“شعار ’الأسد أو نحرق البلد’ ليس عبثًا، هذه عقلية راسخة عند النظام، مفادها أن حافظ الأسد امتلك سورية وورّثها لابنه، واللي فيها عبيد، إما أن يكونوا معه أو يُقتلون. هذه عقلية تأسست داخل هذه البنية، ما عندهم مشكلة يقتلوا مليونين أو خمسة ملايين سوري”- هذا ما قاله الباحث والمناضل الفلسطيني الراحل سلامة كيلة في لقاء تلفزيوني عام 2016. ويُعتبر كيلة من أبرز الباحثين والكتّاب العرب الذين جمعوا بين الممارسة السياسية والفكرية معًا، وكانوا تجسيدًا للتعدد والتنوّع والاختلاف. وهو أيضًا الذي اعتقله النظام السوري المجرم مرتين في عهدي الأسد الأب والابن، ووزعت صور التعذيب الوحشي على جسده بعد خروجه من معتقلات الجحيم المظلمة إثر اندلاع الثورة السورية والتحاقه بها، إلى جانب صور أخرى موجعة ومرعبة لأطفال ونساء ومسنين وشباب تعرضوا لأبشع الانتهاكات وأكثرها وحشية.
وقد تم في الثاني من أكتوبر/تشرين الأول الجاري، في الذكرى السابعة لوفاته، افتتاح منتدى ثقافي مرخّص رسميًا تحت اسم: “منتدى سلامة كيلة الثقافي”، في منزله بدمشق الذي شهد اجتماعات كثيرة خلال سنوات طويلة من أجل “فلسطين دولة واحدة”، ولقاءات “ائتلاف اليسار في الثورة السورية”، و”نساء من أجل الانتفاضة السورية”، وشهد اعتقاله في التسعينيات وبعد انطلاق الثورة أيضًا واعتقال زوجته الناشطة والكاتبة ورئيسة المنتدى ناهد بدوية مرتين أيضًا. وهذا المنتدى ليس تخليدًا لاسمه فقط الذي ارتبط بالنضال الفكري والسياسي العربي وبالنضال من أجل فلسطين وحقوق الفلسطينيين المشروعة فحسب، بل لأن إنتاجه الغزير كباحث وسياسي يستحق أن تقرأه الأجيال الشابة والقادمة.
أُطلق المنتدى كمبادرة مستقلة تسعى إلى إحياء دور الفكر والنقاش النقدي والاختلاف في المشهد الثقافي السوري، وتكريمًا لإرث الراحل. ويهدف، كما ذكر القائمون عليه، إلى توفير فضاء حر للنقاش يعيد الاعتبار لدور المثقف في مشروع التغيير، ويعزّز قيم التعددية والانفتاح في وجه الإقصاء والاستبداد اللذين حاصرا سورية والسوريين لأكثر من خمسة عقود.
حملت الندوة الافتتاحية عنوان: “لماذا سلامة كيلة؟” في محاولة لإعادة طرح أفكاره في سياق اللحظة الراهنة والمساهمة في بناء مشهد ثقافي جديد يقوم على الاختلاف كأساس للعيش المشترك.
وقد أكدت بدوية أن هوية المنتدى تكمن في عرض اختلاف الثقافات والاهتمام بالثقافة باعتبارها الطريق الأوسع لتعزيز الهوية والوعي، متحدثة عن الراحل الإنسان والباحث والمناضل. كما تحدث صديقه مروان غازي عن “سلامة والحوار الوطني”، مركزًا على التزام كيلة بقضية فلسطين والصراع مع الكيان الصهيوني الذي يعتبره صراع وجود لا صراع حدود، وبالإنسان العربي وهمومه والعروبة والعلاقة بينها وبين الإسلام في فكره وأبحاثه.
بينما تحدث المحامي محمود عيسى، الذي عاصر الراحل في المعتقل لسنوات طوال، عن حبه لدمشق وحلمه بالعودة إليها بعد سقوط الأسد، وحماسه وجرأته وإنجازاته الفكرية داخل السجن، حيث أنجز خمسة كتب خلال خمس سنوات.
وُلد سلامة كيلة في بيرزيت الفلسطينية عام 1955، وأبعدته سلطات الاحتلال عن مدينته بسبب التحاقه بالعمل الوطني الفلسطيني، فسافر إلى بغداد وحصل عام 1979 على البكالوريوس في العلوم السياسية من جامعتها، ولم يستطع العودة إلى فلسطين لأن سجون الاحتلال الإسرائيلي كانت بانتظاره. ثم سافر إلى سورية عام 1981 وأصبحت منذ ذلك الحين وطنه الفكري والسياسي. اعتقله النظام السوري عام 1992، وقضى في سجونه ثمانية أعوام، حوّل زنزانته خلالها إلى “جامعة شعبية” مصغّرة خطّ فيها بيده كتبًا ومذكرات وزعها على رفاقه وهو يؤكد لهم أن الأفكار لا تقيّدها القضبان، وأن المعرفة أقوى من الجلادين كما كان يقول. ثم اعتُقل للمرة الثانية عام 2012 بسبب انخراطه في الثورة السورية، وتم نفيه قسريًا إلى الأردن بعد الإفراج عنه مباشرة، ليتنقل بعد ذلك بين مصر وتونس والأردن، حيث وافته المنية ودُفن هناك عن عمر 63 عامًا عام 2018 بعد أن رفض الاحتلال عودة جثمانه إلى مسقط رأسه بناءً على وصيته.
| عمل كيلة خلال حياته على تأسيس مشروع ماركسي – عربي يجمع بين الماركسية والقومية |
عُرف الراحل بإنتاجه الغزير، حيث أصدر أكثر من 35 كتابًا ناقشت موضوعات فكرية وسياسية، منها: الماركسية واليسار العربي، والحركة القومية ونقد الإسلام السياسي، والرأسمالية والاشتراكية والإمبريالية، إضافة إلى القضية الفلسطينية وثورات الربيع العربي والثورة السورية والهوية.
في كتبه الأولى، انتقد المشكلات التنظيمية للأحزاب معتبرًا أنها كانت تُدار بعقلية القرون الوسطى. وفي المنهج له كتابان نقديان هامان: “من هيغل إلى ماركس” و”التفسير المادي للتاريخ”، وأهميتهما تكمن في الإجابة عن سؤال: ما هي الماركسية؟ وذلك لتفكيك الذهنية المسيطرة اللاهوتية القديمة والمثالية الحديثة، كما وصفها، والتي ترى الماركسية تصورًا للحياة أي فلسفة ونظرية، وبالتالي هو يتجاوز ذلك إلى اعتبارها منهجًا يقوم على ما أضافه ماركس إلى الجدل الهيغلي لتصبح هي طريقة وعي الواقع ووعي دور العامل الإرادي فيها، واصفًا ما فعله ماركس بـ”تجليس هيغل” ليقف على قدميه بعد أن كان واقفًا على رأسه كما قال.
وله كتب عديدة ناقدة للماركسية وفكرها، وللمادية والاشتراكية، منها: “المادية والمثالية في الماركسية – مناقشة لفكر ملتبس” (2001)، “الاشتراكية أو البربرية” (2001)، “مشكلات الماركسية في الوطن العربي” (2003)، “أطروحات من أجل ماركسية مناضلة” (2002).
عمل كيلة خلال حياته على تأسيس مشروع ماركسي – عربي يجمع بين الماركسية والقومية في إطار نهج بدأه رئيف خوري الأديب والمفكر اللبناني، والياس مرقص المفكر الماركسي العروبي السوري، وياسين الحافظ الكاتب والمفكر القومي السوري.
واعتبر الراحل في كتاباته ومواقفه أن القضية الفلسطينية هي قضية كل العرب، ومرتبطة بنهوض العالم العربي وتحرره من الاستبداد والأنظمة الشمولية. ورفض مشاريع السلطة الفلسطينية/أوسلو/ وغيرها وسياسة المراحل، ونظّر في كتابيه: “المشروع الفلسطيني والمسألة الفلسطينية” و”دولة ديمقراطية واحدة” لبناء الدولة الفلسطينية العلمانية الديمقراطية الواحدة لكل القوميات والأديان، بمن فيهم اليهود، وراهن على دور العرب منهم في تفكيك دولة الاحتلال، مؤكدًا على ضرورة تجاوز التخلف العربي والطروحات الطائفية لتيارات الإسلام السياسي وتحقيق التنمية والنهوض عمومًا، إضافة إلى تجاوز الأنظمة الديكتاتورية والرجعية الحاكمة والانتقال الديمقراطي. ولذلك دعم ثورات الربيع العربي وانخرط في الثورة السورية منذ بداياتها عام 2011، حيث شارك في تأسيس “ائتلاف اليسار السوري” وصحيفة “اليساري”، وانتقد بشدة اليسار العربي الداعم لنظام الأسد المجرم والمعارضة السورية أيضًا التي راهنت على التدخل الخارجي لإسقاطه.
في كتابه “ثورة حقيقية – منظور ماركسي للثورة السورية”، ركّز على الطبيعة الاستبدادية لنظام الأسدين الأب والابن، وقال إن هذا النظام يشبه الأنظمة التي حكمتها حركات قومية عربية اتّسمت بطابعها العسكري الريفي كالعراق ومصر والسودان واليمن الشمالي. وناقش البعد الطائفي له وتحويله الدولة إلى وسيلة للنهب وإفقار البلاد والعباد.
كتب سلامة كيلة أيضًا عن أوضاع البلدان التي شهدت انتفاضة الطبقات المعدمة في الثمانينيات، ليتبيّن له ازدياد الوضع المعيشي تدهورًا وسوءًا في تلك الفترة، كما في: تونس والمغرب 1984، والسودان 1985، ومصر 1986، والأردن 1989. ورأى أن الأنظمة حاولت دائمًا الحصول على شروط تسوية أفضل مع الغرب تضمن مصالحها ونفوذها الاقتصادي عبر خصخصة مؤسسات الدولة والانفتاح الاقتصادي تحت ذرائع التحديث والتنافسية، وهذا ما حدث في مصر أيام السادات وفي سورية. ووجهة النظر هذه هي أساس موقفه من النظام السوري.
كتب أيضًا عن الأسباب التي دعت الطبقات الشعبية للثورة، كالفقر والتجويع ونقص الخدمات والقمع، وفي مقدمة كراسه “طريق الانتفاضة” قال: “لا شك في أنني أهدف من إصدار هذا الكراس إلى التأكيد على أن الانتفاضة باتت أداة أساسية لتحقيق التغيير، وهي ممكنة بل حتمية”.
وكانت الكراسات الماركسية التي أصدرها واحدة من إسهاماته الفريدة في المنطقة العربية، والتي سعى فيها لتقديم هذه النظرية لجمهور واسع ومحلي.
طرح الراحل أيضًا سؤال الهوية في أبحاثه وكتبه، وفي كتابه “الهوية والقومية والحداثة” فرّق بين القومية العربية بوصفها مسألة واقعية والقومية باعتبارها أيديولوجيا، ووصفها بالمثالية والرومانسية التي تقوم على الحدس، ورأى أنه لا يمكن بناء دولة ديمقراطية بدون اكتمال ترابط الهوية وبدون العلمنة.
في رصيده مئات المقالات أيضًا، منها ما هو حول الطائفية والأقليات والإسلام السياسي، وقد اعتبر فيها أن هناك خلطًا في مسألة تشكّل الأقليات والطوائف والأديان والقوميات والقبائل، وأن صراعات التاريخ تجري بين رؤية الأغلبية/السنية/ لهذه الأقليات، ورؤية الأخيرة لهذه الأغلبية في علاقة صراع تصل إلى حد التكفير، وبالتالي نحن نعيد إنتاج الماضي في حاضر تجاوزه.
وفي مقال له بعنوان: “من نقد السماء إلى نقد الأرض”، ناقش ميل اليسار والليبراليين الجارف لنقد الدين باعتبار أن التنظيمات الإسلامية كداعش مثلًا هي نتاج الدين، بينما يرى هو أن الواقع هو الذي يُنتج التشدد والتعصب لا الدين. وأن هذه النزعة عند اليساريين هي هروب إلى نقد السماء بدلًا من نقد واقع التهميش والبطالة والفقر والقمع الذي يدفع هؤلاء الشبان إلى اللجوء إلى الإسلام وسيلةً للتعبير السياسي، لا سيما وأن انهيار اليسار والشيوعية جعل السوق خالية إلا من الإسلام السياسي.
وفي مقالات أخرى كتب عن فلسطين والقضية الفلسطينية، وعن: “أزمة النضال الفلسطيني والدولة العلمانية الديمقراطية”، قائلًا: “الفلسطينيون أرهقوا في صراع غير متكافئ، وحوصروا من قبل الصهاينة والنُظم العربية، وهذا أمر يجب أن يكون واضحًا”. وعن “العلمانية والإسلاميين والبديل الفلسطيني” و”ماهية فلسطين”، وذكر في هذا المقال أن فلسطين كانت من البحر إلى النهر حين انطلقت الثورة الفلسطينية، لكننا اليوم في فلسطين أخرى، حيث إن مبادئ الثورة لم تصمد سوى سنوات قليلة، ومن ثم أخذ التراجع مداه منذ ما بعد حرب أكتوبر 1973.
وفي رصيده أيضًا مقالات عن سورية ومخيم اليرموك، أكبر المخيمات الفلسطينية وعاصمة الشتات، بعد تدميره بالصواريخ والقصف الجوي والمدفعي من قبل النظام السوري البائد والميليشيات الطائفية وبعض الفصائل الفلسطينية الحليفة: “إذًا النظام يدمر، والممانعون الفلسطينيون يصفقون، وبعضهم يشارك في التدمير، وجزء منهم ما زال يطبّل للنظام”. وأشار إلى أن أولوية هؤلاء جميعًا هي الدفاع عن هذا النظام تحت وهم محاربة الإمبريالية والممانعة، والخوف من تنظيمات مجرمة كان هو نفسه أول من ساهم في صنعها حين أطلق سراح قادتها وكوادرها من السجون في بداية الثورة السورية.
الجدير ذكره أن الكثير من الباحثين والنقاد يعتبرون آراء الراحل وكتاباته إعادة نقاش وبحث في نظريات القرن العشرين، خاصة فيما يتعلق بالإمبريالية وتطوراتها الحديثة وبنية الأنظمة العربية والتعامل مع الثورات. وأن دعوته لتأسيس “يسار عربي جديد” هي محاولة لتجاوز الإخفاق الذي وصل إليه الفكر اليساري التقليدي في المنطقة.
كان الراحل يقول: “أنا مواطن عربي، وأي بلد أعيش فيه أتعامل كمواطن من مواطنيه”، وأعلن أنه كان يتمنى أن يبقى في السجن أثناء الثورة السورية ولا يتم ترحيله إلى الأردن، لأنه يريد البقاء في دمشق التي أحبها. وكانت كلمة “راجع” آخر كلمة قالها وهو يغادرها رغمًا عنه. وقد عاد في زحمة الأسئلة الكبيرة والمصيرية التي تبحث عن إجابات معمقة ومدروسة.
مراجع:
-
بوابة العلوم السياسية.
-
بوابة فلسطين.
-
مواقع إلكترونية.