أجرى اللقاء ونسقه
نور درويش
لينكا تلتقي الباحث خالد البيطار
بداية ، نرحب بك أستاذ خالد، هل يمكن أن تعرّف متابعي شبكة LINKAبإيجاز عن نفسك ومسيرتك الشخصية والعملية؟
الهوية الوطنية والمكونات
كـثيرون يرون أن الطائفية لم تكن عائقاً حقيقياً أمام تكافل السوريين في مواجهة الاستبداد، بل ظهرت لاحقاً بفعل خطاب الكراهية والتحريض. برأيكم: هل نحن أمام صناعة طائفية جديدة تهدد أي مشروع وطني جامع؟
التنوع الديني والطائفي والقومي ليس عائقاً أمام بناء الدولة ولم تمنع الناس من التكاتف والتعاضد في مواجهة الاستبداد. هناك العديد من النماذج في العالم التي تثبت بأن هذا التنوع ليس عائقاً (الهند، بلجيكا، جنوب افريقيا، سويسرا، رواندا …الخ). لكن العائق هو في طريقة إدارة هذا التنوع واستخدامه للحشد وشد العصب حول السلطة الاستبدادية. وهذا ما نسميه بالطائفية. ويكون باتجاهين:
الأول: زرع الخوف من الاخر، وهذا لا يتطلب سوى التركيز على بعض الاخبار السلبية وعلى مشاريع الاخر ونواياه التي تهدف الى السيطرة واخضاع كل من هو مختلف.
الثاني: تعظيم الانتماء لمجموعة دينية أو قومية ما على حساب حرية الفرد. وبذلك تصبح الهوية الجمعية القائمة على طائفة أو دين هي الملجأ للفرد وهي الحامي له.
ما نشهده اليوم هو مرحلة ما قبل الدولة، حيث تتصارع تلك الانتماءات وتختبر بعضها. والمشروع الوطني الجامع سينشأ على اساس التفاهمات والتوافقات التي ستتم على الصعيدين الاقليمي والدولي، بحسب ما سيدفع السوريين والسوريات باتجاهه.
بمعنى إن استمر وضع الاستعصاء في شمال شرق سوريا وفي جنوبها. فإن المشروع الوطني سيكون على أساس حكم لا مركزي موسع. وإن استطاع السوريين والسوريات إحداث اختراق والتوافق على شكل الدولة المرجوة والتي تحفظ مصالح كل الاطراف وحقوقهم تحت حكم حيادي تجاه الطوائف والأديان والقوميات، فسيكون المشروع الوطني متمثل بدولة مركزية.
الهوية الوطنية في سوريا: هل هي مشروع قابل للتجديد عبر المجتمع المدني، أم أنها مفهوم مُستهلك فقد بريقه في ظل النزاعات والهويات الفرعية؟
لا أعتقد أن الهوية الوطنية هي بديل عن الهوية أو الهويات الفرعية، هذا غير موجود. الطبيعي أن يكون هناك هويات فرعية ومن الطبيعي أن تكون تلك الهويات متنافسة. أما عن دور المجتمع المدني في تجديد الهوية الوطنية في سوريا، فأعتقد أن المجتمع المدني يشكل رافعة أساسية في بناء الهوية الوطنية والحفاظ عليها. المجتمع المدني، من خلال عمله العابر للحدود الهوياتية الفرعية، يساهم في تراكم رأس المال الاجتماعي بشكل كبير إن كان على مستوى الهوية الفرعية الواحدة أو بين مجموعات بشرية تنتمي لهويات فرعية مختلفة.
كيف يمكننا تحويل الاختلاف الديني والإثني من عبء سياسي إلى رصيد مدني يعزز التعايش؟
نستطيع ذلك بعدم اعتماد الدين أو القومية أساساً لإخضاع اتباع دين معين أو قومية معينة لإرادة اتباع دين أو قومية معينة. نحن أمام مرحلة انشاء عقد اجتماعي والذي يجب على الجميع فيه تقديم تنازلات مقابل الحصول على الجائزة الكبرى وهي “الدولة”. يمكننا تحويل الاختلاف أو الصراع من شكل تنافسي مدمر إلى شكل تعاوني بناء يتم عبر اتاحة الفرصة للعمل السياسي العابر لكل الانتماءات وتصميم نظام سياسي تشاركي يكون لكل فرد فيه ذات الحقوق السياسية والمدنية لأقرانه، بغض النظر عن انتماءه السياسي أو الديني أو الجنسي أو القومي. نظام يستطيع فيه الجميع التنافس على تمثيل الناس لخدمة مصالحهم. نظام تكون فيه الكلمة العليا للشعب، والذي يكون قادراً على مساءلة السلطة ومحاسبتها عبر طرق واليات واضحة.
ببساطة نتكلم هنا عن الديمقراطية في مرحلة إدارة البلاد، وعن تشاركية في عملية تصميم النظام لا تكون فيه غلبة لأحد.
المجتمع المدني أمام خطاب الكراهية
هل ترون أن المجتمع المدني السوري كان شجاعاً بما يكفي في مواجهة الخطابات التحريضية، أم أنه وقع أحياناً في فخ المجاملة والصمت؟
في الحقيقة رأيت جهوداُ كبيرة تم بذلها، ولا يزال، باتجاه مكافحة خطاب الكراهية في سوريا من قبل المجتمع المدني (مبادرات، جمعيات، تجمعات…الخ). لكن التحديات والانقسامات كبيرة جدا وبحاجة لمزيد من العمل. لا أعتقد أن المجتمع المدني وحده سيكون قادراً على مواجهة خطاب الكراهية. هنا تبرز أهمية التشاركية بين القطاعات الثلاث (المجتمع المدني، الحكومة، السوق). يمكن للمجتمع المدني أن يشكل عامل ضغط كبير على كل من الحكومة والسوق لكن عمله وحده غير كاف.
المجتمع المدني السوري يعمل وبشجاعة.
إذا كان النظام قد فرض “وحدة قسرية”، ألا نخشى اليوم من أن تؤدي خطابات رفض الآخر إلى “تفكك طوعي” أخطر من الاستبداد ذاته؟
النظام لم يفرض “وحدة قسرية”. فسوريا منذ الاستقلال لم ينفصل عنها أي جزء بإرادة ساكنيه، واستقلال سوريا كان قبل وصول حافظ الأسد ومن بعده أبنه بشار إلى السلطة. أما فيما يخص خطاب رفض الآخر ومخاطر التقسيم، فأعتقد أن خطاب الكراهية وخطاب رفض الآخر يسهل قبول التقسيم في حال حدوثه. الإشكالية تكمن في التعامل مع السوريين والسوريات سياسياً كمكونات دينية وطائفية وعرقية، وبالتالي فإن الرفض السياسي أو المعارضة السياسية لتوجه ما ستقترن بالتصادم والتعارض على أسس غير سياسية. لا نزال بحاجة إلى وقت لاختبار بعضنا وبناء عقد اجتماعي. ما يحدث الآن أن كل طرف يحاول فرض نفسه وفكره وتوجهاته مستخدماً كل الاساليب. لكن في الحقيقة، باعتقادي، سيكتشف الجميع شيئا فشيئاً أن التفكك لن يكون خياراً ما لم تتوفر عوامل دولية وإقليمية داعمة له. لذلك فإن للمجتمع المدني دوراُ هاماً في مكافحة خطاب الكراهية ورفض الأخر، خاصة في هذه المرحلة التي ليس فيها تنافس ناضج على أساس سياسي وبرامجي.
إلى أي مدى يمكن للمنظمات المدنية المحلية (مثل LINKA) أن تواجه بنجاح ماكينات التحريض الإعلامي والسياسي؟
المجتمع المدني ومنظماته يعملون عادة على محورين أساسين يمثلان خطي العرض والطلب.
الأول هو محور تقديم الخدمات: ولطالما لعب هنا المجتمع المدني السوري دوراً كبيراً في مكافحة التحريض الإعلامي والسياسي. فعلى سبيل المثال لا الحصر، استقبل النادي البيئي في قرية عرى في السويداء الطلاب والطالبات من محافظة درعا ومن باقي المحافظات السورية وقدموا لهم/لهن خدمات التعليم والمساعدات الانسانية. بالرغم من كل علميات التحريض التي قام بها نظام الأسد ومحاولة تكريس الانقسامات على اسس دينية ومناطقية، إلا أنهم استطاعوا في هذا النادي تقديم الدعم والتعليم لمئات الطلبة، مواجهين بشجاعة ماكينات التحريض الإعلامي لنظام الأسد. كلفهم ذلك حل مجلس الإدارة ومعاقبة الجمعية وملاحقة عدد من أعضاءها إلا أنهم استمروا بتقديم الخدمات. كما قلت، هذا مثال واحد وفي سوريا هناك مئات الأمثلة المشابهة ومن جميع المحافظات. قد يكون تقديم الخدمات هو عن طريق انشاء مبادرات لمكافحة خطاب الكراهية عن طريق نشر الوعي وعن طريق مكافحة الأخبار المضللة والكاذبة.
الثاني: هو محور الطلب، وأقصد هنا الضغط على صناع القرار لتعديل أو ايجاد قوانين وأنظمة تعمل على مواجهة التحريض وتجريمه واتخاذ اجراءات صارمة تجاهه، وأيضا أن تضغط لتكون طرفاً مساهماً في عملية تصميم وصياغة السياسيات ذات الصلة
المستقبل وصياغة العقد الاجتماعي
كيف تتصورون ملامح عقد اجتماعي سوري جديد يتجاوز الطائفية والإثنية ويؤسس لدولة مدنية؟
العقد الاجتماعي لا يجب أن يكون عقد اذعان. وأقصد هنا أن تخضع مجموعة بشرية لمجموعة بشرية أخرى. نحن نعيش على أرض واحدة وعلينا إيجاد السبل والآليات للتفاهم والتعاون وتبادل المصالح والتوافق شكل الحكم والتمثيل والياتهما. هذه التوافقات ينتج عنها تنازل جميع الاطراف والافراد عن العنف وحصر استخدام العنف بالدولة.
قد تنتج هذه التوافقات عقداً اجتماعياً يعزز الهويات الفرعية ويجعلها أكثر حضوراً وفاعلية، وقد يتم التوافق على آليات تحد من حضور هذه الهويات في الشأن السياسي. لا يوجد هنا صح أم خطاً. لكن ما أرجوه انا بشكل شخصي، هو أن يتم التوافق على انشاء دولة ديمقراطية مدنية محايدة تجاه جميع الأديان والقوميات، يكون فيها فصل بين السلطات وأليات واضحة ومحترمة لتداول السلطة والمحاسبة والتمثيل. دولة يكون فيها العمل السياسي والحزبي متاحاً وجزءً من الحياة السياسية وتطلق فيها الحريات العامة، وتصان فيها الحريات الفردية.
هل تؤمنون أن النخب المدنية الحالية قادرة على إنتاج خطاب وطني جامع، أم أن الأمر يتطلب جيلاً جديداً يقطع مع عقلية الصراع على الهوية؟
برأيي أن الخطاب الوطني موجود وبكثرة، ولكنه بسبب تسارع الأحداث وسقوط النظام بطريقة عسكرية وبتوافق دولي، نرى أن اصحاب الخطاب الوطني الجامع في حالة تشتت وعمل غير منظم. في المقابل كان لدى أصحاب الخطابات المرتكزة على الخلفيات الدينية والقومية فرصة أكبر للظهور الان والعمل على الحشد والحشد المضاد.
ستشهد البلاد، رويداً رويداً، مزيداً من التنظيم بين أصحاب الخطابات الوطنية. المفتاح برأيي هو انجاز قانون الأحزاب واستعادة حرية عمل النقابات.
ما الدور الذي يمكن للمكوّن المسيحي أن يلعبه في إعادة صياغة المشهد المدني السوري ليكون أكثر انفتاحاً وتسامحاً؟
الحديث عن المسيحيين كمجموعة متجانسة تستطيع أن تعمل معاً في اتجاه واحد هو أمر غير دقيق. المسيحيون في سوريا متنوعون طائفياً وقومياً وسياسياً وطبقياُ. وهم موجودون في كل المحافظات السورية كجزء أصيل من المجتمع السوري. فهم عملياً ليسوا كتلة واحدة وإنما يُنظر إليهم ككتلة واحدة.
ساهم المسيحيين بتنوعهم على مدى العصور في الحياة العامة عن طريق العمل المدني والسياسي، وهذا لا يميزهم في الواقع عن أتباع باقي الطوائف، وإنما مساهماتهم مقارنة بكثافتهم العددية قد تكون ما يميزهم.
ينظر العديد من السوريين والسوريات إلى المؤسسات الدينية المسيحية في سوريا وفي الحقيقة يشعرون ببعض الارتباك. السبب أن هناك مؤسسات دينية مسيحية عديدة ومختلفة ومتنافسة في سوريا. فأكبر طائفتين هما الروم الأرثوذكس والأرثوذكس ومن ثم يأتي باقي الطوائف كالروم الكاثوليك والأرمن الكاثوليك ….الخ. وهذا أحد الأسباب التي تجعل من الكنيسة الأنطاكية للروم الأرثوذكس أكثر حضوراً على مستوى الشأن العام السوري.
للأسف، باعتقادي أن الكنيسة الأنطاكية للروم الأرثوذكس كان يمكن لها أن تلعب دوراً هاماً أثناء الثورة السورية، يتعدى تقديم المساعدات الإنسانية وأخذ موقف أقرب للنظام من الحياد. فقد كان من الممكن أن تطرح مبادرات للسلام وأن تتلقى الدعم للعمل على تنفيذها. على ما يبدو لم يكن هذا الخيار ممكناً. بعد سقوط نظام الأسد
قضايا الاندماج واللاجئين
من خلال خبرتك الحالية، ما التحديات الأكبر التي يواجهها اللاجئون السوريون في ألمانيا وأوروبا؟
التحديات تتمثل في عملية الاندماج في المجتمعات المضيفة. أن التحديات المرتبطة بتعلم اللغة، وإيجاد العمل المناسب، والاندماج الثقافي والسياسي لاتزال تشكل جانباً هاماً من تلك التحديات.
وقد أدى صعود أحزاب اليمين في عدد من الدول الأوروبية إلى تعاظم المخاوف بخصوص سياسات اللجوء والاندماج المتبعة. تسعى الدول الأوربية إلى الفصل بين مساري الهجرة غير الشرعية أو اللجوء ومسار هجرة العمالة الماهرة.
بالنسبة للسوريين والسوريات في ألمانيا فقد حققوا مستوى جيدأ من الأندماج حتى الآن وهناك مئات الآلاف منهم قد تم تجنيسهم بالفعل وباتوا جزءاً من المجتمع الألماني. وقد شكّل كل من تعلم اللغة والعمل والمشاركة السياسية أهم معالم رحلة الإندماج التي اختبرها السوريون والسوريات في ألمانيا.
كيف ترى دور منظمات المجتمع المدني السورية في دعم الاندماج والدفاع عن حقوق اللاجئين؟
في ألمانيا هناك العديد من الجمعيات والمنظمات المدنية السورية التي عملت ولا تزال على قضايا الاندماج في المانيا ولكنها ليست الوحيدة. فمنظمات المجتمع المدني الألماني لها تاريخ عريق في هذا المجال. فمجالس اللاجئين موجودة وفاعلة في جميع المقاطعات، والمنظمات التي تقدم الاستشارات والدعم في القضايا الاجتماعية منتشرة في كل المدن والمقاطعات.
رسائل شخصية جريئة:
لو كان عليكم أن تخاطبوا الشباب السوري اليوم بجملة واحدة تختصر تجربتكم ورؤيتكم، ماذا تقولون لهم؟
أقول لهم مستقبلكم في ايديكم، لا تدعوا أحداً يقرر عنكم.
ما الذي تخشونه أكثر على مستقبل سوريا: عودة الاستبداد، أم تفكك النسيج الاجتماعي تحت وطأة الكراهية؟
أتمنى ان لا تذهب كل تلك التضحيات هباءً. أخشى ان لا يستطيع السوريين والسوريات الوصول إلى العقد الاجتماعي الضروري للحفاظ على البلاد وضمان مستقبل الناس. لأن الفشل في ذلك سيكون بديله أما ديكتاتورية جديدة أو تقسيم كامل.
أجرى اللقاء ونسقه
المكتب الإعلامي في لينكا
نور درويش
خالد البيطار
من مواليد دمشق ١٩٧٤. حاز على الإجازة في الاقتصاد من جامعة دمشق ولاحقا حصل على ماجستير في إدارة الاعمال من الأكاديمية العربية للعلوم والتكنولوجيا والنقل البحري. عمل في برنامج الأمم المتحدة الانمائي في سوريا وأدار مشروع إنشاء شبكة للمنظمات غير الحكومية التنموية في سوريا. و من ثم عمل لدى اللجنة الاقتصادية والاجتماعية لدول غرب آسيا (الإسكوا) ضمن فريق مشروع الأجندة الوطنية لمستقبل سوريا. وكان مسؤولاً عن القضايا العابرة للقطاعات (حقوق الانسان، المجتمع المدني، الجندر، والبيئة والاستدامة). شارك في إعداد العديد من التقارير والدراسات والأوراق الخلفية والأبحاث التي تهتم بقضايا المجتمع المدني وبناء السلام في سوريا. عمل كمساعد باحث في جامعة روستوك في ألمانيا في العلوم السياسية بين عامي ٢٠١٧ و ٢٠٢٠ و يدير حالياً مشروع “الاندماج العادل” الذي يتم تنفيذه في منظمة مجلس اللاجئين في ولاية مكلنبورغ فوربومبرن الألمانيةوالذي يعمل على الدفاع عن حقوق العمال المهاجرين واللاجئين في ألمانيا ودعم اندماجهم في سوق العمل.