ملخص
التغير المناخي يتصرف كحال طوارئ وبائية لا كمرض مزمن، لكن السياسات العالمية لا تزال تتعامل معه بإيقاع بطيء. ومع تسارع موجات الحر والفيضانات وتجاوزها توقعات النماذج، تدعو الكاتبة إلى تمويل ومراجعة الأهداف المناخية وفق مؤشرات آنية، والاستجابة بسرعة لحجم الخطر المتصاعد.
قبل صيفين، تسببت موجة الحر بلجوء أعداد قياسية من الناس إلى أقسام الحوادث والطوارئ في إنجلترا. واضطرت المستشفيات إلى تفعيل بروتوكولات الطوارئ التي تستخدمها عادة خلال موسم الإنفلونزا الشتوي. ومع ذلك، لم يعلن أحد حال طوارئ صحية، بل أطلقنا عليه ببساطة وصف “أسبوع حار”
تلقيت تدريبي في علم وبائيات الأمراض المعدية قبل الانتقال إلى سياسات المناخ والصحة. وأكثر ما يثير قلقي اليوم ليست لحظة دراماتيكية واحدة، بل نمطاً متكرراً لا أنفك أراه في الوثائق الرسمية. ففي قمة “كوب 26” عام 2021، تمثل الإنجاز الأبرز حينها في الإجماع شبه العالمي على تحقيق صافي انبعاثات صفري، إذ تعهد معظم الدول ببلوغ هذا الهدف بحلول عام 2050، في حين أرجأت دول أخرى كالهند هذا الموعد إلى عام 2070. غير أن “متتبع صافي الصفر” Net Zero Tracker التابع لـ”جامعة أكسفورد” يُظهر أن جزءاً ضئيلاً من تلك التعهدات يمثل التزامات جادة وذات مغزى ومدعومة بخطط واضحة، إذ لا تغطي الخطط الصارمة سوى 18 في المئة من الانبعاثات العالمية و27 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي العالمي. أما البقية، فلم تكن سوى وعود مؤجلة إلى نحو عقد من الآن، أي إلى ما بعد تعاقب ثلاث حكومات.
وأتذكر جلسة عامة حضرتها خلال قمة “كوب 26″، حين كنت أراقب مجموعة من وزراء المالية يناقشون صياغة آلية للمراجعة كل خمسة أعوام، ويعدلون عبارة واحدة طوال 40 دقيقة تقريباً. وفي الخارج، كان مندوبو دول تعاني بالفعل فيضانات عارمة يصطفون للحصول على القهوة، بعدما أدلوا بكل ما لديهم خلال الدقيقتين المخصصتين لهم في اليوم السابق. لم يكن أحد في تلك القاعة مهملاً أو قاسياً، بل كانوا يفعلون ما تمليه عليهم آلية العمل تماماً: تنقيح الوثيقة، وحماية الصياغة، والدفاع عن الجدول الزمني. بيد أن الصياغة التي يحرصون على حمايتها تفترض أن أمامنا حتى عام 2050 لتصويب المسار، في حين لم يبدُ أن لدى المصطفين في الخارج متسعاً حتى الربيع المقبل.
هذه إحدى الحقائق التي تستقيها من علم الأوبئة، والتي يبدو أن الدبلوماسية المناخية لم تستوعبها بعد. فالتعامل مع أي تهديد صحي يمكن أن يسلك نهجين مختلفين تماماً، واختيار أحدهما بدل الآخر يغير كل شيء. عند تفشي وباء، يُفرج عن تمويلات الطوارئ خلال أيام، ويبدأ رصد أعداد الحالات ساعة بساعة، وتتحرك الجهات المعنية حتى قبل أن يحسم العلم الأمر تماماً، وذلك انطلاقاً من افتراض بأن أي تباطؤ سيحصد الأرواح فوراً. أما المرض المزمن، فيخضع للمراجعة كل خمسة أعوام، مع أهداف تدرجية، وإدارة تراجعه على مدى عقود، نظراً إلى أن الضرر يتراكم ببطء بما يكفي لجعل الأدوات البطيئة تبدو ملائمة له.
وتُدار سياسات المناخ بالكامل تقريباً وفق آليات التعامل مع الأمراض المزمنة، فحتى عند الأخذ في الاعتبار الأهداف القصيرة الأجل التي حددتها الدول لعام 2030 خلال مؤتمر “كوب 26″، ستظل درجات الحرارة مرشحة للارتفاع بمقدار 2.4 درجة مئوية. أما إذا استندنا إلى السياسات القائمة فعلياً بدلاً من الوعود، فإن هذا الرقم يرتفع ليصل إلى 2.7 درجة مئوية. وقد أصرت الدول النامية على ضرورة تقديم تقارير سنوية في شأن الخطط المناخية، وذلك تحديداً لأن المراجعة كل خمسة أعوام مدة زمنية تلائم التعامل مع الأمراض المزمنة، في حين أن الأزمة المناخية تتفاقم بوتيرة أسرع بكثير.
وفي الوقت نفسه، فالتحولات الواقعية تظهر كما لو أن هناك تفشّياً وبائياً، فنجد أنها تتجاوز العتبات أسرع مما توقعت النماذج، وتتفاقم خلال أعوام لا عقود. وتحصد موجات الحر بالفعل في بريطانيا كل عام أرواحاً أكثر مما يدرك معظم الناس. وتقطع الفيضانات بدورها إمدادات الأدوية وتتسبب في إغلاق عيادات الأطباء العامين لأسابيع في كل مرة. أما فصول الشتاء الأكثر دفئاً فتغير نطاق المناطق التي يمكن أن تنتشر فيها أمراض مثل داء “لايم” و”حمى الضنك”، بما في ذلك هنا في بريطانيا.
لا أعتقد أن المسألة تتعلق بالمال، أو حتى بالإرادة السياسية، على رغم الأهمية البالغة لكليهما. أرى أن الخلل يكمن في وضع المشكلة في الخانة الخطأ، وهو خطأ مألوف لدى كل من شاهد نظاماً صحياً يسيء تقدير طبيعة التهديد الذي يواجهه. فنحن ندير حال طوارئ بأدوات مصممة لمرض يتطور ببطء. ومع ذلك، لا يبدو أن أحداً في دوائر صنع سياسة المناخ فعلياً مستعد لأن يقول ذلك صراحة، لأن الاعتراف بذلك يعني الإقرار بأن البنية الكاملة التي تقوم عليها سياسة المناخ، من المراجعات كل خمسة أعوام، إلى أهداف منتصف القرن، وصولاً إلى التعهدات الطوعية، صُممت على نحو لا يلائم طبيعة المشكلة من الأساس، وليس الخلل فيها مجرد نقص في التمويل.
فكيف كان سيبدو المشهد لو أدرنا هذه الأزمة بعقلية التعامل مع تفش وبائي؟ أن تُصرف التمويلات بناءً على مؤشرات آنية، لا وفق دورات مراجعة خماسية. وأن تتبدل الأهداف بتبدل البيانات، لا أن تُربط بموعد بعيد تفصلنا عنه ثلاث حكومات. وأن نتعامل مع مسار يقود إلى ارتفاع الحرارة بمقدار 2.7 درجة مئوية كما يتعامل المستشفى مع ارتفاع عدد الإصابات، أي باعتباره أمراً يغير ما ينبغي فعله هذا الأسبوع، لا مسألة نعود إليها عند موعد المراجعة المقبلة.
يبقى أننا نعرف كيف نستجيب بسرعة عندما نعتقد أن خطراً ما يحدق بنا الآن. والأدلة تقول إن هذا الخطر قائم بالفعل.
عليزا أياذ سفيرة للنوايا الحسنة لدى الأمم المتحدة ومستشارة في سياسات المناخ والصحة.
