لم تعد الدبلوماسيّة الإيرانيّة هي من توفّر الغطاء للميدان، بل بات الميدان هو من يكتب محضر المفاوضات بالنار. بين الترفيعات الاستخباريّة الأخيرة في هيكليّة الحرس الثوريّ، والكشف عن قناة إربيل السرّيّة مع واشنطن، تُوجّه “بندقيّة طهران” رسالة قاطعة للجميع: لا اتّفاقات حبريّة تُصنع في الصالونات المدنيّة. فالقرار الاستراتيجيّ أُحكم إغلاقه داخل غرفة عمليّات واحدة، تحوّل فيها الوسيط الإقليميّ من “قناة تواصل” إلى “صندوق رسائل ناريّة”.
تكشف سلّة التعيينات القياديّة والأمنيّة الأخيرة في هيكليّة الحرس الثوريّ الإيرانيّ التي شملت إعادة تنظيم أجهزة الاستخبارات وتدعيم القيادة الميدانيّة لفيلق القدس، عن تحوّل استراتيجيّ جوهري في كيفيّة إدارة أزمات النظام. إذ انتقلت المؤسّسة العسكريّة والأمنيّة من موقع حماية المسار الدبلوماسيّ وتقديم الغطاء السياسيّ له، إلى موقع الإمساك الكامل بزمام التفاوض، تحديد توقيته، وصياغة شروطه.
واشنطن تختار الحرس؟
تتكامل هذه الهيكليّة القياديّة الجديدة مع التفاصيل الحسّاسة التي كشفها موقع “أكسيوس” عن الوساطة السرّيّة والقناة الخلفيّة التي تحرّكت عبر رئيس إقليم كردستان العراق نيجيرفان بارزاني، بين واشنطن وقيادة الحرس الثوريّ. لكنّ المشهد التفاوضيّ لم يقف عند حدود الدبلوماسيّة السرّيّة، بل وصل إلى ذروته مع التصعيد الميدانيّ الأخير والقصف بالمسيّرات الذي استهدف مقرّات أمنيّة واستخباريّة في إربيل، ليرسل إشارة قاطعة بأنّ القرار الاستراتيجيّ في طهران بات يخرج حصراً من غرفة عمليّات واحدة يندمج فيها الميدان العسكريّ بالعمل السياسيّ.
تكمن أهميّة تسريبات “أكسيوس” في كونها أثبتت أنّ القوى الدوليّة، وعلى رأسها إدارة واشنطن، وبعد تقويم دقيق لمراكز صنع القرار الفعليّ داخل إيران، اختارت تجاوز الفريق التفاوضيّ المدنيّ المتمثّل بوزارة الخارجيّة والدبلوماسيّين التكنوقراط. تعزّز هذا الخيار في الولايات المُتّحدة بعد الجولة الأخيرة التي بدأت بالتّزامن مع تشييع المرشد الرّاحل علي خامنئي، والتي بدأها الحرس الثّوري في مضيق هرمز، وكأنّه يُطلق النّار في الأساس على مذكّرة التفاهم بين واشنطن والفريق المدنيّ بقيادة الرّئيس مسعود بزشكيان ومحمّد باقر قاليباف.
اتجّهت واشنطن مباشرة نحو استطلاع موقف القيادة العسكريّة والأمنيّة للحرس الثوريّ لمعرفة الحدود الحقيقيّة لما يمكن الذهاب إليه في ملفّات الإقليم والأمن البحريّ في مضيقَيْ هرمز وباب المندب والتفاهمات الحسّاسة المتعلّقة بالسلاح والنفوذ.
إربيل: من قناة تفاوض خلفيّة إلى صندوق رسائل ناريّة
أظهرت الوساطة التي قادها نيجيرفان بارزاني، عبر الاستفادة من شبكة علاقات الإقليم المتوازنة مع واشنطن وطهران، أنّ القوى الغربيّة باتت تقرّ بحقيقة استراتيجيّة مفادها أنّ أيّ تفاهمات لا تحمل توقيع الحرس الثوريّ وموافقته المباشرة تبقى حبراً على ورق لا قيمة له في الميدان. لكنّ التطوّر المتمثّل في استهداف المقرّات والأجهزة الأمنيّة في كردستان العراق جاء ليعيد رسم حدود اللعبة التفاوضيّة. إذ ينظر الحرس الثوريّ بعين التوجّس والريبة من أيّ دور إقليميّ قد يتحوّل من ساعي بريد أو وسيط إلى بيئة خصبة للاختراق الاستخباريّ الأميركيّ أو الإسرائيليّ.
يحمل استهداف إربيل رسالة ثنائيّة الاتّجاه وفي غاية الوضوح:
1- الرسالة الأولى موجّهة إلى الداخل الإيرانيّ والدبلوماسيّين المدنيّين بضرورة عدم تجاوز خطوط الميدان أو تقديم أيّ تعهّدات دون إذن عسكريّ مسبق.
2- الرسالة الثانية موجّهة إلى الجانب الأميركيّ والإقليميّ، ومفادها أنّ اختيار إربيل كساحة خلفيّة للتواصل لن يمنحها حصانة أمنيّة إذا ما استُشعر منها أيّ تهديد لأمن الحدود الإيرانيّة أو تحرّكات تُغيّر موازين القوى.
يحمل استهداف إربيل رسالة ثنائيّة الاتّجاه وفي غاية الوضوح
هندسة السّيطرة
تحسمُ إعادة التنظيم القياديّ والاستخباريّ داخل الحرس الثوريّ بشكل قاطع الجدل التاريخيّ والتنافس التقليديّ بين مفهومَي “الميدان” و”الدبلوماسيّة”. وبينما يُترك لرئيس الجمهوريّة مسعود بزشكيان وفريقه المدنيّ الحديث عن الإصلاحات الاقتصاديّة وجذب الاستثمارات الخارجيّة والانفتاح على الغرب لرفع العقوبات، يتولّى الحرس الثوريّ رسم الخطوط البيض والحمر بكلّ الملفّات السياديّة والأمنيّة وفق ثلاث ركائز:
– إلغاء التّضارب التنفيذيّ: تهدف الترفيعات والتعيينات الأخيرة إلى منع أيّ اجتهاد سياسيّ خارج حسابات الردع الميدانيّ، واحتكار أوراق القوّة الإقليميّة في يد واحدة تعنى بالملفّ الأمنيّ حصراً.
– فرض شروط قواعد الاشتباك: يعكس التصعيد الميدانيّ رغبة الحرس في اختبار نيّات الطرف الآخر وفرض الشروط التفاوضيّة من موقع القوّة والجاهزيّة العسكريّة، بعيداً عن ضغوط الدبلوماسيّة التقليديّة وما يعتبره التنازلات المجّانيّة.
– صياغة الرّدع التفاوضيّ: تبعث القيادة العسكريّة الجديدة برسالة واضحة مفادها أنّ التفاوض تحت التهديد أو العقوبات لن يثمر تنازلات سياسيّة، بل سينتج تصعيداً في خيارات الميدان.
يرتبط تمسّك الحرس الثوريّ بملفّ المفاوضات بإدراكه العميق للطبيعة المعقّدة للمرحلة المقبلة، التي قد تشهد تشديداً للضغوط الاقتصاديّة والأمنيّة من قبل الإدارة الأميركيّة. تسعى طهران من خلال هذا التكتيك المزدوج، أي فتح القنوات السرّية بالتوازي مع ممارسة الضغط الناريّ الميدانيّ، إلى منع تفكيك أوراق قوّتها الأساسيّة، وفي مقدَّمها منظومة الصواريخ الباليستيّة وبرامج الطائرات المسيّرة وشبكة الأذرع.
المعادلة الجديدة
تتضافر التعيينات القياديّة الأخيرة للحرس الثوريّ مع تسريبات حول قناة أربيل وصولاً إلى التصعيد الميدانيّ في العراق لتثبيت واقع جديد لا مفر منه في السياسة الخارجيّة الإيرانيّة: الميدان العسكري هو من يصنع السياسات ويحدّد النطاق والحدود، بينما تقتصر مهمّة المؤسّسة الدبلوماسيّة الرسميّة ووزارة الخارجيّة على صياغة التوافقات وتحويلها إلى أطر وثائق سياسيّة وقانونيّة.
أدركت واشنطن هذه القواعد الجديدة وعبّرت عنها بقبول التواصل المباشر وغير المباشر مع القادة الأمنيّين للحرس، على الرّغم من نفي الرّئيس دونالد ترامب أيّ حوارٍ مع إيران. وبناءً عليه، لن يُكتب لأيّ مسار تفاوضيّ مُقبل في الشرق الأوسط النجاح أو الاستمرار ما لم يُبرم بشكل مباشر مع قيادة الحرس الثوريّ، باعتبارها الطرف المنسّق والمحرّك والضامن الوحيد لأيّ اتّفاق على الأرض.
