في نهاية خمسينات القرن الماضي لم يكن تبلور في لبنان مسرحٌ لبناني ذو تجارب مغايرة أو ذو تراكم يكرسه، كانت بدايات مسرحية تخلو من الكاتب، وتكاد تخلو من المخرج وحتى من الممثل، وكان المجال الأوسع لمسرحيات إذاعية يؤلفها أو يترجمها الأدباء والكتاب والشعراء، والأغنية اللبنانية لم تكن في تلك المرحلة ذات خصوصية، أو ذات حضور. ربما الشعر في لبنان كان وحده يتقدم، سواء الفصيح منه والمكتوب، أو العامي أو المحكي، هذه الحركة الشعرية المزدوجة كانت تتجاوز وتتطور على تأسيس إرث طويل جمع شعراء كبارا كالأخطل الصغير وأمين نخلة وسعيد عقل وصلاح لبكي وإلياس أبي شبكة، لكن هذه المرحلة كانت تنبئ من ضمن الظروف الاجتماعية والسياسية والاقتصادية بنهضة ثقافية شاملة.
وفي هذا المناخ بدأ الرحبانيان عاصي ومنصور عملهما في المسرح وفي الأغنية وفي الشعر. دخلا إلى مجالات تكاد تكون شاغرة، خصوصا في المسرح، ولهذا كان عليهما أن يبحثا عن شكل يستوعب تدفقهما الموسيقي والشعري، خارج إطار الأغنية، وقد جاءت مهرجانات بعلبك فرصة ذهبية لبداية تحقيق هذه التجارب، لكن كيف يبدآن، ومن أين وإلى أين؟ وتاليا ماذا يحققان: إنجازات موسيقية غنائية، أم إنجازات شعرية، أم إنجازات مسرحية؟ والسؤال يتكثف عندما نعرف أنهما حاولا تحقيق كل هذه الأمور مجتمعة في إطار المسرح، لكن هذا أوجد نوعا من الصراع الذي لم يحسم بين الرحبانيين كشاعرين يريدان أن يسهِما في حركة التجديد خصوصا في مستوى الأغنية، والرحبانيين كموسيقيين يريدان أن يحققا ثورة في مستوى الموسيقى العربية، والرحبانيين كمسرحيين يريدان أن يؤسسا لشكل مسرحي يكون قادرا على احتواء هذه التطلعات. وإذا عرفنا أن الفولكلور الشعبي جزء من هذه اللعبة، نعرف أنه داخل أيضا ضمن هذا الصراع؛ ليجعل النتاج الرحباني المسرحي يتأرجح بين السعي إلى العرض المسرحي والاسترسال في ما هو استعراضي في مستويات الديكور والملابس والرقص بشقيه الفولكلوري وغير الفولكلوري.
على امتداد ربع قرن (أول عمل لهما “أيام الحصاد” 1957 وآخر عمل مشترك وقع باسمهما “الربيع السابع” 1983) قدم الرحبانيان نحو خمس وعشرين مسرحية، أي مسرحية كل سنة تقريبا. هذه الكثافة جعلتهما من ناحية يجدان في البحث عن صيغتهما، لكنها من ناحية أخرى راكمت تجارب متشابهة، خصوصا في البدايات، مما حال أحيانا كثيرة دون إيجاد مسافة لإجراء مراجعة تطويرية.
لكن من الصعب الكلام على مراحل حاسمة تشكل كسرا فيما بينها، أو ثورة على بعضها. يمكن الكلام على تهيؤات أو على محطات تأسيس، ويمكن اعتبارها منطلقات بحث أخرى ضمن اقتراب أكثر فأكثر من التناقضات السياسية والاجتماعية، وامتدادا للتاريخية التي كانت تميز الواقع اللبناني بعد مرحلة الاستقلال.
لكن إذا كان من الصعب الكلام على مراحل فاصلة في بنية العمل الرحباني، فيمكننا- ربما اصطلاحا- مقاربة مرحلة أولى متكاملة الأجزاء والهواجس، وهي الممتدة من “أيام الحصاد” إلى “دواليب الهوا” في 1965. مرحلة عشر سنوات تقريبا حاول فيها الرحبانيان تأسيس ثورتهما الموسيقية أولا، والشعرية (على صعيد الأغنية) ثانيا، عبر ما يمكن أن نسميه جماليات المكان. هذه الفترة تشمل: “أيام الحصاد” (1957)، “موسم العز” (1960)، “البعلبكية” (1961)، “جسر القمر” (1962)، و”دواليب الهوا” (1965).
هذه المرحلة تشكلت فيها محاولة الاقتراب من المكان، وهو القرية اللبنانية، اقترابا مسرحيا؛ بل ويمكن القول حاول فيها الرحبانيان التأسيس لمسرحة هذا المكان، مسرحة فولكلوره وحكاياته والغرف من معجمه، وكأنه كتلة واحدة متموجة. إنه المكان السعيد بحصاده، وشوكه ووعره، وبنفسجه وعليقه، وجباله وقمره، وغيومه وثماره وزهوره، وحكاياته وناسه الذين يشبهون مكانهم، مرحلة رومانسية وحنين وإحياء للمكان الذي بدا مهددا بالتطور والعلاقات الاقتصادية والاجتماعية الجديدة الوافدة.
كان الرحبانيان في هذه المرحلة يحاولان اختراق أشكال جديدة في الكلمة الشعرية المغناة، تترافق هذه الإنجازات في إطار مسرح غنائي تنصهر فيه الجماليات الشعرية والموسيقية والفولكلورية وغير الفولكلورية. هذه العناصر، أي الأغنية التي تأتي من خارج النص، والموسيقى القائمة بذاتها، و”الاسكتش” المجاني، والرقصة التي لا تندمج بالمناخ الدرامي، والملابس التي تخدم الاستعراضية بأناقتها وطرافتها وجماليتها إضافة بالطبع إلى ما تمثل من لون محلي فولكلوري، جعلت المناخ الشعري الموسيقي الجمالي والإيقاع الراقص والملون تنتصر في مجموعة هذه الأعمال.
بمعنى آخر، إن الإنجاز الموسيقي الفذ الذي قدمه الرحبانيان والتمثل بالأغنية معا لم يكن دائما أو غالبا إنجازا موسيقيا دراميا، فالأغنية على روعتها، وبالأصوات المهمة التي قدمتها (فيروز، وصباح، ووديع الصافي، ونصري شمس الدين، وجوزيف عازار) كانت كأنها تسعى إلى نفسها كبنية مستقلة أحيانا، أي كجسم يلمع وحده وسط التنويعات المقدمة. كانت أغنية جديدة ساطعة لكن ليس داخل السياق دائما، تؤدى وتسمع خارجا لنفسها كجوهرة ثمينة خارج العقد. ولعل التحدي الذي واجهه الرحبانيان في تلك المرحلة كان تحديا موسيقيا بالدرجة الأولى، ثم كان تحديا شعريا، فاللحن الرحباني قد يكون دراميا في هذه الأغنية أو تلك، لكن ليس من الضروري أن تكون هذه الدرامية ضمن السياق الخاص الذي تخضع له المسرحية، وهكذا بالنسبة إلى الشعر، سواء جاء في حوارية أو في قصيدة مغناة، يأتي أحيانا أيضا من خارج المناخ المطلوب، وهذا يتم في مستويات عدة.
