في الوقت الذي انشغل فيه السوريون بمتابعة تفاصيل حل قوات سوريا الديمقراطية “قسد”، من مصير السلاح والقوات إلى ترتيبات إعادة الهيكلة والاندماج، بقيت أسئلة أخرى خارج المشهد.
أسئلة لا تتعلق بالمعسكرات أو المقرات أو القيادات، بل بالأطفال، ففي اللحظة التي أُعلن فيها القرار، كانت أمهات سوريات ما زلن يبحثن عن إجابات للسؤال نفسه الذي يرافقهن منذ سنوات: أين أبناؤنا؟
وقد يكون من الصعب اليوم تحديد عدد الأطفال الذين مروا بتجارب التجنيد والاستقطاب خلال سنوات الثورة والحرب، أو معرفة مصير كل واحد منهم، لكن المؤكد أن هذا الملف لم ينتهِ مع انتهاء المرحلة التي أنتجته.
من “الشبيبة الثورية” إلى ملف التجنيد
على مدى السنوات الماضية، ارتبط اسم “الشبيبة الثورية” بكونها واحدة من أكثر المؤسسات حضوراً وتأثيراً بين الناشئة في مناطق الإدارة الذاتية.
وبينما قدمتها الجهات المرتبطة بها بوصفها إطاراً شبابياً وثقافياً وتنظيمياً، وثقت تقارير أممية وحقوقية اتهامات متكررة بمشاركتها في استقطاب القاصرين وخطفهم ونقل بعضهم إلى معسكرات تدريب أو إلى تشكيلات عسكرية وأمنية مختلفة، رغم التعهدات المعلنة بوقف هذه الممارسات.
ولم يكن الحديث عن التجنيد يقتصر على حمل السلاح فقط، إذ تحدثت التقارير التي تناولت الظاهرة عن عمليات استقطاب وتأهيل وتنشئة داخل أطر تنظيمية خاصة، كان ينتقل خلالها بعض الأطفال من محيط الأسرة والمدرسة إلى مسارات مختلفة فرضتها سنوات الحرب والأيديولوجيات العابرة للحدود.
أرقام تحكي جانباً من القصة
لا توجد حتى اليوم تقديرات دقيقة لعدد الأطفال الذين مروا عبر هذه التجارب خلال سنوات الحرب السورية.
لكن الأمم المتحدة تمكنت من التحقق من مئات حالات تجنيد الأطفال سنوياً، إذ ارتفع العدد الموثق من 813 حالة عام 2020 إلى 1296 حالة عام 2021، ثم إلى 1696 حالة عام 2022، قبل أن يتراجع في السنوات اللاحقة إلى 1073 حالة عام 2023 و527 حالة عام 2024.
ومع أهمية هذه الأرقام، فإنها تبقى جزءاً من الصورة فقط، فالأرقام تخبرنا بعدد الحالات التي أمكن توثيقها، لكنها لا تكشف ما حدث لاحقاً لهؤلاء الأطفال، ولا أين انتهت بهم المسارات التي بدأت قبل سنوات.
بعد الحل.. التحدي الأصعب
إذا كان حلّ التشكيلات العسكرية ودمجها ضمن مؤسسات الدولة يمثل أحد عناوين المرحلة الجديدة، فإن التحدي الأكثر تعقيداً قد يكون في التعامل مع النتائج البشرية التي خلفتها سنوات النزاع.
فالحديث هنا لا يدور حول مقاتلين أو قادة فحسب، بل حول أطفال وناشئة تشكل جزءاً من وعيهم داخل ظروف استثنائية، ثم سيجدون أنفسهم جزءاً من مجتمع يحاول إعادة بناء نفسه بعد سنوات طويلة من الانقسام والحرب.
ولهذا لا يبدو الملف قضية أمنية أو حقوقية فحسب، بل قضية اجتماعية وتربوية أيضاً، فالطفل الذي أُجبر على مغادرة مقاعد الدراسة إلى معسكر أو مركز تدريب قبل سنوات سيعود يوماً إلى المدرسة أو الجامعة أو الحي أو سوق العمل، والسؤال لم يعد فقط كيف جرى استقطابه، بل كيف يمكن مساعدته على استعادة مسار طبيعي داخل دولة تسعى إلى إعادة بناء مؤسساتها ومجتمعها.
ملف لم يُفتح بعد
لا توجد حتى الآن صورة مكتملة عن مصير الأطفال الذين مروا بهذه التجربة، ولا برامج معلنة على نطاق واسع للتعامل مع آثارها أو احتياجات من عاشوها.
لكن المؤكد أن طي صفحة الصراع المسلح لا يعني طي كل الملفات التي خلفها، فكما تحتاج الأراضي التي شهدت المعارك إلى فرق لنزع الألغام، تحتاج المجتمعات الخارجة من النزاعات إلى جهود طويلة لمعالجة ما تركته سنوات الحرب في البشر.
وربما يكون ملف الأطفال المجندين واحداً من تلك الملفات التي لا يمكن تأجيلها كثيراً، ليس لأن الماضي لم يُطوَ بعد، بل لأن مستقبل سوريا نفسه سيتأثر بالطريقة التي سيُتعامل بها مع هذا الجيل خلال السنوات المقبلة.
