يكاد يكون النظر إلى غزة اليوم واحداً من أكثر الأفعال مشقّة على من يملك حداً أدنى من الضمير، أو حتى حداً أدنى من الحسّ السياسي السليم. لقد دمر جيش الاحتلال الإسرائيلي كل شيء في القطاع، وحوّلَ حياة أكثر من مليوني شخص إلى جحيم لا يُحتمَل، في جريمة إبادة جماعية دارت فصولها علناً في وضح النهار. لا يعرف المرء كيف يراقب الأمر ولا كيف يصفه، لكن أطباءَ في غزة قد اضطروا مراراً لإجراء عمليات جراحية بلا تخدير، كان بعضها لأطفال؛ أطفالٌ في غزة بُترت أطرافهم المُصابة دون تخدير، على بعد كيلومترات قليلة جداً من «العالم». كيف يمكن التحديق في شيء كهذا؟ وكيف يمكن استخلاص أي معنى سياسي منه؟

يزداد الأمر مشقة إذا كان سوريّاً هو من يحاول النظر إلى ما جرى ويجري في غزة، فسوريا بلد مُدَمَّرٌ ومنهارٌ على كل صعيد، يشهد منذ العام 2012 حصارات وأعمالاً إبادية متنقلة متنوعة الأساليب والضحايا والشدة والمدى الزمني. لا يستطيع السوريون الدفاع عن أنفسهم حتى يدافعوا عن غيرهم، بينما يفقد كثيرون منهم الإيمان بالروابط التي تجمعهم ببعضهم فضلاً عن الروابط التي قد تجمعهم بالفلسطينيين أو غيرهم. كان بعضهم يفرحون ويستبشرون أيام النظام السابق بضربات إسرائيلية عندما يؤمنون أنها قد تردّ عنهم أذىً لا يستطيعون ردّه بأنفسهم، واليوم يفرح ويستبشر آخرون منهم بضربات إسرائيلية للسبب نفسه. وقد ساهمت فعلاً ضرباتٌ وسياساتٌ إسرائيلية في إضعاف النظام السابق وتقييد حركة قواته ثم في إسقاطه، وتسهم ضرباتٌ وسياساتٌ إسرائيلية فعلاً في تقييد حركة السلطة الحالية وفي لجم فصائلها.

يُصبح الأمر أعقد عندما نتذكر أن سوريا جارةُ فلسطين وأُختُها، يحكي أهلها اللغة نفسها ولديهم العادات نفسها تقريباً، كما أن العقائد الدينية مشتركة ومتشابهة وإن تكن سوريا أكثر تنوعاً. وفي سوريا يعيش فلسطينيون شاركوا السوريين عيشهم الحلو والمرّ طوال عقود، بما في ذلك سنوات الثورة والحرب التي انقسموا فيها بين مؤيد ومعارض لنظام الأسد كما انقسم السوريون أنفسهم، ونالَهُم فيها ما نال السوريين من موت واعتقالات وإخفاء قسري وتشريد وتدمير. وفلسطينُ ليست أمراً عابراً في ذاكرة في السوريين، بل إن الإيمان بعدالة قضيتها وحقوق أهلها مُنعجِنٌ في أرواح السوريين عجناً، نتيجة ثقافة وتعليم وإعلام وعقائد سياسية لا تكاد فلسطينُ تغيبُ عنها منذ نكبة 48، ونتيجة تاريخ متداخل قبل النكبة وبعدها، وشراكة مديدة في عداوة إسرائيل التي تحتل أيضاً أرضاً سورية هجّرت أغلب أهلها.

فوق ذلك لدينا مسألة إسلامية حاضرة تترك تأثيرها على البلدين وعلى المواقف ممّا يجري فيهما، فالمقاتلون الذين نفذوا عملية طوفان الأقصى إسلاميون سُنّة، والمقاتلون الذين صارعوا نظام الأسد ثم أسقطوه بعد أن أضعفت اندفاعةُ نتنياهو قوةَ حلفائه اللبنانيين والإيرانيين إسلاميون سُنّة أيضاً، وقد قاتل الأولون بالتحالف مع إسلاميين شيعة فيما قاتل الأخيرون ضد إسلاميين شيعة. يُضيف هذا طبقات أخرى من التعقيد والتركيب، بما يجعل اتخاذ المواقف والدفاع عنها أكثر صعوبة بالنسبة لكثيرين.

لا يمكن لسوريّ أو سوريّة النظر إلى غزة بمعزل عن كل هذه العناصر أعلاه، وهي عناصر ثقيلةٌ جداً على نحو قد يجعلُ الأسهلَ أن يُعفي المرء نفسه منها بالركون إلى مواقف سينيكية تحاول تنحية الأخلاق والعواطف جانباً والتفكير في أن «سوريا أولاً» أو أنه «لا شأن لنا» بفلسطين، أو على النقيض بالركون إلى توزيع الاتهامات بالخيانة يميناً ويساراً على كل من لا يلتزم الموقفَ المُعادي جذرياً لإسرائيل أياً يكُن الحال، دون التفكير في التعقيد السياسي الرهيب الذي يفرضه الموقع السوري الشائك.

يبدو البحث عن «موقف سياسي سوري شامل وصائب» تجاه الصراع مع إسرائيل أشبه بمحاولة حلّ أحجية أو الخروج من متاهة، لكن ما قد يساعدنا هنا هو الانطلاق من حقيقة أولى، وهي أن الأمر التأسيسي في الصراع مع إسرائيل هو المسعى الصهيوني الدؤوب لإلغاء الوجود الوطني الفلسطيني، مع ما يحتاجه هذا المَسعى من هيمنة عسكرية وسياسية مباشرة على الإقليم كله.

مهما يكُن حجم الخطايا الكارثية التي ارتكبتها حماس في يوم السابع من أكتوبر وقبله وبعده، فإن المحرّك الأساس هو الاحتلال والاستعمار الاستيطاني للأراضي الفلسطينية. وقد يبدو هذا للوهلة الأولى قولاً ساذجاً أو مُكرَّراً حدّ الملل، لكن «سذاجته» و«تكراره حدَّ الملل» أمورٌ لا تنفي صحته، لأنه مهما كان رأينا في تعقيد اللحظة الراهنة، فإنه لا نهاية للصراع دون حل معقول للقضية الوطنية الفلسطينية. ولا شأن لهذه الخُلاصة بموقفنا الأخلاقي أو الوطني أو السياسي، بل هي خلاصة يقولها الواقع نفسه، ليس فقط لأن الفلسطينيين يخوضون منذ عقود نضالاً وطنياً مستمراً ومُثابراً رغم عثراته، بل أيضاً لأن شروط العيش المفروضة على الفلسطينيين داخل فلسطين وخارجها لا تُحتمل ولا يمكن أن نتصوّر استسلام الفلسطينيين لها. لن تنفع في تغيير هذه الحقيقة طائرات الجيش الإسرائيلي وحلفائه مهما بلغ مقدار تفوقها الناري، ولا تصورات «السلام الإبراهيمي» التي تتعامل مع البلدان بوصفها «صفقات عقارية» على نحو ما قال ترامب نفسه في شباط (فبراير) الماضي عن غزة.

على ذلك فإنه لا استقرارَ بشكل دائم في سوريا وجوارها، لا اليوم ولا بعد خمسين عاماً، بغير حصول الفلسطينيين على حقوقهم الوطنية ولجم نزعة إسرائيل للهيمنة على المنطقة. بهذا يصبح ما قد يبدو تَعارُضاً بين مصالح الفلسطينيين ومصالح السوريين، كلّهم أو بعضهم وفي هذه اللحظة السياسية أو تلك، تَعارُضاً عابراً ومؤقتاً لا تلبث «أولوية أمن إسرائيل» أن تدوسه بصواريخها وأقدام جنودها سواء صبَّ ذلك في صالح هذا الطرف السوري أو ذاك. ولا أدلَّ على ذلك من انقلاب الأوضاع على هذا الصعيد في اليوم التالي لسقوط الأسد مباشرة؛ دعونا نتذكّرُ أنه حتى يوم الثامن من كانون الأول (ديسمبر) الماضي كانت غارات إسرائيل تصبّ موضوعياً في صالح تحالف الفصائل الإسلامية المناهضة للأسد، لكن الأوضاع انقلبت منذ صبيحة التاسع من ذلك الشهر.

لأن السوريين يحتاجون استقرار بلدهم ونموه وسلامه، ولأن هذا غير ممكن دون ضمان حقوق الفلسطينيين، فإن مصالح إسرائيل تتعارض مع مصالح عموم السوريين على المدى المتوسط والطويل، وإن توافقت مع مصالح بعضهم على المدى القصير في لحظة سياسية بعينها. ويبقى أن نسأل أنفسنا إذن كيف ندير هذا التعارض والتلاقي وكيف نتعامل معه أسئلته نفسياً وسياسياً، بدل أن نهرب من وجهه إلى أجوبة سهلة أو متهوّرة أو مُتذاكية.

لا أدعي هنا أن في متناولي مُقترَحاً لـ«موقف سياسي سوري شامل وصائب» بشأن الصراع مع إسرائيل، لكن ما أدعيه أنه لا معنى لموقف لا يضع الحقوق الوطنية الفلسطينية بين أولوياته، وأنه لا معنى لموقف يُبنى على تصورات تبسيطية لواقعٍ على هذه الدرجة من التعقيد. يشعر بعض السوريين أن التفوق العسكري الإسرائيلي يحميهم من سوريين آخرين، لا أعني فقط ما يتصل بشرائح من السوريين في السويداء وغيرها اليوم، بل إن سوريين آخرين كثيرين كان لديهم الشعور نفسه أيام حُكم الأسد. المسؤول عن هذا الشعور هم أولئك المستعدون لقتل سوريين آخرين من أجل السلطة أو العقيدة أو الانتقام، وإذا كان هناك من لا يعجبه هذا الشعور فإن خصمه ينبغي أن يكون السلطة في الزمنين، زمن الأسد والزمن الراهن، التي استباحت دماء فئات من السوريين وسلكت تجاههم سلوكاً إبادياً لا يختلف كثيراً عن سلوك إسرائيل تجاه الفلسطينيين. وعلى هذا فإن كان هناك مقترحٌ مبدأيٌ مفيد، فهو أن يكف السوريون عن إنتاج النزعات الإبادية ضد بعضهم.

والنزعات الإبادية تتغذى من بعضها بعضاً، وتساهم في تطبيع بعضها بعضاً داخل البلد الواحد وعبر الحدود. ولقد تم ارتكاب جريمة إبادة علنية مديدة مكتملة الأركان على بعد عشرات الكيلومترات فقط من الحدود الجنوبية لسوريا، في حيّز يُعتبر مجالَ «الأمن الوطني» لأي «دولة» مهما صَغُرت، وأياً يكن رأينا في عملية طوفان الأقصى في السابع من أكتوبر، فإن ما جرى منذ الثامن من أكتوبر لم يكن رداً عليها، بل كان مشروعاً دموياً لتدمير إمكانية قيام كيان وطني فلسطيني كما يعلن قادة إسرائيل أنفسهم بصراحة لا حدود لها. من يعتقد أنه يمكن أن يعيش بمأمن بينما يحقق مرتكبو الإبادة أهدافهم السياسية على بعد كيلومترات قليلة من حدوده واهمٌ بلا شكّ، ولا يلبث الواقع أن يشرح له مقدار وهمه.

لا جدوى من القول بفصل مصير سوريا عن مصير فلسطين. هذا تاريخٌ مترابطٌ عمره مئات السنين، وهذه آمال وأحلام وثقافة وتطلعات مشتركة عششت في النفوس والعقول عقوداً، وصراعات وعقائد سياسية متشابكة، ومعارك دامية وإبادات متداخلة ومتزامنة أحياناً، وأوضاع سياسية وأمنية سائلة وعابرة للحدود شئنا أم أبينا. وبينما نحدق في وجه غزة بصعوبة بالغة من وراء كل هذه التعقيدات والآلام، ونأمل أن تُطوى صفحة حرب الإبادة في غزة فعلاً ويبدأ الناجون منها باستعادة نوع من الحياة بين الركام، فإنه لا ينبغي لنا أن ننسى أننا نحدق في أنفسنا أيضاً بينما نحدق في مصائر غزة وأهلها.