ملخص
أدت الحرب الأميركية – الإسرائيلية على إيران إلى تداعيات استغلتها طهران لإعادة تشكيل أوراق نفوذها التي قُوضت خلال الأعوام الثلاثة الماضية، وعملت على إعادة تغيير وتوسيع إستراتيجية الردع، لتشمل مضيق هرمز ومسارات الطاقة في المنطقة كلها، ولا سيما أنها تعي أن دول المنطقة ستبحث عن مسارات بديلة للمضيق.
تشير تصريحات أميركية ووسطاء إقليميين إلى أن المفاوضات بين إيران وسلطنة عُمان حول تنظيم الملاحة في مضيق هرمز دخلت مرحلة متقدمة جداً، وقد وافق وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي على الاتفاق مبدئياً، لكنه قال إنه ينتظر موافقة المرشد الإيراني و”المجلس الأعلى للأمن القومي”، والسؤال هنا: هل ما يؤخر إعلان بيان الطرفين هو القرار داخل الدوائر الإيرانية؟ وفى حال الموافقة على الاتفاق، فهل يسهم إذا تم في حل أزمة سياسية كبيرة لترمب، ويساعد في استئناف تدفق النفط عبر المضيق، بعد شهور من الاضطراب الاقتصادي؟ والسؤال الأهم والذي يتعلق بالمنطقة: ماذا يعني هذا الاتفاق إذا أصبح ركيزة أساسية في أية محادثات بين واشنطن وإيران؟ وكيف سيؤثر في علاقة إيران مع دول المنطقة؟
بدأت المحادثات بين إيران وسلطنة عُمان منذ أسابيع، في ظل تصعيد عسكري أدى إلى تعطل حركة الملاحة في مضيق هرمز، بعد فشل تنفيذ مذكرة التفاهم بين إيران وواشنطن التي جرى توقيعها في يونيو (حزيران) الماضي، ومن المقرر أن تنتهي صلاحيتها منتصف أغسطس (آب) الجاري، وينص الاتفاق المقترح على ترتيب موقت مدة 60 يوماً بين إيران وعُمان، قابل للتمديد، لتمر جميع السفن الداخلة إلى الخليج عبر المسار الشمالي داخل المياه الإيرانية، وتمر جميع السفن الخارجة نحو بحر العرب عبر المسار الجنوبي داخل المياه العُمانية بالتنسيق مع طهران، ولن يجري فرض أية رسوم خلال الـ 60 يوماً، وسيعمل الطرفان خلال 30 يوماً على إزالة الألغام البحرية من المسار الأوسط للمضيق، وبعد تطهيره سيُستخدم لحركة الدخول والخروج، ضمن ترتيب دائم يجري التفاوض عليه لاحقاً، وكذلك يتضمن المقترح إنشاء “صندوق طوعي” تموله بعض الدول الأوروبية الأعضاء في “المنظمة الدولية البحرية”، لتغطية كُلف الملاحة وحماية البيئة وعمليات الإنقاذ.
ومن المعروف أن عملية صنع القرار الإيراني تمر عبر مستويات عدة، أهمها “الحرس الثوري” و”المجلس الأعلى للأمن القومي”، ويعد هذا الشكل المؤسسي متعدد المستويات لعملية صنع القرار، جزءاً من الآلية الإيرانية في كسب الوقت والمماطلة، أي أن القرار الذي تؤكد التصريحات التوصل إليه، قد يكون السبب في تأجيل إعلانه ليس انتظار موافقة المؤسستين، بل نوعاً من كسب الوقت للتوصل إلى حلّ في شأن ملفات أخرى، يجري الحوار والتفاوض حولها، لكن بصورة غير معلنة، وهي الأرصدة الإيرانية المجمدة التي حدث خلاف حولها هي الأخرى، عند تنفيذ مذكرة إسلام آباد في البداية، إضافة إلى مسألة العقوبات، لذا فعلى رغم أن الاتفاق بين إيران وسلطنة عُمان قد يكون مرضياً للجانب الإيراني، لكن طهران تماطل بحجة موافقة المرشد، والواقع هو رغبتها في الحصول على ضمانات بالمكاسب المادية الأخرى، قبل إتاحة الملاحة في المضيق.
رسائل الأزمة والحل في مضيق هرمز
لا تكمن أزمة مضيق هرمز في كونه أثر في الاقتصاد العالمي، ومن ثم فإن فتحه يعني حل أزمة الطاقة، والتصعيد بين واشنطن وإيران، أو تهديدات إيران لأمن الطاقة وأمن جيرانها، من دول المنطقة، ولأن الشيطان يكمن في التفاصيل، فيمكن الوقوف على بعض التفاصيل التي ستؤثر في تشكيل المنطقة عموماً، وإعادة التوترات بين إيران وواشنطن مرة أخرى خلال الـ 60 يوماً المقبلة، ومنها:
أولاً: قال نائب وزير الخارجية الإيراني غريب كاظم آبادي إنه في ظروف الحرب ستفرض إيران سيادتها على مضيق هرمز، لكن في ظروف السلام ستكون الملاحة للجميع، وهو ما يعني أنه حتى لو جرى الاتفاق على إدارة وتنظيم المرور داخله، فستظل إيران تحتفظ بالقدرة على السيطرة والتحكم به، بما يضمن لها تعطيل الملاحة مرة أخرى، وإعادة أزمة الطاقة والاقتصاد العالمي، في ظل غياب ضمانات تمنع تعطيل إيران الملاحة، وفي ظل رؤية إيران أن ورقة هرمز أهم مكاسبها من الحرب الإسرائيلية – الأميركية عليها، فإنها تريد تثبيت تلك المكاسب عبر انتزاع اعتراف دولي وإقليمي بسيطرتها عليه، لتحقيق عوائد اقتصادية ومكاسب سياسية، عبر تنفيذ رؤيتها لأمن الخليج، وممارسة دور أكبر على شواطئه مرة أخرى، كما كان في زمن الشاة، ولكن بنسخة الولي الفقيه، لمنحها سيطرة أكبر على حركة الملاحة داخل المضيق ، وهي سيطرة لم تكن تمتلكها قبل الحرب.
ثانياً: تغيير إستراتيجية الردع الإيرانية لتتضمن مضيق هرمز، فبينما أسس النظام الإيراني إستراتيجيته العسكرية على مبدأ الدفاع المتقدم، المعتمد على شبكة الوكلاء الإقليميين، والقدرات العسكرية غير التقليدية، مثل المسيّرات والصواريخ الباليستية، فقد بات المضيق أهم أدواته للردع ودرء التهديدات، وورقة ضغط على خصومه.
ثالثاً: اتسعت إستراتيجية الردع الإيراني لتتضمن أمن مسارات الطاقة في المنطقة كلها، فعبر إشعال بؤر صراع ومواجهات عدة في وقت واحد، تسعى إيران إلى إرسال رسائل مفادها أن كل مسارات الطاقة في المنطقة، سواء القريبة من الخليج العربي ومضيق هرمز أو باب المندب والبحر الأحمر، أو حتى المسارات القريبة من البحر المتوسط، والتي تنقل الطاقة لأوروبا كلها، أصبحت في دائرة استهداف منظومة الصواريخ والمسيّرات التي تمتلكها طهران وشبكة وكلائها الإقليميين.
رابعاً: الاعتراف بإيران كقوة إقليمية مؤثرة، لا في محيطها الإقليمي فقط، بل وفي التحكم بمسارات أمن الطاقة عالمياً، وهو ما يتماشى مع إعادة تموضعها في ما تراه النظام الدولي الجديد، لتقديم ما يعزز مكانتها في العلاقات مع الصين وروسيا، كمتحكم في مسارات الطاقة وسلاسل الإمداد، ومن ثم إحداث صدمة في سوق الطاقة العالمية، عند أية توترات.
خامساً: عملت إيران على تنحية الملف النووي من أجندة المفاوضات الحالية، وهو ما قد يكون مفيداً للرئيس الأميركي دونالد ترمب في تأجيل مناقشته الآن لوجود كثير من العثرات، لذا فقد يكون استمرار أزمة المضيق مفيداً لترمب، في ترحيل المفاوضات النووية للرئيس المقبل بعده.
وإجمالاً، أدت الحرب الأميركية – الإسرائيلية على إيران إلى تداعيات استغلتها طهران لإعادة تشكيل أوراق نفوذها التي قُوضت خلال الأعوام الثلاثة الماضية، وعملت على إعادة تغيير وتوسيع إستراتيجية الردع، لتشمل مضيق هرمز ومسارات الطاقة في المنطقة كلها، ولا سيما أنها تعي أن دول المنطقة ستبحث عن مسارات بديلة لمضيق هرمز، ولذا فستواصل الاستثمار في توسيع قدرات حلفائها الصاروخية، لتظل مصدر تهديد لمسارات الطاقة في الشرق الأوسط بعامة وليس الخليج العربي فقط، إضافة إلى استهداف الكابلات البحرية في هرمز والبحر المتوسط.
وعلى رغم أن الجميع ينتظر إعلان الاتفاق الإيراني – العُماني كمرحلة تبدأ معها مفاوضات أميركية – إيرانية، ولا تعني نجاحها هي الأخرى، لكن لا يمكن الجزم بأن خطر الحرب انتهى، لأن المنطقة لا تزال في حال من عدم اليقين.
