الهزيمة أنواع. وكلها فاقدة نَسَبِ الأبوَّة، وأسوأها في السياسة.
كانَ الرئيس الأميركي دونالد ترمب أولَ من أعلن استقالة ستارمر، على موقعه الإلكتروني، بيوم كامل. الأمر الذي أثار الدَّهشة. وفي اليوم التالي، كانت نشرات الأخبار في القنوات البريطانية تتنقل بين حدثين. الأول: انتظار إعلان خروج ستارمر وقراءة بيان الاستقالة. والثاني: تنكّب عبئه رجال ونساء الأرصاد الجوية، يحذّرون النَّاسَ من شدَّة حرارة الطقس. السخونة في السياسة والطقس في آنٍ واحد مصادفة لم يُخطئها المعلقون، ولم يجدوا في أنفسهم مقاومةً لإغرائها.
بمغادرة السير ستارمر المسرح، تكون بريطانيا في انتظار تولي سابع رئيس حكومة في عشرة أعوام، وخامس رئيس حكومة يتولَّى المنصب من دون انتخابات. وصف ستارمر المنصب بأنَّه الأرفع في الحكومة، في حين وصفه بوريس جونسون من قبله بأنَّه أفضل وظيفة في العالم. غير أنَّ هذا الاختلاف البسيط في التوصيف يبدو هيّناً أمام التشابه المدهش في المصير؛ إذ إنَّ مشهد ستارمر صباح الاثنين وهو يعلن استقالته ويغادر المسرح، كان صورةً طبق الأصل من مشهد جونسون يوم استقالته. كلاهما أُخرج من 10 داوننغ ستريت على نحو متشابه، مدفوعاً من وزراء حكومته ونواب حزبه. ومع ذلك، يحرص أغلبنا على ترديد مقولة: «التاريخ لا يعيد نفسه!»، فماذا نسمي ما رأيناه يحدث أمام أعيننا في فترة قصيرة من الأعوام؟
مسار الأحداث المقبلة تحدّد على نحو واضح بعد يوم الاثنين الماضي. أوكلت للجنة التنفيذية للحزب مهمة الإشراف على تنصيب زعيم للحزب ورئيس للحكومة قبل بدء الدورة البرلمانية المقبلة. وستفتح اللجنة بدورها الباب أمام المترشحين للمنافسة، الاختيار النهائي سيكون لأصوات أعضاء الحزب في الانتخابات. وتبدأ اللجنة في قبول طلبات الترشح يوم 9 يوليو (تموز) المقبل.
من جهة أخرى، قد يتخذ المسار منحىً مختلفاً، باتفاق النواب والمترشحين على مرشح واحد ليكون زعيماً للحزب ورئيساً للحكومة، تفادياً لإشعال حرب لا لزوم لها.
نهاية السير ستارمر تقرَّرت فعلياً على يد الناخبين في انتخابات المجالس البلدية في شهر مايو (أيار) الماضي، إذ ذاق العماليون على أيديهم مرارة هزيمة تاريخية لم يشهدها الحزب من قبل. تلك الهزيمة بعثت برسالة شديدة اللهجة إلى مسؤولي الحزب ونوابه في البرلمان، مفادها أنَّ الحاجة تدعو عاجلاً إلى تغيير الزعامة.
في دائرة «ميكرفيلد» الانتخابية، شمال غربي إنجلترا، يوم الخميس 18 يونيو الحالي كان نجاح مرشح الحزب أندي بيرنهام الباهر في ظروف انتخابية صعبة رسالةً موجهة إلى السير ستارمر شخصيًا بدنوّ نهاية زعامته. دخل بيرنهام الانتخابات لا ليكون نائباً آخر يُضاف إلى قوائم نواب الحزب في البرلمان، بل ليكون زعيماً للحزب ورئيساً للحكومة. وفي اليوم التالي لظهور النتائج، بدأت مراسم تتويجه إعلامياً على مرأى ومسمع من السير ستارمر وفريقه في داوننغ ستريت.
من المرجح في رأيي أنَّ الحزب سيسعى إلى تفادي المنافسة باختيار التسوية، حيث ستُبذل فيها عروض مغرية للمنافسين ليتخلوا عن الترشح ويُعلنوا دعمهم لأندي بيرنهام.
تجربة حزب «المحافظين» في السنوات الأخيرة من حكمه أثبتت فشل سياسة تغيير الزعماء. والعماليون على اختلافهم يعرفون ذلك، لكنَّهم اختاروا طريقاً ثبت أنَّه لا يقود إلى مخرج من الأزمات التي تعصف بالبلاد منذ عام 2016 الذي يؤرخ لاستفتاء الخروج من الاتحاد الأوروبي.
