حارم صاغية. كاتب لبناني. المصدر صفحة الكاتب
“الانتقائيّة” تعبير مرذول في الأنظمة المعتقديّة الصارمة والمغلقة، أكانت علمانيّة أو دينيّة. فالانتقائيّ هو الذي يهرطق ويبثّ دماً ملوّثاً في جسم نقيّ، أو لا يلتزم بالنظريّة القويمة المتماسكة من ألفها إلى يائها، وبالتالي لا يتقيّد بما تُمليه سلوكاً وممارسةً. وهو، في الحالات جميعاً، فكّرَ واستنتج ولم يستقرّ على نصّ أصليّ أو إجماع محدّد يرسمان الطريق للسائرين، كما لم تستغرقه المناقشات الفقهيّة لما قصده الآباء المؤسّسون وتأويله. ولهذا فهو قد يبدو خطِراً، وقد يهدّد، بسبب استيراد عَدواه، تماسك الجماعة حول الرأي القويم. لكنّه أيضاً ينطوي على احتمال الخيانة حتّى لو كان حسن النيّة. ذاك أنّ ما قد يقوله أو يفعله يُدخل إلى الجماعة حصان طروادة ومَن ينوون فتح أبواب المدينة.
ويتغذّى رفض الانتقائيّة على مناهج فكريّة موصوفة بشدّة التماسك. فهناك حركة تاريخ ووجهة تصعد بأصحابها كما لو أنّهم في مصعد كهربائيّ ضخم. ولهذا فالتفكير في طرق ودروب التفافيّة، وفي صُدف غير محسوبة، فعل لا جدوى منه، وهو يُغرق مرتكبيه في وقائع جزئيّة متناثرة بدل الانكباب على بناء كُلٍّ مترابط. والأفكار، بالتالي، ليست مجموعة آراء تتجاور وتتعايش وتتناقض، بل علاقة بين مفاهيم، وموقع في حركة الفكر والتاريخ.
وهنا يُفترض عدم الإنصات إلى الخبرة الحسّيّة والملاحظة التجريبيّة والأدلّة، وكذلك عدم الاكتراث بما يقوله العقل حين يتناقض مع ما تقوله “القضيّة” التي تحتكر الصواب. لكنْ أيضاً ينبغي تخدير الضمير حيال عمل فظّ، أو إخضاعه لـ”الضرورة” التاريخيّة أو الدينيّة أو المعتقديّة، ما دام أن مرتكب ذاك العمل من جماعتنا. ولسوف يكون من غير المقبول، والحال هذه، أن تتعدّد تفسيرات الحدث الواحد، وأن يُستعان، اتّعاظاً بالتجارب، بنظريّات مختلفة وغير متجانسة بالضرورة، والتخلّي عمّا تبيّن الحياة عدم صلاحه من تلك النظريّات.
وما دامت الحياة لا تتقدّم إلاّ بالصراع، وما دامت تتقدّم بالصراع فعلاً، وفق ما يقوله الصراعيّون، تغدو الفكرة عملاً حربيّاً، يقيم صاحبه في الخندق أو تحت القصف، في حرب ساخنة أو باردة، لكنّها دائماً حرب. وفي منعطفات حاسمة وكبرى كهذه لا تتّسع الحياة لترف الاختيار الذاتيّ. فمن يكون مثلاً مؤيّداً للحقّ الفلسطينيّ عليه أن يؤيّد “طوفان الأقصى”، ومن يكون مؤيّداً لسلام ترعاه الولايات المتّحدة عليه أن يؤيّد حروب نتانياهو بأيّة طريقة خيضت. وبالمنطق نفسه، فإنّ من انحاز إلى المعسكر الديمقراطيّ كان عليه أن يبارك انقلاب زاهدي على مصدّق والقصف الأميركيّ لكمبوديا والإعجاب بنصّابين ومهووسين وعنصريّين كترامب وبولسونارو ولوبين، فيما المنحاز إلى المعسكر الاشتراكيّ السابق، أو “المعسكر” الإسلاميّ الحاليّ، عليه أن يحتفي بسحق الجيش الأحمر للهنغار والتشيك، ويمجّد رقّة ستالين والخميني وسلالة كيم، ويُعجَب بمناهضة “اليسار” الحوثيّ للإمبرياليّة، مع الانتظار بفارغ الصبر لقيامة الخامنئي الابن، وطبعاً دون نسيان الإقرار بأهميّة “فكر أنطون سعادة”!
