-
زينة شهلا

-
-
.زينة شهلا.. كاتبة
-
هذا المقال جزءٌ من ملف المسير تحت سماء مشتعلة: أصوات من السويداء، الذي يُقدِّم شهادات ورؤىً عن المحافظة في محنتها.
*****
في أحد الشوارع الفرعية في بلدة السيدة زينب جنوب دمشق، حيث تتلاصق المنازل مع عشرات الفنادق ذات الطابع العمراني الجافّ وغير المميز، يتقافز أطفال بأعمار مختلفة حاملين أوعية بلاستيكية كبيرة يجوبون بها المنطقة بحثاً عن بعض ليترات من المياه لأُسَرِهم. هم من أبناء العوائل التي نزحت خلال الأشهر الثلاثة الأخيرة من السويداء، ومعظمهم من البدو.
«هذا هو الحال خلال الأيام الأخيرة. أغلبُ الوافدين باتوا يجدون صعوبة كبير لتأمين ما يلزمهم من المياه، والاحتياجات والأعداد في ازدياد»، يُخبرني فهد الخلف، وهو متطوع في الأعمال الإغاثية في السيدة زينب حيث يعيش. خلال جولتنا التي استمرت نحو أربع ساعات في المنطقة، لم يكن من الصعب أن أتلمَّسَ الواقع الصعب الذي يعيش فيه الآلاف ممن خرجوا من السويداء، نزوحاً وتهجيراً، في تموز (يوليو) الماضي بعد المواجهات بين مجموعات من البدو والميليشيات الدرزية، وما تلاه من هجوم قوات تابعة للسلطة المركزية ومجموعات «الفزعة» الموالية لها.
في أحد الفنادق جلستُ مع السيدة منى محمد المفلح، والتي خرجت من حي المقوس مع ابنيها وابنتها، وتعيش منذ شهرين في غرفة صغيرة في الفندق من دون نوافذ، «منتظرة فرج رب العالمين». توفي زوج منى في زلزال عام 2023 في حلب، حيث كان عاملاً مياوماً، واليوم هي مسؤولة عن عائلتها.
تحكي السيدة الأربعينية للجمهورية.نت عن تلك الأيام الصعبة: «صار قواص كتير. تَخبِّينا أنا وولادي ما قدرنا نطلع. صاروا ينادوا من برا ‘مين في بالبيت؟’ (وتقصد هنا عناصر من الفصائل المسلحة الدرزية)، خفت وخبّيت ولادي بالتتخيتة، عندي صبي عمره 18 سنة والصبي الثاني 13. دخلوا وقالوا ‘إذا لاقينا شباب جوا رح نقوصك’، والحمدلله ما شافوهم. طلعنا وبيتنا انحرق وتعفَّش، وضلينا أسبوعين مريضين من اللي شفناه».
تعتمد عائلة منى، أم حسين، كما معظم العائلات النازحة، على مساعدات شحيحة يحصلون عليها من منظمات وفرق تطوعية بالكاد تكفي الحاجة: خبز بشكل يومي، ووجبة غداء، وبعض المواد الغذائية الأساسية، ويحتاجون لمستلزمات صحية وملابس وغاز للطبخ. تقول أم حسين: «كنت أشتغل أنا وبنتي بالزراعة وضَبّ الفواكه لما كنّا بالسويداء. هلأ ما في شغل، وما منعمل شي كل النهار، بس عم يقولوا يمكن يصير في شغل بالرمّان. ابني عم يروح يشتغل بسوق الهال يا دوب يطالع مصروف الطريق والدخان، بالكتير 40 ألف ليرة باليوم. سجلت ابني الثاني بالمدرسة، لكن ما عنا حق قرطاسية عم يروح بدون دفاتر وكتب».
احتياجات هائلة ومساعدات غير كافية
ويتحدث فهد الخلف عن «فزعة» أهل الخير في بلدة السيدة زينب لتخديم آلاف النازحين خلال الأشهر الثلاثة المنصرمة، إذ فُتِحَ لإيوائهم أكثر من 20 فندقاً في البلدة التي تضم أكثر من ثلاثمائة فندق اعتادت استقبال السياح القادمين في زيارات دينية لمقام السيدة زينب، وعملت فرق تطوعية مثل «فريق أبناء الجولان» على تقديم ما يُمكن تقديمه بمساعدة المجتمع المحلي، من مواد غذائية ووجبات طعام وملابس ومساعدات صحية وطبية خاصة لمن كانوا مصابين أثناء الاشتباكات في السويداء. «لكن كل ذلك غير كافٍ، وهناك منظمات عملت لفترة محدودة وانسحبت، ونحن بحاجة لإمدادات كبيرة مُستدامَة من طعام وملبس ومياه وبطانيات وحليب الأطفال، وعناية خاصة لمرضى الكلى والسرطان والنساء الحوامل، ونطلق باستمرار مناشدات بهذا الخصوص، لا سيما مع وفود عائلات جديدة كانت مُقيمة في مدارس بمحافظة درعا وأُجبِرَت على الخروج منها مع بدء العام الدراسي»، يشرح. ويُضيف حول معضلة تسجيل الأطفال الوافدين في المدارس، فبعضها لم يقبل بتسجيلهم إلا بعد تَدخُّل الموجهين التربويين، وهناك عائلات فقدت أوراقها الثبوتية أثناء رحلة النزوح، ومعظم الوافدين لا يملكون إمكانيات مادية لشراء الكتب والقرطاسية لأولادهم.
ووفق أحمد الخليل، رئيس دائرة الإحصاء والتخطيط في مديرية الشؤون الاجتماعية والعمل في ريف دمشق، وصلَ عدد العائلات النازحة من السويداء إلى منطقة السيدة زينب إلى 1137 عائلة تضم أكثر من 5200 شخصٍ، يقيمون في 23 فندقاً حتى الآن، وهناك أعداد أخرى متفرقة لعائلات استضافتها عائلات أخرى وتالياً يصعب حصرها بشكل دقيق. في حين أشارت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين إلى إن عدد النازحين منذ اندلاع أعمال العنف في السويداء حتى نهاية آب (أغسطس) 2025 بلغ 187,200 شخص، يُقيم 66 بالمئة منهم داخل محافظة السويداء، في حين لجأ آخرون إلى درعا وريف دمشق.
«احتياجات هذه العائلات شاملة من غذاء ونظافة وصحة وتعليم وحماية ودعم نفسي»، يقول الخليل في حديثه للجمهورية.نت، ويُضيف: «تعمل الوزارة مع شركائها من محافظة ريف دمشق ووزارة الصحة ووزارة الطوارئ وإدارة الكوارث والهلال الأحمر العربي السوري، ومن خلال فرق تطوعية نُشرف عليها بشكل مباشر، لتلبية الاحتياجات ضمن هذه الفنادق، وحالياً نعمل على ترميم مركز إيواء في حرجلِّة تحسُّباً لأي طوارئ في الفترة المقبلة». ويُشير إلى أن تدخُّل المنظمات حتى اليوم غير كافٍ وبسيط ومتقطع، ما يجعل الحاجة الفعلية أكبر مما يتم تقديمه، وتتطلب تدخلات على نطاق أوسع.
ويُشكل الحصولُ على المياه واحدة من أصعب المعضلات التي تواجه العائلات النازحة، إذ تخضع مدينة دمشق وريفها لبرامج تقنين مياه قاسية نتيجة الجفاف الذي تشهده سوريا عموماً هذه السنة، ويعتمد معظم الناس على شراء المياه من الصهاريج لتلبية احتياجاتهم، وبالنسبة لعائلات تُقيم في غرف صغيرة داخل الفنادق، فالمعاناة مضاعفة والأمر يعني عبئاً مادياً إضافياً عليهم.
«دفعنا الثمن مرتين»
تبدو حال عائلة أحمد عبد رمضان (39 عاماً) أكثر تعقيداً، شأن مئات العائلات الأخرى. نزحت العائلة من مدينتها دير الزور قبل نحو اثني عشر عاماً حين اشتدت فيها وتيرة المعارك، وقدمت إلى بلدة الهيّات شمال مدينة شهبا، فاستقرت وتابعت عملها على الأغلب في مجال الزراعة. واليوم اضطرت هذه العائلات، بعد أن بنت لها مستقراً في السويداء، للنزوح مرة أخرى إلى ريف دمشق بحثاً عن الأمان بالدرجة الأولى.
«تَحاصرنا بالهيّات. بلشت الفوضى، ناس تقتل ناس وتحرق بيوت بعض. علقنا بالنص بين طرفين. دخلنا بالبساتين قعدنا تحت الشجر ضلينا خمس ست تيام. حاولنا نتواصل مع حدا برا لأن انقطع عنا الأكل والشرب. صرنا نشرب مياه السقي، ووحدة من أخواتي أغمي عليها»، يتحدث أحمد للجمهورية.نت في لقاء داخل الفندق الذي يُقيم فيه بشكل مؤقت في السيدة زينب.
استطاعت العائلة الفرار وسط الاشتباكات بمساعدة شخص من أبناء الطائفة الدرزية في المحافظة، نقلهم إلى أطراف البلدة ومنع التعدي عليهم من بعض المسلحين: «هاد الرجل فعلاً أنقذنا، لكن نحنا شفنا عائلات من إخواننا البدو، نساء وأطفال انقتلوا وصار عليهم تعديات كتير»، يقول. ورغم ذلك، أُصيبَ أخ أحمد وعمره عشرون عاماً بطلق ناري في رأسه، وأجريت له حتى اللحظة عدة عمليات جراحية.
وعن أحوالهم المعيشيّة اليوم يتحدث الرجل: «قاعدين أنا ووالدتي وزوجتي وأولادي أكتر من 10 أشخاص بغرفة. بيوصلنا خبز كل يوم وشوية أغذية. ولادنا ما تسجّلوا بالمدارس ما معنا أوراق وما عم نشتغل شي»، ويُشير إلى حاجة ابنته إلى عمل جراحي بسبب إصابتها في قدمها أثناء رحلة النزوح، لكنه لا يملك المال الكافي لذلك.
يشعر أحمد اليوم بالعجز التام، فلا هو قادرٌ على العودة إلى دير الزور، إذ إن منزله مُدمَّر ولا فرص عمل هناك، ولا هو قادرٌ على البقاء في ريف دمشق دون أي أفق: «قاعدين كل يوم نتفرج على بعض. ما في شي نعمله. شو حيكون مستقبل أولادي؟ عايشين مأساة وأطفالنا يدفعوا الثمن، ونحنا بالذات دفعنا الثمن مرتين»، يتحدث بعينين دامعتين.
«لا خيارات لدينا»
لبعض العائلات التي نزحت مؤخراً من السويداء وضعٌ خاص ومُعقَّد، مثل عائلة أبو طارق، الذي فضّلَ عدم الحديث معنا باسمه الصريح. العائلة ذات الأصل الدرزي، تحولت قبل عقود إلى المذهب السني، وبقيت مقيمة في مدينة السويداء، وعندما اندلعت المواجهات مؤخراً في المحافظة وجد أبو طارق نفسه بين نارين، فكل طرف يعتبره موالياً للطرف الآخر.
«قَدِمنا إلى السيدة زينب مع نحو 15 عائلة يُشبه حالها حالنا، ومعظمنا من مدينة السويداء ومن صلخد وشهبا. نعيش اليوم جميعنا في أحد الفنادق، لكننا فقدنا كل شيء: منازلنا وأغراضنا وأشغالنا، ولا يمكننا هنا العثور على أي فرص للعمل، كما أن زوجتي بحاجة لعمل جراحي عاجل في قلبها لكننا لا نملك النقود الكافية لذلك»؛ يقول الرجل الستيني، ويُضيف بأن بعض الشباب ممن نزحوا من السويداء إلى دمشق، يتجهون للتطوع في الأمن العام كفرصة عمل تُؤمن لهم دخلاً شهرياً ولو كان متواضعاً.
يتخوَّف أبو طارق من أن تُجبَر العائلة على الخروج من الفندق نحو المجهول: «هناك أقاويل بقرب ترحيلنا إلى مراكز إيواء في بلدة حرجلّة في ريف دمشق، وهو ما لا نرغب به على الإطلاق. نحن اليوم خائفون من الطرفين، وأولويتنا القصوى هي العيش بأمان وفي مسكن لائق. كل ما عدا ذلك أمور ثانوية تأتي في المرتبة الثانية».
«نحتاج ضمانات بالأمان كي نعود»
تشعر أم حسين بالتعب من عدم وضوح المستقبل على الإطلاق، فالعائلات النازحة لا تعلم ما سيكون عليه مصيرها يوم غد: «كل يوم منسمع حكي مختلف، شي بدنا نرجع وشي بدهم ياخدونا على مراكز إيواء بحرجلّة، وهي مراكز مانها مجهزة أبداً، وهلأ الشتوية على البواب، كيف بدنا نتدفّى؟».
تتمنى السيدة بالطبع أن تعود اليوم قبل غد إلى منزلها، لكنها تشعر بالخوف: «عم يقولوا بدنا نرجع، ونحنا مانا مبسوطين بالطلعة على الشام، بس كيف بدنا نأمن على ولادنا وحياتنا؟ كيف بدنا نرجع نمشي ونعيش بأمان وبدون عنصرية؟ بدنا ضمانات يكون في دولة قادرة تسيطر على الوضع»، كما تطلب بأن تحصل على تعويض عن منزلها وأملاكها التي تعرضت للسرقة والحرق.
وتختم أم حسين بالحديث عن شعورها بأنها، وغيرها، ذهبوا ضحية صراعات لا ذنب لهم فيها: «نحنا ما بدنا لا نظلم ولا ننظلم. بس بدون ضمانات ما في أمان، لأن صار في كراهية وفي دم».
مطالب أحمد رمضان ليست بعيدة، إذ يقول: «إذا صار أمان أنا أول واحد أرجع. بالسويداء مطرح رزقي وفي مجال للعمل، بالشام من كتر ما نزحت العالم ما عاد في شغل. لكن بدي ضمانات، بدي أضمن حياة أولادي، أضمن بنتي ما حدا يعتدي عليها وأولادي ما حدا يقتلهم. اليوم بالسويداء صار في حساسيات كتير بين البدو والدروز، ونحنا رحنا ضحية. بدنا نكون كلنا تحت سقف واحد يضم كل الطوائف ونعيش تحت راية وحدة».
يأمل رمضان بأن يصل المتصارعون إلى اتفاق كي يتم تأمين المنطقة، ويعودَ النازحون إلى منازلهم وممتلكاتهم، والأطفال إلى مدارسهم. ولا يستطيع إخفاء قلقه من اقتراب فصل الشتاء، ما سيُشكل عبئاً إضافياً في حال استمرار رحلة النزوح دون أفق لنهايتها.
ووفق رأي فهد الخلف، فإن أي حل جذري لمأساة النازحين من السويداء يحتاج أشخاصاً عقلاء من كل الأطراف، يضعون نصب أعينهم تجنُّبَ المزيد من الفتنة، ومحاسبة المتورطين بالدماء: «في نهاية المطاف كل من نستضيفهُم هنا، يريدون العودة إلى مكان حياتهم والعيش بسلام».
ويُشير الخلف إلى قلقه من أن استمرار الوضع على حاله في المنطقة لا يُبشّر كثيراً بالخير، وقد يجلب عواقب وخيمة، فالفنادق تضمُّ اليوم آلاف النازحين العاطلين عن العمل والمُجبَرين على العيش في بيئة بعيدة عن حياتهم: «هناك مشاكل بشكل شبه يومي بين الناس هنا خاصة في الأوقات المسائية، وأخشى على الأطفال وهم يرون كل هذه المآسي والعنف ويسمعون بشكل يومي أحاديث عن الحرب والفتنة وغيرها من الأمور. صحيح أن الوضع حالياً أفضل مما كان عليه قبل شهر أو شهرين، والناس نوعاً ما يكونون أكثر وعياً تجاه كل ما يمكن أن يخلق مشكلات اجتماعية، لكننا نتحدث عن أوضاع تشكل بؤراً قد يَسهلُ انفجارُها إذا لم يتم التعامل معها بطريقة أفضل».
-