خليل حسين محرر بموقع السفينة
ليس استدعاء اسم أحمد سعيد حنينًا إلى زمنٍ إذاعيٍ مضى، بقدر ما هو محاولة لكشف آليات صناعة الوعي حين تتحول وسائل الإعلام إلى أبواقٍ للسلطة، تُعيد تشكيل الحقيقة بما يخدم بقاءها، لا بما يعكس واقع الناس.
في هذا الإطار، يبدو المشهد الكردي في مناطق الإدارة الذاتية مثالًا صارخًا على هيمنة الخطاب الواحد، بعد أكثر من عقدٍ من السيطرة التي فرضتها منظومة سياسية تدور في فلك حزب الاتحاد الديمقراطي (PYD)، كذراعٍ محلية لهيمنة حزب العمال الكردستاني (PKK). هذه السيطرة لم تقتصر على المجال الأمني أو الإداري، بل امتدت لتطويق المجال العام، ومصادرة التعددية السياسية والإعلامية، وتحويلها إلى واجهات شكلية لا أكثر.
على مدى سنوات، جرى تسويق هذه التجربة بوصفها “نموذجًا ديمقراطيًا” يُحتذى، بينما الواقع يشير إلى بنية مغلقة تُدار بعقلية أيديولوجية صارمة، لا تسمح بالاختلاف، ولا تتسامح مع النقد. الإنجازات التي رُوّج لها بكثافة، لم تكن سوى خطابٍ تضخيمي، منفصلٍ عن واقعٍ يرزح تحت أزمات معيشية خانقة، وتراجع في الحريات، وغيابٍ شبه كامل للمساءلة.
ومن أكثر الملفات قتامة، ما يتعلق بشبكة الأنفاق التي تحولت، في نظر كثيرين، إلى شاهدٍ على استنزاف طاقات الشباب الكردي، حيث أُجبروا على الانخراط في مشاريع عسكرية غامضة، دفعت ثمنها عائلاتٌ فقدت أبناءها في صمت، وسط غياب أي شفافية أو محاسبة. لم تعد هذه الأنفاق مجرد منشآت عسكرية، بل تحولت إلى رمزٍ لسياسات تُدار بعيدًا عن مصالح المجتمع، وبكلفة بشرية باهظة.
في موازاة ذلك، تفشّى الفساد في مفاصل الإدارة، ولم يعد سرًا يهمس به الناس، بل واقعًا يوميًا يلمسه المواطن في تفاصيل حياته. من المحسوبيات إلى سوء إدارة الموارد، تتراكم المؤشرات على خللٍ بنيوي، تغطي عليه آلة إعلامية لا تتوقف عن التلميع والتبرير.
أما الإعلام، الذي يُفترض أن يكون سلطة رقابية، فقد تحوّل إلى شريكٍ في صناعة الوهم. قنوات ومنصات مرتبطة بالإدارة، إلى جانب إعلاميين اختاروا الاصطفاف، كرّسوا خطابًا يقوم على التهويل، وتزييف الوقائع، وتخوين كل صوتٍ مخالف. لم يعد الهدف نقل الحقيقة، بل إعادة إنتاج رواية رسمية، تُخاطب جمهورًا مُثقلًا بالفقر والقلق، وتُحاول إخضاعه عبر التكرار والتضليل.
إن ما يجري ليس مجرد خللٍ إعلامي، بل انعكاسٌ لمنظومة حكمٍ ترى في السيطرة على الوعي شرطًا للبقاء. ومع ذلك، فإن استمرار هذا النهج لا يعني ديمومته، فالمجتمعات، مهما طال تهميشها، قادرة على كسر الرواية المفروضة، واستعادة صوتها.
المطلوب اليوم ليس فقط فضح هذا الواقع، بل الدفع نحو إعادة الاعتبار للإعلام الحر، كمساحةٍ للحقيقة لا للدعاية، وللتعددية لا للإقصاء. فبدون إعلام مستقل، تبقى كل “الإنجازات” مجرد سرديات، سرعان ما تنهار أمام أول اختبارٍ للواقع.