ماجد كيالي. كاتب فلسطيني سوري
لا يمكن الجزم في شأن وقف إسرائيل حرب الإبادة الوحشية التي تشنها منذ أكثر من عامين ضد فلسطينيي غزة، رغم قرار الرئيس ترامب، والاتفاق الذي أعلنه، بالتوافق مع عديد من الدول، في المؤتمر الدولي الذي عقد مؤخرا في شرم الشيخ. ثمة عدد أسباب تحيل على التشكيك بهذه النتيجة، أهمها:
أولا، أن الرئيس الأمريكي معروف بتبدل الأهواء، ويتعاطى الشؤون السياسة باعتبارها صفقات تجارية، ومع فلسطين، أو غزة، بوصفها قضية عقارية، ومع الفلسطينيين ليس باعتبارهم شعبا، وإنما كمجرد سكان، يمكن نقلهم، أو تعويضهم بمساعدات؛ وهذا ما أكده في خطابه في الكنيست، ثم في شرم الشيخ.
ثانيا، في التجربة، لم تنفذ إسرائيل ولا مرة التعهدات المطلوبة منها، لا في اتفاق أوسلو (1993) ولا اتفاق واي ريفر (1998)، وقد شهدنا مآلات مؤتمر مدريد (1991)، والمبادرة العربية للسلام (2002)، ومؤتمر شرم الشيخ (2003)، إضافة إلى تنصلها من كل القرارات الدولية.
ثالثا، هذا الاتفاق مرهون، أو مشروط، بعدة مسائل، ضمنها، نزع سلاح حماس. ثم إخراجها نهائيا من المشهد السياسي الفلسطيني، وصولا إلى فرض ترتيبات تتعلق بإدارة غزة، في اليوم التالي، ما يصعب التكهن بكيفية ترجمته عمليا.
رابعا، لعل أهم شيء يحتاجه فلسطينيو غزة، بعد المآسي، والكوارث، التي اختبروها خلال العامين الماضيين، هو الأمن والأمان، وتاليا تأمين حاجاتهم الأساسية، مع إعادة الإعمار، للبيوت وللبني التحتية.
إزاء هذه الأوضاع يغدو الكلام عن الانتصار والهزيمة كنوع من ترف، أو لزوم ما لا يلزم، في وضع يعيش فيه فلسطينيو غزة في نكبة مهولة، فمئات العائلات محيت تماما من القيد المدني، وتم تدمير حوالي 80 بالمئة من عمران القطاع، البيوت والمدارس والمستشفيات والطرق والجامعات والبني التحتية، مع فقدان الموارد، وأماكن العمل، واغلاق المعابر.
لذا فإن من يتحدث عن انتصارات في هذه الأوضاع يعيش نوعا من الانفصام عن الواقع، أو مازال يعيش في وهم أن إسرائيل “أوهن من خيوط العنكبوت”، رغم ما فعلته بالفلسطينيين وبلبنان وبسوريا وحتى بإيران.
هذا يتطلب إدراك مخاطر عقلية المكابرة والمعاندة والإنكار، التي تودي الى نتائج مضلّلة، فثمة فارق كبير بين النصر وبين الصمود، كما بين القدرة على صدّ العدوان وتفويت اهداف إسرائيل بتشريد الفلسطينيين، وبين التمكن من إضعافها؛ في واقع استطاعت فيه اجتياح قطاع غزة، وتدميره بشكل شبه كامل، مع أكثر من ربع مليون ضحية من الفلسطينيين، قتلى وجرحى وأسرى ومفقودين تحت الركام.
فوق ذلك فإن عقلية المكابرة والإنكار والعناد تغطّي، أيضاً، على الواقع المتمثل في أن إسرائيل هي التي تمتلك ترسانة عسكرية لدولة عظمى، وإنها هي التي تهاجم وتقتل وتدمر، لأنها هي التي تمتلك الطائرات والدبابات والمدفعية وقوة النيران، وإنها هي من يتمتع بدعم لا محدود من الولايات المتحدة، سياسيا واقتصاديا وتكنولوجيا واستخباراتيا.
ربما أن إسرائيل لا يهمها كيفية تجيير مقاوماتنا للانتصار فما يهمها، في واقع الأمر، هو النتيجة العملية، أي وقف المقاومة المسلحة نهائيا، وإخراج “حماس” من المشهد، وهيمنتها عسكريا، من النهر إلى البحر، وحتى في عموم المشرق العربي وصولا لإيران، أما ماذا سيحدث فيما بعد، فهي اعتادت على العيش بين حرب وأخرى وهدنة وأخرى،
وفي واقع من اللاحرب واللاسلم لأكثر من سبعة عقود، وهي لا يهمها ان تعيش الى الأبد على هذا النحو مقابل ان لا تفقد صورتها كدولة رادعة؛ وهذا هو معنى خوضها أطول حرب في تاريخها، فمن الواضح أن العدة المفهومية لإسرائيل وادراكاتها تختلف تماماً عن عدتنا المفهومية وعن إدراكاتنا لهذه الأمور.
ففي حين نحلّ نحن الشكليات والشعارات محل الحقائق والمصالح، والعواطف والأمنيات محل الوقائع والإمكانيات، وفي حين نحلّ ثنائيات من نوع النصر والهزيمة، محل الواقع المركّب، فإن إسرائيل تواصل العيش والاستقرار والتطور رغم كل الأحاديث عن “انتصاراتنا”.
مع ذلك، فإسرائيل مازالت، في عقلها الباطن، تعتقد بأنها مهددة بوجودها، ليس من فصائلنا المسلحة، وإنما من الخطر الديمغرافي (الفلسطيني)، ومن انحسار الطابع اليهودي لها، ما يعزز من التناقض بين طابعها كدولة ديمقراطية (لليهود فيها) وطابعها كدولة عنصرية، كما من التناقض بين العلمانيين والمتدينين، والشرقيين والغربيين، وكذلك بين كونها دولة ليهود العالم او دولة لسكانها اليهود،
إضافة إلى تعزز تبعيتها للولايات المتحدة، واعتمادها عليها لضمان امنها وتفوقها في المنطقة، وضمن ذلك الخطر الناجم عن تموضعها، في الرأي العام العالمي، كدولة منبوذة، باعتبارها دولة إبادة جماعية، إضافة إلى كونها دولة استعمارية وعنصرية واستيطانية.
مشكلة الفلسطينيين إنهم، في ظل موازين القوى، والمعطيات السائدة عربيا ودوليا، لا يستطيعون أن يفرضوا أجندتهم على إسرائيل، فمهما فعلوا، فإن قدراتهم تبقى محدودة، بإزاء إمكانيات، وردات فعل إسرائيل، علما بأن العالم لا يسمح لهم باستثمار تضحياتهم وبطولاتهم؛ هذا في المدى المنظور،
أما مع تغير تلك المعطيات، فلكل حادث حديث طبعا.
المصدر. النهار