مصطفى الدباس. كاتب
فجّرت الصور التي انتشرت أخيراً للرئيس المخلوع بشار الأسد برفقة العميد المنشق مناف طلاس، والمأخوذة من أرشيف الأسد الذي عُثر عليه في منزله بعد هروبه ليلة السقوط، موجة استياء وسخرية، وأحيت أسئلة سياسية وأخلاقية عن حدود التجميل الممكن لوجوه صنعتها سلطة عائلة الأسد، ثم غادرت أو انشقت عن النظام في توقيت محسوب، وتحاول اليوم تقديم نفسها كجزء من الحل بدلاً من الحاشية التي رافقت عائلة مسؤولة عن الاجرام اللاحق بملايين السوريين على مدار أكثر من 5 عقود.
ووُصفت الصور المنتشرة في وسائل التواصل بأنها نادرة، من ألبوم الأسد الشخصي، وتعود إلى التسعينيات، وتظهر طلاس والأسد في رحلات برية (سيران) وتزلج، وسهرات خاصة وأوقات غير رسمية توحي بمدى القرب الشخصي والسياسي بين الطرفين.
وبينما اكتفى بعض المستخدمين بوصف الصور على أنها ذكريات من زمنٍ مضى، تلقاها آخرون بوصفها وثيقة إدانة لشخص يحاول اليوم العودة إلى المشهد بصفة جديدة، متجاوزاً صلته الوثيقة بالنظام الذي خدمه لعقود، واستفاد من قربه ثم انشق عنه بعد الثورة بعامٍ ونصف.
وكان السياق الاجتماعي للفترة التي التقطت فيها الصور، حاضراً في كل التعليقات، حيث كان راتب الموظف السوري آنذاك 2000 ليرة، في الوقت الذي يعيش فيه الأسد وحاشيته والدائرة المقربة، في القصور الفارهة، ويقودون أحدث السيارات، ولديهم وقت للاستجمام والرحلات واللعب في الثلج.
وكتب أحد المدونين: “الغريب إنو في ناس بتسميها أيام العز… هاد كان عزهم، مو عز الشعب”. فالتسعينيات التي تعد إطار الصور الزمني، كانت واحدة من أكثر فترات الدولة الأمنية استقراراً على الورق، لكن مقابل انهيار معيشي حقيقي لمعظم السوريين وتضخم وبطالة وانتشار الاقتصاد غير الرسمي مقابل طبقة مترفة صغيرة تدور حول العائلة الحاكمة، وكان طلاس من أبرز رموزها.
في تلك الفترة كان مصطفى طلاس، والد مناف، يشغل منصب وزير الدفاع منذ العام 1972، ويلعب دوراً مزدوجاً كرجل عسكري وفيّ لحافظ الأسد، وواجهة ناعمة في الخارج بمؤلفاته الشعرية وصوره المصممة “كزعيم متنور”. أمّا مناف، فكان ضابطاً صاعداً في الحرس الجمهوري، صديقاً لباسل الأسد، ثم لبشار بعد وفاة شقيقه، وواحداً من جيل الأمراء في دمشق، ومن بين أولئك مستثمري علاقتهم بالعائلة ليصعدوا في الجيش أو الاقتصاد، إلى أن أتت الثورة، فاختار طلاس الانشقاق في صيف 2012، بعد شائعات عن محاولته لعب دور الوسيط بين النظام والمعارضة، وهي رواية لم يؤكدها أحد لكنها بقيت مرتبطة بسيرته.
دور جديد لطلاس؟
ويأتي انتشار هذه الصور بالتزامن مع إعادة طرح اسم مناف طلاس في النقاشات السياسية بعد محاضرة ألقاها في باريس في أيلول/سبتمبر الماضي، تحدث فيها عن دور الجيش في حماية وحدة الدولة، وطرح فيها نفسه بلغة تذكّر بخطابات المرحلة الانتقالية، حين يبدأ بعض العواصم بترتيب ملفات الاستقرار الأمني قبل الحديث عن العدالة.
ومنذ تلك المحاضرة، بدأ محللون سياسيون، خصوصاً في الإعلام الفرنسي واللبناني، بالترويج لطلاس بوصفه شخصية قادرة على إعادة هيكلة المؤسسة العسكرية، نظراً لخلفيته وعلاقاته مع الضباط القدامى، وكونه رجل دولة على معرفة بدهاليز المؤسسة الأمنية، لكنه ليس غارقاً في جرائمها. غير أن هذا الطرح قوبل في الأوساط السورية بتشكيك واسع، ورفض أخلاقي مسبق، لا ينطلق من مجرد انتمائه السابق للنظام، بل من طبيعة استفادته من المنظومة طوال عقدين، ومن كونه واحداً من أبناء النخبة التي عقدت صفقة السلطة مقابل الصمت والامتيازات.
وازدادت نبرة السخرية بعد تداول تصريحات منسوبة لطلاس قال فيها إن القائد العام لقوات سوريا الديموقراطية، مظلوم عبدي، “يمتلك روح الشجاعة والقدرة على القيادة، وإنه يدعمه في أن يكون له دور في المرحلة المقبلة”، وهو ما زاد من حدّة الانتقادات بسبب مفارقة أن “ابن الحرس الجمهوري” بات يتحدث عن دعم شخص كان قبل سنوات قليلة هدفاً محتملاً لعمليات النظام الأمنية والعسكرية.
في المقابل، ما زال بعض المحللين يرون أن طلاس ليس وحده في هذا الموقع الرمادي، وأن مرحلة ما بعد الأسد ستكون حتماً ساحة لصراع “الشرعيات” بين قوى معارضة قديمة، ومنشقين، ورجال أعمال، وعسكريين سابقين، وبعضهم ربما يُطرح فعلاً كجزء من حل أمني دولي. لكنّ هؤلاء يغفلون شرطاً أساسياً يبدو غائباً عن كل سردية تجمّل وجه النظام السابق، وهي أن السوريين، بعد عقدين من الرعب والانفجار، لا يبحثون عن ضابط عسكري يرتب لهم الثكنات، بل عن قطيعة واضحة مع المنظومة التي أنتجت بشار ومناف وأمثالهما.
المصدر المدن