تخطي إلى المحتوى

موقع السفينة

السفينة

القائمة الرئيسية
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • الافتتاحية
  • مقالات رأي
  • أدب وفن
  • الأرشيف
  • من نحن
  • الرئيسية
  • المحرر Editor
  • الجغرافيا السورية: الأرض “بتِتْكلِّم عربي”
  • مقالات رأي

الجغرافيا السورية: الأرض “بتِتْكلِّم عربي”

المحرر Editor 3 نوفمبر، 2026
عبير نصر (3)
عبير نصر كاتبة سورية.  العربي الجديد

لطالما وقفت سورية في قلب المصالح المتشابكة ومطامح القوى المتنازعة؛ كأنّ الجغرافية أودعتها مفاتيح طرقٍ كثيرة، من دون أن تضمن لها أبواب القرار. وبين أن تكون ممرّاً تعبره إرادات الآخرين، وأن تصبح فاعلة في رسم اتجاهات العبور ومآلاته، تتكشف المسافة بين ثقل الجغرافية وقوة الدولة؛ في هذه المسافة، تحديداً، يتحدّد دورها اليوم في المشرق وتحولاته.
كتب نيكولاس سبايكمان، أحد أبرز منظّري الجغرافيا السياسية: “يأتي الوزراء ويرحلون، وحتّى الديكتاتوريون يموتون، فيما تبقى سلاسل الجبال راسخة لا تتزعزع”. لكن ثبات الأرض لا يعني بالضرورة ثبات وزنها السياسي؛ فالموقع الواحد تتبدّل دلالاته بتبدّل طرق الطاقة وموازين القوى وهواجس الأمن، وقد ينتقل من هامش النفوذ إلى عقدة مركزية في القرارات الكبرى.
من هنا، تكتسب زيارة رئيس الوزراء العراقي علي فالح الزيدي دمشق، في 28 الشهر الماضي (أكتوبر/ تشرين الأول) دلالة تتجاوز المباحثات؛ فهي الأولى من نوعها في عهد السلطة السورية الجديدة، وتفتح نافذة لإعادة وصل المصالح بين البلدين. وبحث الزيدي والرئيس أحمد الشرع أمن الحدود والتجارة وممرّات النقل، وإعادة تأهيل خط كركوك – بانياس بطاقة تصديرية تصل إلى مليوني برميل يومياً، بحسب التقديرات المطروحة، إلى جانب آفاق الربط مع ميناء الفاو العراقي وطريقه ضمن شبكات النقل الإقليمية، من دون إعلان جدول زمني أو تفاصيل للتمويل.
لا يزال المشروع احتمالاً استراتيجياً، لكنه يكشف ما تتيحه الجغرافية حين تلتقي حاجة العراق إلى منافذ بديلة بحاجة سورية إلى استعادة صلتها بالاقتصاد الإقليمي، فالممرّات لا تصنعها المسافات وحدها، بل الأمن والثقة أيضاً. وإذا استؤنف الربط النفطي بين كركوك وبانياس، لن يكون مجرّد منشأة، بل شرياناً تتشابك حوله مصالح البلدين، ويتوقف نجاحُه على ضبط الحدود وموثوقية الشراكة. عندها، تصبح سورية طرفاً فاعلاً في حماية هذا الامتداد النفطي واستثمار عوائده، لا أرضاً يمرّ عبرها فحسب. أما إذا بقي المشروع حبيس التصريحات، فستظلّ الجغرافية تعِدُ بما لا تحققه السياسة، ويبقى احتمالاً على الخريطة، لا مصلحةً حيّة تُعيد رسم ميزان العلاقات.

الجغرافية لا تمنح القوة بلا ثمن. وسّعت دائرة تأثير سورية، ودفعتها أيضاً إلى صراعات استنزفت مواردها وأثقلت علاقاتها بجيرانها

فالأرض لا تمنح نفوذاً من تلقائها لمجرّد أنّ الآخرين يحتاجون عبورها، بل حين تملك الدولة القدرة على تنظيم المرور والتفاوض على شروطه. وقد تتيح الجغرافية لسورية استعادة دورها في شبكة المشرق الاقتصادية، لكن الموقع لا يتحوّل إلى ورقة سياسية إلا بقدرة مؤسساتية على التنفيذ، واتفاقات واضحة ومصالح متبادلة.
ولم تكن هذه المعادلة غائبة عن تاريخ سورية، فاحتلال إسرائيل للجولان عام 1967، ثم حرب 1973 وما أعقبها من ترتيبات عسكرية وتفاوضية، أظهرا كيف يمكن لشريط جغرافي محدود أنْ يُثقل حسابات الحرب والسلم عقوداً. وفي لبنان، جعل تداخل الحدود والروابط السياسية والأمنية والاقتصادية سورية لاعباً رئيسياً في الحرب الأهلية منذ 1976، حتّى انسحابها العسكري عام 2005. مثّل لبنان عمقاً استراتيجياً وساحةً تتقاطع فيها مصالح عربية ودولية وإسرائيلية؛ فكان اضطرابه يرتدُّ على دمشق، كما امتد أثر قراراتها إلى بيروت.
لكن الجغرافية لا تمنح القوة بلا ثمن. وسّعت دائرة تأثير سورية، ودفعتها أيضاً إلى صراعات استنزفت مواردها وأثقلت علاقاتها بجيرانها. لم يحُل الموقع الاستراتيجي من دون خسارة الجولان، ولم يحمِ النفوذ السوري في لبنان من تبدّل الموازين، فالجغرافيا تضع الدولة في قلب الأحداث؛ تفتح لها أبواب النفوذ، وقد تجعلها أوّل من يدفع كلفة الصراع.

كشفت الغارة الأردنية على مواقع في جنوب سورية أنّ الجغرافية لا تفصل بين مخاوف الدول بقدر ما تنقل ارتداداتها من ضفةٍ إلى أخرى

ولا تقلّ الحدود الأردنية السورية دلالةً على هشاشة التوازنات؛ فقد كشفت الغارة الأردنية على مواقع في جنوب سورية، عقب الهجوم المسلح في محافظة الكرك، وما رافقها من تضارب في الروايات بشأن التنسيق بين عمّان ودمشق، أنّ الجغرافية لا تفصل بين مخاوف الدول بقدر ما تنقل ارتداداتها من ضفةٍ إلى أخرى. فحين تضطرب المناطق الحدودية، لا يبقى القلق حبيس نطاقها الجغرافي، بل يمتدّ إلى طرق التجارة وحركة العبور وتوازنات الجوار. وبين مقتضيات الأمن وحرمة السيادة، تبرز الحاجة إلى تعاون بنّاء يبدّد أسباب الارتياب ويحوّل المعابر ومحيطها من مواضع تتقاطع عندها الهواجس إلى مساحة تتجاور فيها المصالح، ويغدو الاستقرار فيها مكسباً مشتركاً لا امتيازاً لطرف دون آخر.
ويشتد هذا الدرس إلحاحاً مع استمرار التوغلات الإسرائيلية في الجنوب السوري؛ إذ لا تقتصر خطورتها على انتهاك السيادة وتقييد حركة السكان، بل تمتد إلى فرض وقائع عسكرية على الأرض، قد تتحوّل مع استمرارها إلى نطاقات سيطرةٍ راسخة. ويجعل ذلك استعادة هذه السيادة تحدياً يتجاوز حدود الإدانة إلى منع تكريس الأمر الواقع.
وفي موازاة هذه التطورات الميدانية، تبرز الانتخابات الإسرائيلية الأسبوع الماضي، وقد أفرزت مشهداً سياسياً لم يحسم وجهة تشكيل الحكومة المقبلة، وفتح الباب أمام مفاوضات ائتلافية معقدة. وتتجاوز تداعياتها الداخل الإسرائيلي؛ إذ لا تختزل دلالتها بالنسبة إلى دمشق في هوية الائتلاف المقبل، بل تمتد إلى موقعها ضمن أولوياته وحساباته؛ فإسرائيل لا تنظر إلى سورية من زاوية الحدود فقط، بل بوصفها جزءاً عضوياً من مشهد إقليمي يشهد مخاضاً عسيراً، وتتشابك فيه حسابات الأمن والنفوذ ومعادلات الهيمنة.

قد تكون سورية في قلب خرائط المصالح وعلى هامش القرار، تتزاحم القوى على أرضها فيما تُترك هي خارج المساومة على مصيرها

ولا تتوقف أبعاد المشهد الانتخابي عند تشكيل الحكومة المقبلة؛ فقد تفتح الانتخابات باباً لمراجعة السياسات أو تُعيد إنتاجها بأدوات وخطابات مختلفة. فالمعيار ليس ما قد تسفر عنه التفاهمات الائتلافية من وعود، بل ما ستكشفه الممارسات الفعلية على الأرض: هل يتراجع الوجود العسكري الإسرائيلي في الجنوب؟ وهل تتغير قواعد التعامل مع سورية، أم تستمر الوقائع في فرض نفسها، ولو تبدّلت اللغة السياسية؟ فالمواقف المعلنة قد تتلوّن، فيما تظلّ خرائط النفوذ عصيّة على التحوّل. ويبقى ما تتركه الانتخابات من فراغ لا يمكن ملؤه بالتوقعات؛ إذ لا تكشف حقيقة التحوّل إلا الخطوات التي تغيّر الواقع، لا ما يُعلن من نيات.
والسؤال نفسه، وإنْ اختلفت طبيعته، يطلّ من حيّ جوبر الدمشقي؛ حيث أثار تأخر إعادة الإعمار والخلاف حول المخططات التنظيمية احتجاجات تطالب بصون ملكيات الأهالي وكفالة عودتهم إلى منازلهم. وبينما انتشرت ادعاءات عن بيع الحيّ لإسرائيل من دون أدلة تثبتها، بقي جوهر القلق في غياب الوضوح بشأن الملكيات وشروط الاستثمار ومواعيد التنفيذ. فجوبر ليست مشروعاً عمرانياً فحسب، بل ذاكرة سكان ينتظرون استعادة حقوقهم. وبين الجنوب وجوبر، على اختلاف السياقين، تبرز مسألة واحدة: لا تُقاس السيادة بما تملكه الدولة من أرض فحسب، بل بالحيلولة دون فرض تحولات قاهرة لا يملك أهلها تقرير مساراتها.
أخيراً، لم تكن الجغرافية السورية صامتة يوماً؛ فقد نطقت بالحروب والممرات والحدود، وكتبت في تحولات محيطها فصولاً لم تُطوَ بعد. لكن صخب الأرض لا يعني أنّ الدولة تملك صوتها؛ فقد تكون سورية في قلب خرائط المصالح وعلى هامش القرار، تتزاحم القوى على أرضها فيما تُترك هي خارج المساومة على مصيرها. وليس المطلوب أن تذكّر الآخرين بأنهم لا يستطيعون تجاوزها، بل أن تحوّل موقعها الحيوي قوةً تجعل الالتفاف عليها مكلفاً، والتفاهم معها ضرورةً متبادلة. عندها فقط، لا تعود سورية أرضاً مشاعاً تتقاطع فوقها إرادات الآخرين، بل دولةً تفرض حضورها في كل مسارٍ يُراد له أن يمرّ من دونها.

عن المؤلف

المحرر Editor

Administrator

زيارة الموقع عرض كل المقالات

تصفّح المقالات

السابق: عندما تتلاطم اللغات
التالي: أولويات رمادِيّة

قصص ذات صلة

Web-2025-2026-ta3atof
  • مقالات رأي

ماذا لو لم نضع أنفسنا مكان الآخرين في معاناتهم؟ عن الحقّ بالفرح، والحق بالتعاطف، معاً

المحرر Editor 3 نوفمبر، 2026
  • مقالات رأي

حين تختطف الميليشيات راية فلسطين.. أزمة اليسار العربي

المحرر Editor 3 نوفمبر، 2026
  • مقالات رأي

فلسطين في حسابات طهران

المحرر Editor 3 نوفمبر، 2026
https://www.youtube.com/watch?v=WC7ddVEJ4Y4

أحدث المقالات

  • أولويات رمادِيّة
  • الجغرافيا السورية: الأرض “بتِتْكلِّم عربي”
  • عندما تتلاطم اللغات
  • الحمض النووي يكشف هوية مفقودين في الرقة كيف توصّل المركز السوري للعدالة والمساءلة إلى النتائج؟
  • ماذا لو لم نضع أنفسنا مكان الآخرين في معاناتهم؟ عن الحقّ بالفرح، والحق بالتعاطف، معاً

لربما فاتك

Gemini_Generated_Image_kzcnb2kzcnb2kzcn
  • أدب وفن

أولويات رمادِيّة

المحرر Editor 3 نوفمبر، 2026
عبير نصر (3)
  • مقالات رأي

الجغرافيا السورية: الأرض “بتِتْكلِّم عربي”

المحرر Editor 3 نوفمبر، 2026
  • أدب وفن

عندما تتلاطم اللغات

المحرر Editor 3 نوفمبر، 2026
Web-2025-2026-mafqoodeen
  • الأخبار

الحمض النووي يكشف هوية مفقودين في الرقة كيف توصّل المركز السوري للعدالة والمساءلة إلى النتائج؟

المحرر Editor 3 نوفمبر، 2026

AF themes

We mainly focus on quality code and elegant design with incredible support. Our WordPress themes and plugins empower you to create an elegant, professional and easy to maintain website in no time at all.

All Themes Plan
حقوق النشر والنسخ؛ جميع الحقوق محفوظة. | MoreNews بواسطة AF themes.