
الباسترامي (Pastrami) وصفةٌ من شرائح اللحم مدخَّنة، مملحة، مجففة في الهواء، بتتبيلٍ فائض من التوابل الحرِّيفة. سيرةُ هذا المأكول من سيرة شرق المتوسط، وما استولدَ مناخُه من الأبقار يؤخذ منها لحم الفخذ الجاسئ، أو الظهر. لا اختلاف في عناصر صناعة باسترامي (الباسطرمة)، لكنِ استُثيرت عصبياتُ الأصول في المنشأ بين شعوب، كالذي نراه في أيامنا من انتحال الشاورما، والفلافل. لربما استحوذت رومانيا على القدْر الأوسع من تصويت المَرَاجع. تركيا، وأرمينيا، لم تتراجعا عن شِجار النَّسب إلى شعبيهما في العصبية للمذاق، ولم تتراجعا عن توكيل التاريخ بالحقائق في منازعاتهما الدموية.
ما اجتماعُ الباسترامي كتاريخٍ في المذاق على لسان الآدميِّ بنوبل الأدب في المذاق على لسان العقل؟ سنورد تشاركاتٍ في وحدة العناصر بالتزام مقاييسها التي تنتج الباسترامي، وتنتج جائزة نوبل (ولو ببعض العسف).لكن فلْنبق قليلاً في سياقٍ من ربط نوبل الأدب بنوبل السلام، كي نَسْلَمَ في تعميم التقديرات حول منحهما.
باتَ من التفصيل المُقْنع في وهب نوبل للسلام أن النوايا قد تغْلب إحقاقَ الأفعال، على مبدإ «الأعمال بالنيَّات». أيْ: تكفي النية لدى داعية إلى السلام ليستحقها، حتى من غير تحصيلِ أيِّ سِلم. تحقُّ للرئيس ترامب، المعذَّب من الحقوق الناقصة للبشرية في السِّلم، الشكوى من تجاهل الأكاديمية النروجية حظَّه ـ هو الساعي بكتفيه إلى إسناد العالم المنهار، فيما حظي بالجائزة حسين أوباما على «لا شيء» من الأفعال إطلاقاً. وقد نُضيف إلى شكوى ترامب الحيفَ الذي ألحقه أوباما بالسوريين، في مصادرته حفنة من كيماويات الأسد الإبن، وتغاضيه عن كل كيماوياتٍ أُخريات أنزلها الأسد على رؤوس السوريين. الأكاديمية النروجية تغافلت عن ذلك، كتغافلها عن تغاضي أوباما عن نشر إيران ميليشيات الخراب في الدول مقابل اتفاق لم يلجم أيَّ شيء نووي في إيران. بالطبع لم تكلف أكاديمية السلام فهمَها بما أجراه أوباما من رفْد الإسلام السياسي بالرضا عن صعوده إلى إدارة الحياة في دول لم تزل على رمقٍ.
أزاحني الاستطرادُ العاطفي عن جمْع التماثلات بين نوبل السلام ونوبل الأدب. لكنْ لن أسوغ أيَّ تماثل يقوم في منح الجائزتين على «النوايا». ذلك أمرٌ من خصوصية أكاديمية النروج، فيما لن يصل الأمر بنوبل الأدب، حتى في عالم افتراضي، إلى منحها على «نوايا» أديبٍ يَعِدُ العالم بنصٍّ مذهل. فلنعد قليلاً إذاً إلى الظرافة من ربط عناصر الباسترامي في صناعته كمأكولٍ بعناصر باتت تُلحظ مترابطة في نوبل الأدب، منذ بضعة عقود، على خلاف «التوقعات».
واضح للحصيف، المتأنِّي تدقيقاً، أن ذائقةً بعينها سادت في العقود الأخيرة من منح الجائزة، وهي الإغضاء عن تراجع حقوق الشِّعر، وحقوق اللغة الشاعرية، وحقوق المتون الغرائبية والعجائبية من الروايات. نصوص الإنشاء «التسجيلي» (حفظاً لبعض الفرق عن «التوثيقية» بأسانيدَ من محفوظاتِ المَرَاجع) لها الغَلبة في الحظوظ.
اعْقِلْ نفْسك، أيها الأديب، إلى الجحيم وتوكَّل. أو: اعْقِلْ خيالَك إلى الجائزة وتوكَّلْ.
كتبتُ رسالة صغيرة، ذاتَ مرة، إلى عضو الأكاديمية ورئيسها السابق بالتناوب، الشاعر الراحل شيل إيسبسِمارك (كان بيننا تواصلٌ) حمَّلتُ سطورَها القليلة بالإنكليزية اعتباراتي السابقة من تخميني لإجحافٍ يصيب بعض صنوف الأدب، فرد علي: «أنا سعيد بالقول: هذا ليس صواباً». ذكرَ لي اسمَ روائي نسيتُ متى نالَ الجائزة. ذلك لم يخفف، خلال السنين الأخيرات كلها على التقريب، من النظر ببعض الريبة (من غير زعمٍ مطلق) إلى التوجه الطاغي للأكاديمية في «تثمين» خياراتها المتقاربة تصنيفاً للمرغوب، المستأثِر برضاها، كتوابل الباسترامي التزاماً بخصائص تبويبها كطعام.
أكان منح الجائزة للمغني الأمريكي بوب ديلان، على كلمات أغانيه، حفاوةً بالشعر حقاًّ؟ لن أستند نظرياًّ إلى تفسيرٍ «نفسانيٍّ» في حنين الأعمار من أهل الأكاديمية إلى ستينات، وسبعينات، القرن الماضي غناءً. فإن كان بوب ديلان جديراً، عن حقٍّ في التقدير الأدبي، بالجائزة، فما الذي أخر الأكاديمية عن منحها للبلجيكي المغني الساحر جاك بريل، أو عن منحها للمغنية الكندية جوني ميتشل، أو عن الأمريكيين جوني كاش، وبروس سبرنغستين؟
قد يعرف القراء بعض العواقب التي تلت سنة فوز بوب ديلان بالجائزة، من المساجَلات العنيفة داخل أروقة الأكاديمية بعضهم ضد بعض، خرجت من ثَمَّ صاخبة إلى الإعلام، فتأتَّى عنها حجبُ الجائزة سنة تأجيلاً، تدخَّل فيها الملك السويدي للحدِّ من «الخسائر في السمعات»: كانت زوجة أحد الأعضاء، سرَّبت اسم المغني الفائز قبل الإعلان عنه بأيام، فتلقَّفه المراهنون مقامرةً في «السباق الأدبي» كالمراهنين في سباقات الخيل. ذهب البعض من أهل الأحكام الرِّيبية إلى اتهام السيدة تلك باقتناص حظوظٍ في المراهَنات. وذهب النُّظَّارُ في الأدب إلى التأسي على حالٍ من تكرار الخيبة باتت تمرِّغ التوقعاتِ المستشرفةَ حظوظاً خارج الأدب «التسجيلي» وأخواته. حتى باتَ التجاوبُ في التصديق واقعاً من أن بعض حائزي الجائزة، في عقود ماضية، كانوا سيخسرونها في العقود الأقرب إلى السنين الأواخر من قرننا الجديد، ولربما كانت قائمة الخسارة ستشمل، على سبيل المثال في مظاهر أدبهم، الروائي البريطاني هربرت ويلز، بمذهبه في الغرائبية العلمية، والأيرلندي صمويل بيكيت في مذهبه النزعِ لعلامات الكتابة (النقاط، والفواصل) من السطور تلاعباً بالعبارات حتى «العبث» كما يُصنَّف.
أيسوقنا هذا إلى تنبيهٍ «واقعيٍّ» من التأرجح بين وصف الذائقة لدى أهل الأكاديمية بعناصرها الغالبة، وبين الغالب على عناصر النصوص الفائزة، إلى تأكيد يُخْرج الجائزة قليلاً من «سحر» أسطورتها إلى مقامها المعقول، المقبول، بلا مبالغة في التثمين؟ سمعتُ من سيدة سويدية حصيفة في النقد، أن فلاناً من روائيي الأكاديمية مُضجر الكتابة لا يُقرأ. وقد تسنى لي، في تحرير «أنطولوجيا الشعر السويدي» بالعربية والتقديم لها، أن أخرج بانطباع عن «تواضع» واضح في قيمة بعض أشعارهم. إنهم يستجرُّون «التفخيم» لمن يختارونه، من غير أن يعني ذلك استجرارَ التفخيم لعطائهم. ولو قوَّلتُهم، في النظر إلى أحوال المتلهفين، لزعمت سماعَ ندائهم التالي:
اعْقِلْ نفْسك، أيها الأديب، إلى الجحيم وتوكَّل. أو: اعْقِلْ خيالَك إلى الجائزة وتوكَّلْ.
المصدر القدس العربي