
الخيبة التي أصابت جمهور “انتفاضة الاستقلال” (2005)، أتت بعد ثلاث سنوات تقريباً، ولم ينل منه اليأس تماماً إلا في العام 2016، بعد صفقة سعد الحريري-ميشال العون.
الخيبة ذاتها حلّت على جمهور انتفاضة 2019، بعد شهر من اندلاعها، وتحكم اليأس به بعد انفجار مرفأ بيروت عام 2020.
اليوم، تأتي الخيبة من عهد عون-سلام بعد تسعة أشهر تقريباً على بدايته، مصحوبة باليأس بلا تأخير.
الوعود الكبرى التي نطق بها خطاب القسم، والطموحات الواسعة التي سطّرها البيان الوزاري، تبدو كلها الآن محض كلام وتعبيرات لا سبيل إلى تحويلها وقائع وأفعالاً ونتائج.
“الانقلاب” المباغت الذي حدث عملياً على المستوى القضائي، يشي بأن مسار المحاسبة في ملفات الجرائم الكبرى والفساد المالي والإداري قد توقف وارتد عكسياً. وهو ما تجلى في إخلاء سبيل رياض سلامة و”جوقة” كازينو لبنان التي تتحكم بالصندوق الأسود وشبه السري فيه.
أيضاً، ما يحدث في مسار التحقيق بانفجار المرفأ، والمصير القضائي الغامض الذي يحيق بمستقبل القاضي طارق البيطار، والنية المكشوفة لإزاحته أو كف يده، يدل على أن الوعد بالحقيقة والعدالة قد يبقى مجرد وعد لفظي.
الإصلاحات الكبرى، وعلى رأسها القطاع المالي والمصرفي، هي بدورها حسب صندوق النقد، ليست جدية إطلاقاً، وعادت المماطلة السياسية والتشريعية لتتحكم فيها. ناهيكم بالنقد اللاذع الذي وجهه الصندوق لمشروع الموازنة، التي تكشف العودة إلى العقلية القديمة المفضية إلى الكارثة والإفلاس.
العلاقة التكاملية بين رئاسة الجمهورية ورئاسة الحكومة والتي وسمت بداية العهد، ها هي اليوم علاقة تصادمية، أو بأفضل الأحوال: مساكنة قسرية تضمر الحزازات والمناكفات وانعدام الثقة.
عودة الـBoss نبيه بري (حسب نعت آموس هوكشتاين)، إلى منصب مايسترو الجمهورية، والقائد الفعلي للدولة، وصانع السياسة العامة ولغتها، ومدبّر التسويات الأوحد، تعني بوضوح انتعاش “المنظومة” إياها في السلطة والإدارة والقضاء والأمن.. والاقتصاد. المنظومة إياها التي يسميها البعض “الدولة العميقة”، وظننا أن العهد الجديد سيتولى تفكيكها، فاستسلم لها سريعاً.
الاتفاقية التي وافق عليها لبنان بعد أن رضي بها حزب الله، وشارك الرئيس برّي بصياغتها، كان من المفترض بها إنهاء الحرب وافتتاح مسار يحقق الاستقرار والأمن وتمكين الدولة من سيادتها على أرضها ونزع سلاح الميليشيات جميعها، وحصر مصادر القوة ومهمة الدفاع الوطني بالجيش اللبناني.. كما من المفترض بها، تدشين العمل لتنفيذ القرارات الدولية ذات الصلة (1559 و1701). لكن، ما هو واضح أن لا أحد يلتزم بها، خصوصاً بالمنظور الأميركي والعربي والفرنسي أيضاً. ويبدو أن الجيش بلا دعم مادي ولوجستي أو قرار سياسي حاسم، غير قادر على تنفيذ كل المهام الموكلة إليه، فيما حزب الله يقول بعبارات كثيرة وصيغ متعددة إنه يرمم قدراته العسكرية ويستعد للحرب المقبلة، وتلاقيه إسرائيل بأعمال عدائية يومية وبتهديدات جدية لاستئناف الحرب قريباً، وعلى نحو قد لا تستثني فيها الدولة اللبنانية ومرافقها وبناها التحتية، في استعادة للتهديد الشهير بإعادة لبنان إلى العصر الحجري على شاكلة ما أصاب غزة وشعبها.
وبغض النظر عن ما يصيب مجلس النواب اليوم من شلل نتيجة النزاع “الكلاسيكي” بين طرفي الانشطار اللبناني العميق، والموحي أن الانتخابات إن حصلت في موعدها أو تأجلت، ستكون موعداً متجدداً مع الاستعصاء الوطني الذي لا شفاء منه.. هناك معضلة أشد هي عودة اليأس الخارجي من إصلاح هذه الجمهورية. إذ أن الخارج كله عاد يخاطبنا بلغة التأنيب والتحذير والتهديد.
في الأثناء، يبدو أن رئيس الحكومة نواف سلام الآتي من خارج المنظومة بات في شبه عزلة داخلية، ولو أن شعبيته تصاعدت بسرعة قياسية. فالانقلاب المباغت الذي أشرنا إليه، بمعونة أصحاب القمصان السود إياهم، تشي أن ما أصاب رفيق الحريري في عهد إميل لحود، وتكرر مع سعد الحريري (بنسخته السياسية الأولى) وفؤاد السنيورة وتمام سلام قد يتكرر مع نواف سلام حرفياً.
بالمحصلة، يبدو أننا لسنا محكومين بالأمل إطلاقاً. نحن على الأرجح محكومون بوعد نعيم قاسم الكربلائي.