كثيراً ما نسمع، في النقاشات الدائرة حول العدالة الانتقالية، من يقول إن أولى خطواتها هي تشكيل لجنة لتقصي الحقائق، تتولى سرد ما جرى من جرائم وانتهاكات، وتحدد المسؤولين عنها، ثم تُحال القضايا إلى القضاء ليحاسب الفاعلين، وتتعهد الدولة بتعويض الضحايا.
وتُختزل العملية كلها في هذا التسلسل الإداري الجامد، وكأنها تحقيق قضائي موسّع لا شأن للمجتمع به سوى أن يكون شاهداً متفرجاً على ما جرى.
هذه الرؤية، رغم ما فيها من تنظيمٍ نظري، تعبّر في الحقيقة عن فهمٍ سطحي ومشوّه للعدالة الانتقالية، لأنها تفصلها عن جوهرها الإنساني والاجتماعي، وتحصرها في إطارٍ قانوني ضيّق، في حين هي في جوهرها عملية مجتمعية شاملة لإعادة بناء الثقة بين الناس والدولة، وبين الضحايا والجناة، وبين المكونات المتنازعة داخل المجتمع الواحد.
العدالة الانتقالية ليست “قانوناً يُطبّق” بقدر ما هي مسارٌ وطني يشارك فيه الجميع. فالقانون جزءٌ من هذا المسار، لكنه ليس المسار كله. فالعدالة التي يُرجى منها التئام الجراح لا يمكن أن تُفرض من فوق، بل تُبنى من القاعدة، من عمق التجارب الفردية والجماعية للضحايا والمجتمعات المحلية.
إن لجان تقصي الحقائق، التي تُستدعى عادة كنموذجٍ جاهز من تجارب العالم، ليست محاكم تصدر أحكاماً، بل أدوات توثيقٍ وتفسيرٍ واقتراح. وظيفتها رسم السردية الوطنية الجامعة لما جرى، وتقديم توصياتٍ للإصلاح والمحاسبة وجبر الضرر. أما التنفيذ والمساءلة فهما شأنٌ قضائي وسياسي ومجتمعي لاحق، لا يتحقق إلا عندما تتبنى المجتمعات نفسها تلك النتائج، وتشارك في تحويلها إلى ذاكرةٍ مشتركة، لا إلى وثيقةٍ مؤرشفة.
والمجتمع المحلي ليس شاهداً بل شريكاً، والقول إن “المجتمعات التي ينتمي إليها الضحايا والجناة هي شهود لا أكثر” قولٌ يعكس عقليةً مركزيةً متعالية، ترى الناس موضوعاً للعدالة لا فاعلين فيها. في حين التجارب الأكثر نضجاً، في جنوب إفريقيا ورواندا، أثبتت أن المجتمعات المحلية كانت العنصر الحاسم في نجاح المصالحات، لا اللجان وحدها.
في جنوب إفريقيا، تحولت جلسات لجنة الحقيقة والمصالحة إلى مهرجاناتٍ علنيةٍ للاعتراف والمواجهة، شارك فيها الضحايا والجناة والجمهور، واستُعيدت من خلالها القدرة الجماعية على الكلام والاعتراف بعد عقودٍ من الصمت والخوف. وفي رواندا، كانت محاكم “الغاتشاكا” الشعبية وسيلةً لمعالجة الجرائم عبر مساءلةٍ جماعيةٍ في الهواء الطلق.
هذه النماذج لم تختزل العدالة في تقارير أو لجان، بل جعلت المجتمع طرفاً فاعلاً في إعادة بناء ذاته، وهو جوهر العدالة الانتقالية. لكن تطبيقها كما هي في الحالة السورية لا يصلح، نظراً للتعقيد الطائفي والديني والمناطقي الفريد الذي لا يمكن تجاوزه أو تبسيطه. ففي سوريا، لا تنحصر الانقسامات في ثنائيةٍ عرقيةٍ أو عنصرية، بل تتداخل فيها الطوائف والأديان والمذاهب والمناطق، وتُستخدم الهويات أحياناً كغطاءٍ للانتهاك أو كذريعةٍ للإنكار.
من هنا، لا يكفي الإعجاب بالنماذج، بل يجب مساءلتها. فهذا التعقيد لا يُعالج باستنساخ تجارب جاهزة، بل بمقاربةٍ متعددة المستويات، تُراعي خصوصية النسيج السوري، وتُعيد تعريف العدالة بوصفها فعلاً مجتمعياً لا إجراءً إدارياً. العدالة الانتقالية في سوريا لا يمكن أن تُبنى على سرديةٍ واحدة، بل على اعترافاتٍ متجاورة، تُكتب بلغات الناس ولهجاتهم، وتُعترف فيها كل جماعةٍ بآلامها وآلام غيرها.
وحين تُتاح لكل جماعةٍ فرصة التعبير عن آلامها من دون خوفٍ أو إنكار، يصبح الاعتراف فعلاً مشتركاً لا تنازعاً على السردية. فقط حين تُصبح الطوائف شريكةً في قول الحقيقة، لا في إخفائها، يمكن أن تبدأ المصالحة.
إن الخطر الأكبر في اختزال العدالة الانتقالية إلى لجانٍ وخططٍ حكومية، هو أنها تتحول إلى “مشروعٍ إداري” يُدار بقراراتٍ فوقية، وعندها تفقد معناها الأخلاقي، لأنها تُقصي المجتمع وتحتكر السردية في يد السلطة أو في يد نخبةٍ سياسيةٍ أو حقوقية.
الذاكرة التي تُبنى بهذه الطريقة ليست ذاكرةً مشتركة، بل روايةً رسميةً جديدة، سرعان ما تُرفض من الناس لأنها لم تُكتب بلسانهم. والعدالة الانتقالية الحقيقية هي التي تُعيد للمجتمعات حقّها في امتلاك ذاكرتها، وتمنح الضحايا الكلمة الأولى، لا الأخيرة.
ولذلك، فإن أي مسارٍ يتجاهل أصوات المجتمعات المحلية، أو يحاول أن يختصرها في شهاداتٍ مكتوبة ضمن تقريرٍ نهائي، إنما يعيد إنتاج الصمت نفسه الذي مهّد للجرائم، لأن العدالة لا تتحقق بمجرد “تسجيل الوقائع”، بل بالاعتراف بها جماعياً.
صحيح أن النزاعات الأهلية تُخلّف كماً هائلاً من الجرائم والانتهاكات، وأن الغوص في التفاصيل قد يرهق العملية ويمدّها لسنواتٍ طويلة، لكن الحل ليس في إغلاق الملفات أو تجاوزها تحت شعار “لننطلق إلى الأمام”، فالمجتمعات لا تشفى من جراحها بالصمت.
المطلوب ليس “تفصيل الجرائم” عبثاً، بل تنظيم الاعتراف عبر آلياتٍ تشاركيةٍ ومدروسة، تمنح الضحايا صوتاً، وتمنح الجناة فرصةً للمساءلة والاعتذار، وتتيح للمجتمعات أن تتعلم من ماضيها كي لا تكرره.
إن اختصار العدالة الانتقالية في تحقيقٍ تقني يعفي الناس من مسؤوليتهم الأخلاقية والاجتماعية، يعني ببساطة إلغاء بعدها التحويلي الذي يبدّل العلاقات داخل المجتمع. فالمغزى ليس فقط معرفة من ارتكب الجريمة، بل كيف يمكننا العيش معاً بعد ذلك من دون تكرارها. حتى الإصلاحات التي تُوصي بها لجان الحقيقة – في القضاء والأمن والتعليم – لا يمكن تنفيذها بنجاحٍ إن لم تحظَ بقبولٍ اجتماعي حقيقي.
والسلطة تستطيع أن تعلن إصلاح المؤسسات، لكنها لا تستطيع أن تزرع الثقة في النفوس إن لم يشعر المواطنون أن صوتهم مسموعٌ وأن عدالتهم تخصّهم. من هنا، فإن العدالة الانتقالية ليست خطةً حكومية ولا مشروعَ منظمةٍ دولية، بل عقداً اجتماعياً جديداً تُكتب بنوده بالتجربة والمشاركة والاعتراف المتبادل.
في الحالة السورية، يصبح هذا النقاش أكثر إلحاحاً. فسنوات الحرب الطويلة خلّفت مروياتٍ متعددة ومتناقضة، وكل منطقةٍ تحمل ذاكرةً مختلفة. ومحاولة فرض سرديةٍ واحدة من جهةٍ سياسيةٍ أو لجنةٍ مركزية سيؤدي حتماً إلى إعادة إنتاج الانقسام لا تجاوزه.
الطريق الواقعي هو إشراك المجتمعات المحلية في تصميم وتنفيذ مسار العدالة الانتقالية، من خلال لجانٍ فرعيةٍ محلية أو جلسات استماعٍ شعبية، تُسهم في بناء روايةٍ وطنيةٍ جامعة، لا روايةٍ رسميةٍ جديدة.
العدالة الانتقالية ليست تحقيقاً في الماضي، بل وعدٌ بالمستقبل. والمجتمعات التي تُحرم من المشاركة في صياغة هذا الوعد، ستبقى عالقةً في جراحها مهما تغيّرت اللجان وتبدّلت التقارير.
المصدر تلفزيون سوريا
