محمد حسان – صحافي سوري
فرنسا، خلال لقاءاتها المتكررة مع شخصيات من الحكومة السورية، بينها الرئيس الشرع ووزير الخارجية أسعد الشيباني، أبدت مخاوف من المقاتلين الأجانب، وبخاصة الفرنسيين منهم. في المقابل، أبدت الحكومة السورية التزامها بإزالة هذه المخاوف، وما تفعله الآن من محاولة لتفكيك الكتيبة الفرنسية واعتقال زعيمها ليس إلا خطوة في طريق تنفيذ تلك الالتزامات.
عاد ملف المقاتلين الأجانب في سوريا إلى الواجهة. عودة الملف الآن ليست حول نقاش مصير المقاتلين وآليات تجنيسهم أو ضمّهم إلى صفوف وزارتي الدفاع والداخلية أو دمجهم داخل المجتمعات المحلية، بل تأتي في ظل حالة صدام عسكري بين أجهزة الدولة الأمنية ومقاتلي كتيبة “الغرباء”، التي تضم المقاتلين الفرنسيين في سوريا.
سير الأحداث جاء سريعاً، من دون مقدمات أو مؤشرات سابقة إلى الحدث، ففي منتصف ليل الثلاثاء 21 تشرين الأول/ أكتوبر، فرضت قوات الأمن العام حصارًا على مخيم المقاتلين الفرنسيين في منطقة حارم بريف محافظة إدلب. ومنذ صباح يوم الأربعاء 22 تشرين الأول، تحاول القوات الأمنية اقتحام المخيم.
تقول السلطات السورية إن سبب اقتحام المخيم جاء استجابةً لشكاوى أهالي مخيم الفردان في ريف إدلب بشأن الانتهاكات الجسيمة التي تعرّضوا لها، وآخرها خطف فتاة من والدتها على يد مجموعة مسلّحة خارجة عن القانون بقيادة المدعو عمر ديابي (أومسين)، أمير كتيبة الغرباء الفرنسية.
كما أكدت السلطات السورية أنها سعت إلى التفاوض مع أومسين لتسليم نفسه طوعًا للجهات المختصة، إلا أنه رفض وتحصّن داخل المخيم، ومنع المدنيين من الخروج، وشرع بإطلاق النار واستفزاز عناصر الأمن وترويع الأهالي، مستخدمًا إياهم كدروع بشرية.
في المقابل، نفى الفرنسي عمر ديابي، المعروف بـ”عمر أومسين”، التهم التي وجهتها السلطات السورية له، مؤكداً أن قصة اختطاف الطفلة ميمونة فرستاي، وهي فرنسية مسلمة (11 عامًا)، مجرد ذريعة لاقتحام المخيم واعتقال المقاتلين الفرنسيين، وأن العملية تأتي بناءً على توافق بين أجهزة المخابرات الفرنسية ونظيرتها السورية.
عمر ديابي، أو كما يُطلق عليه “عمر أومسين”، وُلد في السنغال وانتقل إلى فرنسا وهو طفل، قبل أن يتأثر بالفكر الجهادي بعد فترة أمضاها في السجون. انتقل إلى سوريا عام 2013 وترأس كتيبته الجهادية “الغرباء” في غابات اللاذقية، ويُعتبر الزعيم الروحي لجماعته.
في أيلول/ سبتمبر 2014، أدرجته لجنة العقوبات في مجلس الأمن الدولي على قائمة الأفراد المرتبطين بتنظيم “القاعدة”، وذلك لدوره القيادي في كتيبة “الغرباء” المرتبطة بجبهة النصرة آنذاك، وكونه منظمًا رئيسيًا لشبكة المقاتلين الأجانب في سوريا، بالإضافة إلى نشاطه في الدعاية الجهادية عبر الإنترنت.
عام 2016، صنّفته وزارة الخارجية الأميركية كـ”إرهابي عالمي”، واعتقلته “هيئة تحرير الشام” عام 2020، وبقي في السجن حتى 2022 لأسباب تتعلق بتهم وجّهتها له الهيئة حينها، ما يدل على وجود خلافات قديمة بين الطرفين.
بين دعاية السلطات السورية حول أسباب العملية وما صدر عن زعيم الكتيبة الفرنسية من نفي، يبدو أن كل طرف يحاول تبرير الحادثة أو نفي أسبابها. لكن القراءة الأدق لفهم السياق تشير إلى أن الحكومة السورية وقّعت مع فرنسا والولايات المتحدة الأميركية في 25 تموز/ يوليو 2025 اتفاقًا حول دعم مستقبل الانتقال السياسي في سوريا ودعم الحكومة ووحدة أراضي الجمهورية. وكان من بين البنود المتفق عليها التعاون المشترك في مكافحة الإرهاب، وضمان عدم وجود تهديدات قادمة من سوريا لدول الجوار أو العالم.
فرنسا، خلال لقاءاتها المتكررة مع شخصيات من الحكومة السورية، بينها الرئيس الشرع ووزير الخارجية أسعد الشيباني، أبدت مخاوف من المقاتلين الأجانب، وبخاصة الفرنسيين منهم. في المقابل، أبدت الحكومة السورية التزامها بإزالة هذه المخاوف، وما تفعله الآن من محاولة لتفكيك الكتيبة الفرنسية واعتقال زعيمها ليس إلا خطوة في طريق تنفيذ تلك الالتزامات.
يرى محللون أن الحكومة السورية تسعى إلى اعتقال بعض قيادات الكتيبة الفرنسية وتفكيك المجموعة، والعمل على تحييد أي مخاطر مستقبلية ضد المصالح الفرنسية، وربما في وقت لاحق تسليم عمر ديابي للسلطات الفرنسية، بسبب قدراته الكبيرة على التجنيد لصالح الجماعات الجهادية في المجتمع الفرنسي، إذ نجح في استقطاب الكثير من أبناء الطبقات الغنية في فرنسا للقتال في سوريا، ما يبرز قدرته العالية على التأثير والوصول.
المخاوف الفرنسية من الجهاديين الفرنسيين لا تنبع فقط من وجودهم على الأراضي السورية، بل من احتمال سعيهم بعد استقرار الوضع في سوريا، إلى تجنيد خلايا داخل فرنسا للقيام بعمليات إرهابية هناك أو ضد أهداف أوروبية، وهذا ما أكدته الأخبار من فرنسا حول اعتقال عدد من الأشخاص الذين كانوا على تواصل مع ديابي وحاولوا الانضمام له في سوريا بعد سقوط النظام، أما الرد الفرنسي الرسمي فهو ضرورة “محاكمة هؤلاء الجهاديين في أماكن تواجدهم”، أي لا جهود رسمية لإعادتهم إلى فرنسا ومحاكمتهم على الأراضي الفرنسية.
السعي الحكومي السوري لإنهاء المخاوف الإقليمية والدولية من ملف المقاتلين الأجانب، الذي نرى الآن أول تجلياته ضد المقاتلين الفرنسيين، أثار قلق الجماعات الأجنبية الأخرى التي تقاتل في سوريا، مثل الأوزبك والتركستانيين، الذين بدأ بعضهم يخشى المصير نفسه، ما دفع بعض مقاتليهم إلى إعلان تضامنهم مع الفرنسيين، بل والانضمام إليهم في القتال داخل المخيم.
أبعاد الصدام
حادثة التصادم بين الحكومة والمقاتلين الفرنسيين ستكون لها تداعيات كبيرة، قريبة وبعيدة المدى، أولها زرع حالة من الشك بين المقاتلين الأجانب تجاه السلطة السورية، باعتبارها قادرة على التخلي عنهم في أي لحظة ضمن التزامات دولية، ما قد يؤدي إلى نفورهم وتكتّلهم لحماية أنفسهم.
قد يعني هذا التوتر نشوء بؤرة نزاع جديدة في شمال سوريا، وتحديدًا في محافظة إدلب، التي تضم معظم المقاتلين الأجانب وعائلاتهم، ما يعني عبئًا عسكريًا وسياسيًا إضافيًا على السلطة.
استمرار المواجهات المباشرة قد يهدد نفوذ”هيئة تحرير الشام” سابقاً، إذ إن المقاتلين الأجانب كانوا أحد أهم أسباب قوتها ونجاحها العسكري، فمعظم العمليات الانتحارية والانغماسية نُفذت على أيديهم.
الآثار السلبية التي ستواجهها السلطة داخليًا نتيجة هذه السياسة، قد تصبّ في مصلحة تنظيم “داعش” من خلال تأكيد سرديته بأن الهيئة تستخدم المقاتلين الأجانب كأداة ثم تتخلى عنهم، بخلافه هو الذي لم يفرّط بهم. كما قد يستغل التنظيم هذا الوضع لاستقطاب هؤلاء المقاتلين إلى صفوفه.
بعيدًا عن الآثار السياسية والعسكرية، يجدر التذكير بأن الرئيس أحمد الشرع، المعروف سابقًا بـ”الجولاني”، بدأ منذ عام 2015 سياسة منظمة لتقليص سلطة المقاتلين الأجانب داخل الهيئة، خصوصًا أولئك الرافضين لتحويل الجهاد من أممي إلى محلي، وقد نجح في القضاء على كثير من الفصائل الجهادية آنذاك.
يبقى السؤال: هل سينجح الآن في إنهاء ملف المقاتلين الأجانب بطريقة ترضي الداخل السوري والإقليم والمجتمع الدولي معًا؟.
المصدر موقع درج