سوريون أكراد يتظاهرون في عامودا احتجاجاً على الإعلان الدستوري (14/3/2025 فرانس برس)
رغم مرور أكثر من عقد على انطلاق الثورة السورية، لا يزال مستقبل الكرد في البلاد يكتنفه الغموض، وسط تشابك المصالح الإقليمية والدولية، وتقلّبات المواقف المحلّية. فالكرد، الذين شكّلوا بعض أبرز الفاعلين في مرحلة ما بعد 2011 وجدوا أنفسهم أمام مفترق طرق يتقاطع فيه الحلم القومي والمكتسبات السياسية والتهديدات الوجودية. وفي غياب حلّ سياسي شامل، وركود العملية الدستورية، وتآكل الإدارة الذاتية من الداخل وتحت الضغط الخارجي، يُطرح السؤال الجوهري: ما هو مستقبل الكرد في سورية؟
منذ سنوات، شكّل الحضور الأميركي في شمال شرقي سورية مظلّةَ حماية سياسية وأمنية للإدارة الذاتية، ومكّنهم من تعزيز سلطتهم الذاتية. إلا أن التردّد الأميركي، وتصاعد الإشارات حول انسحاب أو تقليص الدور، أدخل المسار السياسي الكردي في حالة من الترقّب والحذر. فبعد سقوط النظام السابق، ومجيء الإدارة الجديدة، وعقد مؤتمرٍ للحوار الوطني غابت عنه مكوّنات طائفية، قومية ومذهبية، وبعدها جاء الإعلان الدستوري، والحكومة، ولجنة انتخابات لمجلس الشعب… شكّلت جميعها مؤشّرات خطيرة لإقصاء وتهميش المكوّنات. بدا واضحاً أن الحلول السياسية رُبطت بالوضع الأمني والعسكري العام. فمجازر الساحل والسويداء، وقبلها تفجير كنيسة الدويلعة، حدّدت مسار البوصلة السياسية للكرد السوريين بضرورة عقد مؤتمر وطني شامل للمكوّنات السورية كافّة، من أجل بناء سورية لامركزية، متعدّدة القوميات والثقافات والأديان والطوائف، ويضمن دستورها حقوق الجميع. واللامركزية، عدا أنها غير محصورة بالكرد وحدهم، تتلاءم مع الجهود الدولية والإقليمية للحفاظ على وحدة سورية وتبديد مخاوف بعض الدول من فوبيا التقسيم.
غياب حلّ سياسي شامل في سورية وركود العملية الدستورية، يُلقيان بظلالهما على مستقبل الكرد
ومع غياب بدائل استراتيجية فاعلة، يبقى السؤال بشأن خيارات الكرد ما بعد أميركا مفتوحاً على احتمالاتٍ معقّدة، فإن العنوان الأساس للمسار السياسي الكردي هو الضبابية، وتقلّب المواقف الدولية، بعدما راهنت “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد)، والإدارة الذاتية، على تحالف ثابت مع واشنطن. وكشفت التطوّرات أخيراً غياب الاستراتيجية الواضحة لدى أميركا تجاه مستقبل “قسد”. فرغم تأكيدات المبعوث الأميركي توم برّاك في لقاءاته مع قيادة “قسد” خلال الفترة الماضية، التزام واشنطن بدعم الإدارة الذاتية، فوجئت الأخيرة بإعلان وزارة الخزانة الأميركية رفعاً جزئياً لبعض العقوبات عن سورية، من دون أيّ تنسيق مباشر معها، أو اشتراط واضح لمشاركتها في مستقبل الحكم. إضافة إلى قنوات تفاهم مباشرة مع حكومة أحمد الشرع، وإمكانية القبول بأمر واقع جديد، شرط تحقق الاستقرار الأمني. وتكلّل ذلك بزيارة الرئيس أحمد الشرع الأمم المتحدة وإلقاء كلمة سورية أمام جمعيتها العامة.
يكشف هذا التناقض نهجاً أميركياً متقلّباً وغير حاسم، قائماً على التعامل مع من يُمسك بالأرض، وليس بالضرورة من التزمت تجاهه واشنطن سياسياً وعسكرياً سنوات، وهو ما يُعرف بمعادلة “الاستقرار مقابل الاعتراف”، إذ لا يتم الاعتراف الكامل بالحكومة الجديدة، لكن التعامل معها يجري واقعياً إذا استطاعت فرض الحدّ الأدنى من السيطرة والتهدئة. لهذا، تجد القوى الكردية نفسها أمام استحقاق إعادة التموضع، ليس عبر المراهنة على الوعود الدولية، بل عبر فتح قنوات تفاهم داخلية وطنية واسعة، تُثبت أنها جزء أساس من مستقبل سورية، لا طرف مؤقّت في حسابات خارجية. ورغم اللقاءات المتقطّعة بين الطرفَين، لا تزال العلاقة بين الإدارة الذاتية ودمشق تراوح مكانها، في ظلّ غياب أيّ إطار تفاهم دستوري واضح أو نيّة سياسية جدية من النظام، وفقاً لما تروّجه قيادات وسياسيين محسوبين على الإدارة الذاتية و”قسد”، لتُطرح تساؤلات حول مدى قابلية هذه العلاقة للتطوّر أو الانفجار، خصوصاً مع تصاعد الضغوط الخارجية والداخلية على الطرفَين.
الطرف الثاني في معادلة التمثيل الكردي، والمتمثّل في المجلس الوطني الكردي، تلقّى فرصةً ذهبيةً، إن لم يستثمرها قد يندم إلى الأبد. إذ تلقّى دعوة رسمية للقاء رئيس الجمهورية السورية، ولا يزال ينتظر. ومع أنه أرسل أسماء المشاركين في وفده، لم يتلقَّ (حتى لحظة كتابة هذه السطور) ردّاً، ويعيش حالياً صراعاً مع ذاته ومع الوفد الكردي المشترك، رغم تمسّكه بالوفد، وبمخرجات “كونفرانس” إبريل/ نيسان 2025 في القامشلي. لكن على المجلس الكردي أن يعرف أنها فرصة نادرة في تاريخ الحياة السياسية السورية، وكسر للقوالب التي فرضتها حكومة أحمد الشرع على الحياة السياسية، وللحظر الذي فرضته على التعامل مع الكيانات السياسية وإرسال دعوات للأحزاب. أيضاً هذا تحريك للحياة السياسية السورية برمّتها، وارتقاء للمجلس نفسه في سلّم التمثيل السياسي للقضية الكردية، بل هي خطوة بالغة الأهمية في طريق إطلاق مسار حوار سوري – سوري جادّ، لطالما سعى إليه الكرد منذ بدايات تشكيل الحركة السياسية الكردية، وتعميقه أكثر بعد سقوط النظام السابق. ولطالما أكّدت الحركة السياسية والشعبية الكردية وحدة الأراضي السورية مبدأً لا مساومة عليه، وركيزةً ثابتةً في رؤية مستقبل البلاد، والمزايدة في هذا الملفّ لا تخدم سوى من يريد تقويض فرص الحلّ السياسي. فالمطالب الكردية واضحة من دون لبس: نظام ديمقراطي تعدّدي، لا مركزي، وعدالة اجتماعية، ومساواة بين الجميع، ودستور يضمن حقوق جميع المكوّنات. وهي ليست مطالب جديدة، بل هي صلب ما خرج السوريون من أجله منذ عام 2011. رفض هذه المطالب، ووصمها بـ”الانفصال” تزوير متعمّد لحقيقة النضال السوري ضدّ الاستبداد.
القوى الكردية مطالبة بإعادة التموضع عبر فتح قنوات تفاهم داخلية وطنية واسعة
ووفقاً لذلك، تسود في الأوساط الكردية فكرة أن الحكومة السورية تتعامل مع الكرد من موقع مزدوج: فهي من جهة تلوح بالاحتواء السياسي، ومن جهة أخرى تهدّد باستعمال أدوات أمنية وعسكرية لتحجيم نفوذهم. هذه المقاربة، تُثير الشكوك حول نيات النظام الفعلية، وتدفع باتجاه تساؤل مشروع: هل تسعى الحكومة إلى استيعاب الكرد شركاء في الحلّ السياسي أم لا؟ وإلى نظام حكم وشكل دولة جديدين، يحميان الجميع بصيغة ناعمة أو قسرية؟… من جانب آخر، ونتيجة لتوزّع الكرد بين أربع دول متجاورة، فإن الطموحات الكردية في سورية لا تُقرأ من زاوية الداخل فقط، بل تتأثّر بشكل مباشر بخطاب ومواقف القوى الإقليمية. بين المخاوف التركية من “الانفصال”، والهواجس الإيرانية من عدوى الفيدرالية، يلعب السياق الإقليمي دوراً حاسماً في رسم حدود الممكن الكردي في سورية المستقبل. لهذا يُشكّل الخطاب الإقليمي عاملاً حاسماً في الطموحات الكردية في الإقليم، وكل دولة تنتهج خطوات وسياسات متشابهة، وإن اختلفت التفاصيل. منها ما ينظر لأي خطوة كردية في الإقليم خطراً على أمنها القومي، وينعكس على دول الإقليم، تقود إلى تدخّلات عسكرية. لهذا بدأت أنقرة التحوّل في حلّ القضية الكردية لديها إلى الجانب السياسي، بعد حلّ مشكلة “العمّال الكردستاني”، لكنّها لا تزال تنظر إلى المشاريع الأخرى بوصفها تمّس الأمن القومي، وليست قضيةً سياسيةً في دولة جارة. فيما تتحرّك إيران في الظلّ، وتعمل في إجهاض أيّ مشروع لامركزي، لا يخضع بالكامل للمركز في دمشق. وهو ما يُبرز الحاجة الكردية المُلحّة إلى بناء شرعية وطنية داخلية، تُقنع بقيّة السوريين بأن القضية الكردية ليست مشروع انفصال، بل جزء من حلّ سياسي شامل وعادل لكلّ مكوّنات البلاد.
لهذا يقع على عاتق السلطة السورية تحقيق توازن دقيق بين متطلّبات الوحدة الوطنية ومطالب المكوّنات القومية، والضغوط الإقليمية والدولية، في أيّ حلّ يتضمّن اعترافاً دستورياً بالحقوق الكردية. والمطلوب اليوم (وليس غداً)، والآن (وليس بعد قليل) تحقيق انفتاح على الاعتراف بالتنوّع القومي في سورية، والسعي نحو إطار دستوري يضمن الحقوق الثقافية واللغوية للكرد، وشكل من أشكال الحكم اللامركزي. ورغم إشارات إيجابية في العهد الانتقالي الجديد، مثل ما ورد في البند الثالث من المادّة السابعة من الإعلان الدستوري المؤقّت، عن كفالة التنوّع الثقافي واللغوي، إلا أن العبرة في الربط بين النصّ والتطبيق لتوفير تلك الحقوق، والاختبار الحقيقي لا يكمن في النصوص والوعود، بل في القدرة على تحويل هذه المبادئ إلى واقع دستوري ومؤسّساتي.
أيامٌ عصيبة تمرّ على الشعب الكردي في سورية، بين خطاب الكراهية وتهم العمالة والتخوين والانفصال، وتمسّكهم بالعيش المشترك والحقوق السياسية وفق اعتراف دستوري يضمن لهم إدارة التنوّع والمشاركة في رسم السياسات الاقتصادية والعسكرية والسياسية في سورية، مواطنين لا وافدين.
المصدر العربي الجديد
