ملخص
شاهدت منذ أعوام حديثاً متلفزاً لشاه إيران الراحل محمد رضا بهلوي يتحدث فيه بفخر واستعلاء عن دور إيران في الشرق الأوسط وغرب آسيا باعتبارها شرطي المنطقة، وهنا يجب أن نعترف أن الثورة الإسلامية في إيران كانت انقلاباً ضخماً على استقرار ذلك الإقليم المتعدد الأعراق والضارب بجذوره في التاريخ البعيد.
شاعت خلال الفترة الأخيرة تعبيرات وافدة على معطيات الصراع المسلح أحياناً وحول موائد التفاوض أحياناً أخرى، ومن تلك التعبيرات الشائعة تعبير “بنك المطالب” للدلالة على ما في جعبة المفاوض من طرف ما للوصول إلى نقطة التسوية أو الاقتراب منها في الأقل، كذلك أضحت كلمة “السردية” مرادفاً عند الإشارة إلى مسار الأحداث التي تستجد، بينما قفز تعبير “الصبر الاستراتيجي” ليحتل موقع الصدارة خلال الأيام الأخيرة، وفي ظني أنه كان مرتبطاً بالأيديولوجيات الإيرانية التي صكت تعبيرات جديدة مثل “وحدة الساحات” للتعبير عن المقاومة ضد المخططات الخارجية.
وبرع جيراننا الإيرانيون في استخدام تعبير “الصبر الاستراتيجي” للدلالة على إمكان توظيف عامل الزمن وعنصر الوقت في تحويل الأمور لمصلحتهم بغض النظر عن الهزائم العسكرية أو الخسائر المادية، فالإيراني الذي قد يعكف لأكثر من عام كامل لإتمام صنع سجادة يدوية فاخرة لا بد من أن يستهين بعنصر الوقت وأن يتعامل مع الزمن بدهاء وحنكة، ولذلك فإن المفاوض الإيراني هو نمط خاص بمفاتيح مختلفة يختار منها ما يراه متوافقاً مع ظروفه وخصوصية تفكيره.
لعلي أجازف هنا فأقول إن العقل الإيراني حالياً يختلف عن نظرائه من أصحاب الثقافات الأخرى أو أبناء الحضارات الباقية، ولا شك في أنه يشعر بنوع من العزلة وانعدام القدرة على التواصل بلغة مشتركة مع الآخرين، بل هو ينظر بمنظار خاص إلى الأغيار مع فقدان الثقة بمن حوله، فالأيديولوجيا الصماء تخطف العقول وتعمي الأبصار، وذلك هو شأن إيران حالياً التي تضرب بلا وعي في اتجاهات متباينة وأصعدة مختلفة.
والهجوم الإيراني المتكرر على دول الجوار العربي في منطقة الخليج، انعكاس مباشر لحال السيولة السياسية على الساحة الإيرانية وانعدام التماسك وشيوع التضارب بين تشدد الحرس الثوري وقوة الإصلاح والاعتدال على الجانب الآخر، حتى أصبح من الضروري أن نقوم بتحليل في إطار سيكولوجية السياسة للتعرف إلى كل خبر يصدر من طهران أو عنها، حيث إن المصدر يحدد تاريخه الذي يسلكه في المستقبل.
لقد استمعت إلى الرئيس الإيراني السابق محمد خاتمي وهو يطرح أفكاراً وآراء إصلاحية معتدلة ويحذر شعبه من التورط في أفكار والدخول في أيديولوجيات لا تكون ربما في مصلحته، فالساحة الإيرانية تجمع كل ألوان الطيف السياسي بدءاً من المرونة الليبرالية، وصولاً إلى التشدد العقائدي والتزمت السياسي، ولعلنا نطرح هنا بعض المعايير المرتبطة بطبيعة القرار المحتمل في إيران على المدى القصير والمدى الطويل أيضاً:
أولاً، إنني أطالب كل المهتمين بالواقع الإيراني المعاصر أن يذهبوا قليلاً إلى التاريخ الحديث للدولة الفارسية الكبرى وطموحاتها التاريخية وحساسية العلاقات مع الجوار العربي بدءاً من الأحواز وشط العرب، إلى نقاط التماس مع الأكراد والقوميات الأخرى المتداخلة مع الكيان الفارسي الذي يمثل عنصراً مهماً في تكوين تلك الدولة المركبة، وسنكتشف أن أطماع إيران تاريخياً قبل الشاه إسماعيل الصفوي وبعده هي أحلام متجذرة منذ أن سعى الإسكندر الأكبر إلى غزو بلاد فارس انطلاقاً من قاعدة إغريقية في مصر على شاطئ المتوسط وظل الأمر كذلك حتى قيام الثورة الإسلامية في إيران عام 1979.
وشاهدت منذ سنوات حديثاً متلفزاً لشاه إيران الراحل محمد رضا بهلوي يتحدث فيه بفخر واستعلاء عن دور إيران في الشرق الأوسط وغرب آسيا باعتبارها شرطي المنطقة، وهنا يجب أن نعترف أن الثورة الإسلامية في إيران كانت انقلاباً ضخماً على استقرار ذلك الإقليم المتعدد الأعراق والضارب بجذوره في التاريخ البعيد.
ثانياً، نلاحظ منذ العصر العباسي الأول والثاني تزايد الحساسية بين العرب والفرس أو بين الموالي من العجم ونقاء الجنس العربي الآتي من الجزيرة العربية والمصاحب للفتوحات الإسلامية الأولى، وكيف تزايد نفوذ العنصر غير العربي للدولة الإسلامية حينذاك وكانت نكبة البرامكة خلال عصر هارون الرشيد مثالاً على ذلك، ونحن بالمناسبة لا ننكر الدور غير العربي الأصل في ازدهار الدولة العربية مع العصر العباسي ولا ننكر دور الآخرين في تشييد تلك الحضارة الكبرى التي وصلت أصداؤها إلى غرب أفريقيا وأواسط أوروبا واتجهت جنوباً إلى مصر العليا وسواحل اليمن وعمان، لذلك فإن الكيان الإيراني تطفو على ذاكرته بين حين وآخر تلك التصورات الهائلة لدوره التاريخي خلال العصور الماضية.
هنا تبدو ملاحظة مهمة جديرة بالتسجيل وهي أن التشيع الفارسي لاحق على التشيع العربي الأصيل بقرون عدة تفصل ما بين واقعة التحكيم في القرن الأول الهجري، وصولاً إلى عصر الدولة الصفوية والعرب الشيعة (عرب أقحاح)، ولا شك في عروبتهم تحت مظلة الإسلام الحنيف الذي لا يفرق بين مسلم شيعي ومسلم سني، وجاء في الأثر الشريف قول منسوب إلى رسول الإسلام يقول فيه “لا فضل لحر قرشي على عبد حبشي إلا بالتقوى”، ولذلك فإن القراءة الإيرانية لتعاليم الإسلام لا تختلف في جوهرها عن نظيرتها لدى أهل السنة والجماعة إلا في التفاصيل التاريخية وتوزيع الأدوار بين الصحابة، خصوصاً في مطلع الدولة عند فجر الإسلام.
ثالثاً، يعيش الإيرانيون انطلاقاً من منظور تاريخي يعتز بصورة مبالغ فيها بالهوية الإيرانية التي هي مزيج من أحلام الحضارة الفارسية، مختلطة بروح الإسلام الحنيف من منظور شيعي يحاول أن يكون مستقلاً عن بحر السنة والجماعة من حوله، فالإله واحد والقرآن واحد وأركان الإسلام واحدة وقبلة المسلمين مشتركة بين الجميع، إلا أن الإلحاح على الخصوصية الإيرانية يحاول أحياناً التركيز على التفرقة المذهبية تحت مظلة الإسلام الواحد الذي لا يقبل التقسيم ويرفض التفرقة بين مقاصد الشريعة في كل نواحي الحياة، ويذهب غلاة الأشعرية من أهل السنة والجماعة إلى انتقاد بعض أتباع المذهب الشيعي الذين يسبون صحابة رسول الله، خصوصاً أبو بكر وعمر عليهما السلام، من منظور ضيق لا يزال يعيش في ظلال واقعة التحكيم، على رغم أن الإمام علي بن أبي طالب كرم الله وجهه يحظى باحترام شديد لدى أهل السنة ويرون أنه فيلسوف الإسلام الأول وداعم ابن عمه، النبي محمد صلى الله عليه وسلم.
رابعاً، شاءت الأقدار أن تتمتع المنطقة العربية الإسلامية بمخزون ضخم من الثروات المادية والبشرية، فضلاً عن الزخم الروحي المصاحب للديانات السماوية بما يجعل لشعوب المنطقة خصوصية بارزة تميزهم عن غيرهم، وتُضاف إلى ذلك عناصر التكوين الآسيوي للشعب الإيراني بقومياته المتعددة من دول الجوار المختلفة، فالعامل الإيراني الماهر، كما ذكرنا من قبل، قد يمضي أعواماً في صناعة سجادة يدوية بصبر يعلمه العلاقة الهادئة مع عامل الوقت وعنصر الزمن، والإيراني يختلف عن سواه في قدرته على الانتظار واستيعاب العوامل الجديدة في المشهد العام.
لعل ذلك يفسر إلى حد كبير ذلك الاضطراب في المشهد العام للوضع الساخن حالياً بين واشنطن وطهران وانعدام القدرة الأميركية على فهم العقلية الإيرانية، إضافة إلى العامل الإيراني على الجانب الآخر الذي لا يدرك من خلاله الإيرانيون دوافع واشنطن والدور الإسرائيلي وراءها الذي يرى إيران خطراً ضخماً عليه في المستقبل، ويعتبر أن حيازتها للسلاح النووي لن تكون نهاية إسرائيل وحدها، بل هي طريق إلى حال انفلات وفوضى في المنطقة بأسرها.
خامساً، إن العرب خصوصاً في منطقة الخليج يدفعون فاتورة باهظة لا يتحملون أسبابها وحدهم، بل هي شراكة تاريخية بين كل الأطراف، فالأطماع في ثروات المنطقة المادية والاستراتيجية تدفع الأطراف الوافدة إلى التدخل في شأن تلك الدول العربية الساعية إلى السلام والراغبة فيه والتي ترى أنه لا بد من نهاية لمسرحية “قميص عثمان” الذي يرتديه كل من يزعم الدفاع عن القضية الفلسطينية، وفي مقدمتهم إيران.
إن “الصبر الاستراتيجي” تعبير مطلق من الممكن أن يريح الأعصاب حيناً، لكنه قد لا يحل الأزمات دائماً.
