تمكنه من فتح حدود بلاده، والسماح لأرمينيا أخيراً بتخفيف اعتمادها على روسيا، وأن تصبح دولة قومية مكتفية ذاتياً. أما علييف، فلا يحتاج إلى اتفاق سلام بالقدر نفسه، بعد أن حقق كل ما يصبو إليه تقريباً في ساحة المعركة. لكنه يبدو أيضاً مقتنعاً، على الأقل في الوقت الحالي، بأن من مصلحته دعم الزعيم الأرميني المحاصر بدلاً من رؤية أرمينيا تخضع من جديد للهيمنة الروسية.
تملك واشنطن القدرة على إنهاء ادعاء موسكو بأنها الحكم في المنطقة
في الواقع، يغذي المشهد الجيوسياسي الفوضوي الراهن اتجاهات متناقضة في جنوب القوقاز. فمن ناحية، أدى تراجع المؤسسات المتعددة الأطراف وانحسار المعايير الليبرالية الأوروبية إلى جعل القوى الإقليمية الثلاث، إيران وروسيا وتركيا، أكثر جرأة. ففي عام 2021، ابتكرت هذه القوى صيغة “3 + 3” لتأكيد حقها في أن تكون من يقرر النظام في المنطقة. ولكن في ما يتعلق بالدول الثلاث الأخرى في هذه المعادلة، أرمينيا وأذربيجان وجورجيا، فإن هذه القوى الكبرى ليست سوى هيمنات إمبراطورية سابقة تستند إلى دعاوى تاريخية متقادمة. وقد دفع هذا الشك المشترك بدوره اتجاهاً آخر: طموح دول جنوب القوقاز الثلاث، وهو طموحٌ يقال إنه طال انتظاره بعد أكثر من 30 عاماً من حصولها على الاستقلال إثر انهيار الاتحاد السوفياتي، لبناء دول قومية مستقلة استراتيجياً لا تعتمد على أي قوة خارجية.
وهنا يمكن أن يشكل ترمب ورقة رابحة. فميزة وجود الولايات المتحدة كوسيط سلام تكمن في قوتها وفي الوقت ذاته عدم انخراطها مباشرة في شؤون المنطقة. كما أن لدى واشنطن القدرة على إنهاء ادعاء موسكو بأنها الحكم الإقليمي، وهي الأداة التي استخدمتها روسيا لسنوات لمحاولة فرض سيطرتها على كل من أرمينيا وأذربيجان. في الوقت نفسه، ولّت أيامُ أجندة الولايات المتحدة الأكثر طموحاً لهذه المنطقة، مثلما حدث عندما زار الرئيس الأميركي جورج دبليو بوش تبليسي ووصف جورجيا بأنها “منارة الحرية”.
وقد استمتع ترمب بعبارات الإطراء التي وجهها له علييف وباشينيان في البيت الأبيض وبحماسهما المعلن لترشيحه معاً لجائزة نوبل للسلام، لكن من الواضح أنه لم يُعر جنوب القوقاز اهتماماً يُذكر، بل إنه، بعد اجتماع البيت الأبيض بوقت قصير، أخفق حتى في نطق اسمي البلدين اللذين توسط بينهما، فأطلق عليهما اسم “ألبانيا” و”أبر-باي-جان”.
مع ذلك، فإن دعم ترمب يمنح باكو ويريفان الشجاعة للوقوف في وجه موسكو. بعد أن توسط في اتفاق مبدئي بينهما، وأصبح اسمه مرتبطاً بممر عبور جديد بالغ الأهمية، يتعين على ترمب الآن أن يدرك أنه لا يستطيع القيام بذلك بمفرده. بل عليه أن يستثمر في دبلوماسية أميركية تقليدية للمساعدة في إحلال سلام دائم في المنطقة.
المصدر اندبندنت عربية
مترجم عن “فورين أفيرز” 22 سبتمبر (أيلول)، 2025
توماس دي وال هو باحث أول في مركز كارنيغي أوروبا.
