تجربةُ العراق مع غزو الكويت ليست بعيدةً في التاريخ، والأجيال التي عاصرتها لم تختفِ بعد. لكنَّها رغم ذلك ليست حاضرةً بما يكفي ونحن نتحدَّث عن الأزمة مع إيران. وسأبرز من تجربة العراق ثلاثَ نقاطٍ جديرة بالتذكر:
أولاً، أنَّ أصلَ المشكلة كان الآيديولوجية التوسعية لنظام «البعث»، واعتقاده أنَّ من حقه توجيه سياسات أمة متخيلة تضم دولاً مجاورةً. وما أدَّت إليه هذه العقيدة السياسية من تسخير ثروات البلد لصالح مشاريعَ عسكريةٍ تفوق قدراتِه، وتتجاوز ما يمكن أن تسمحَ به توازناتُ السياسة. فصار مصدرَ تهديدٍ لجيرانه، ولمصالح الدول الكبرى.
ثانياً، التعامل الدولي مع العراق لم يُنجَز بين يومٍ وليلة، نظام «البعث» استمر 12 عاماً بعد «عاصفة الصحراء». وذلك على الرغم من الظروف الدولية المهيأة لإسقاطه، مع انهيار الكتلةِ الشرقية، والتحالف الدولي غير المسبوق المشارك في الحرب، بما فيه كل الدول الإقليمية ذات الصلة المباشرة.
ثالثاً، في الفترة الممتدة من 1992 إلى 2003، عملت الولايات المتحدة بالتدريج على تقويض النظام وتجهيز البديل. من خلال الحصار الاقتصادي، ودعم القوى المحلية في كردستان والجنوب، وجمع شتات المعارضة العراقية في الخارج، تحسباً للحظة إسقاط النظام إن قررت ذلك.
أمَّا العراق فصبَّ اهتمامه على الدعاية. لم ينشغل داخلياً ببناء جبهة أقوى وأكثر اشتمالاً، بل بالحملة الإيمانيّة التي تعيد صياغة صورة صدام، و«البعث» المؤمن. وانشغل خارجياً – من خلال الأصوات المعتادة – بالترويج لصموده أمام المؤامرة العالمية، وتوجيه الغضب نحو جيرانه، والادعاء بانتصاره.
التجربة العراقية تتكرر مع إيران في بعض خطوطها العريضة.
أولاً، على مدار الأعوام الماضية، منذ اغتيال قاسم سليماني في 3 يناير (كانون الثاني) 2020، قُلِّمَت أظافر طهران الإقليمية بإيقاعات مختلفة يحددها خصومها. فقدت سوريا، وفقدت الجانب الأكبر من قدرات «حزب الله»، وتلقى حلفاؤها في العراق رسائل عسكرية متكررة، والآن انتقلت المعركة إلى الأراضي الإيرانية. شيء لم يكن يخطر على بال مراقب قبل سنوات قليلة. عنوان التشابه: خسارات كبرى لإيران، وأهداف مرحلية تحققت لخصومها. ولكن بدون ضربة قاضية.
وجه الشبه الثاني: السلوك الإعلامي. العراق ادعى أنه حلقة في سلسلة الفشل الأميركي في فيتنام والهند الصينية، وراجت الرواية. لدينا جمهور يحب هذا النوع من الروايات، ونخب بارعة في صياغتها، واتهامات جاهزة لمن يتحداها. لكن رواجها الدعائي لم يغن عن الواقع شيئاً. من ملاحظة السلوك الإعلامي لمناصري إيران، يبدو أنهم بصدد تكرار تجربة العراق لأجيال لم تعاصرها. ينثرون بذور رواية جديدة عنوانها «انتصار النظام ضد محاولات إسقاطه». والمفارقة أنَّها الرواية نفسها التي يستخدمها المتشددون في الحكومة الإسرائيلية لدفع الولايات المتحدة إلى تبني السياسة الإسرائيلية تجاه إيران بحذافيرها.
وجه الشبه الثالث أن السياسة التي أبقت على نظام «البعث» سنوات بعد «عاصفة الصحراء» كان هدفها الإبقاء على تدفقات النفط، في مقابل السماح بمرور الغذاء. ومن هنا نالت عنوانها المعروف «النفط مقابل الغذاء». يمكننا أن نرى صيغة قريبة من هذه الآن.
إسقاط النظام في إيران كان هدفاً ممكن التحقق بالنظر إلى وتيرة حصد مستويات القيادة الأهم في بداية العمليات، وحجم الاختراق الذي ظهر بوضوح. لكن السؤال الذي فرض نفسه: هل يستحق هذا الغرض ما سيدفعه العالم مقابل تحقيقه فوراً؟ من أخطاء الجدل اعتبار بقاء النظام في إيران مرادفاً لإيران 2017، في حين أن الباقي منه خيال مآتة لما كان عليه. ومن أخطاء الحساب السياسي القياس إلى ما تتمناه وليس إلى حصيلة المكاسب والأضرار.
