قبل العولمة، كانت اللغات متجاورة. في زمان العولمة، أصبحت متلاطمة. فقبل الانفتاح الكبير لشعوب العالم، بعضها على بعض، بسبب ثورة الاتصالات، كان لكل لغة مملكتها الخاصة. كانت كل لغة تحيا وترتع في حيز محدود، مهما يكن واسعا. وكانت العلاقات بينها وبين غيرها من اللغات تقوم من خلال وسطاء محدودين، قل عددهم أو كثر. ثم جاءت ثورة الاتصالات والمعلومات، فانكشفت اللغات جميعها، تداخلت في ما بينها، وأصبح لكل منها وجود في فضاءات غيرها من لغات العالم.
ربما يصح القول إن الظاهرة التي أشرنا إليها لها سابقة في الولايات المتحدة الأميركية، التي شكلت في نشوئها ونموها وتطورها اختبارا فريدا لتلاقي الشعوب وتلاطم اللغات. فالمجتمع الأميركي قام في الأساس على قدوم أو استقدام عناصر متنوعة من مختلف المجتمعات. وكان على اللغة الإنكليزية، منذ البداية، أن تكون هي اللغة الجامعة بين مختلف القادمين. ولكن، أية لغة هي الإنكليزية في أميركا؟ وأي مجال للتفاعل بين اللغات الكثيرة تمثله هذه اللغة؟ أليست اليوم نتاجا لتلاطم اللغات الموجودة في العالم أجمع؟ أشير هنا إلى أن الولايات المتحدة لا تزال قادرة على استيعاب الكثير من المهاجرين، بل ربما صح القول إنها لا تزال في حاجة إلى الكثير منهم. والدليل على ذلك أنها تستقدم في كل عام عشرات الألوف من المهاجرين، يتم اختيارهم بطريقة القرعة، من جميع أنحاء العالم. هذا فضلا عن الأعداد الكبيرة من المهاجرين الذين تتاح لهم الهجرة بشروط تمليها القوانين الأميركية.
لا أدري ما إذا كان للأحداث والحروب القائمة في أيامنا هذه تأثير على سياسة استقدام المهاجرين التي اتبعتها الولايات المتحدة على مدى عقود. ولكن يمكن القول إن الفوضى العالمية التي نشهدها في هذه الأيام من شأنها أن تبرز على سطح ما يجري ظاهرة التلاطم بين اللغات، وخصوصا في وسائل الإعلام، حيث يظهر المعلقون والمحللون متحدثين بشتى اللغات. وما يزيد من ظاهرة التلاطم هذه ترجمات ترافق أحيانا التعليقات والتحليلات، ترجمات قد تصيب وقد تتعثر، وقد تؤدي إلى فهم أو سوء فهم، معطية للحوارات بين المتحدثين أبعادا إضافية لمعنى التلاطم.
والجامعات الأميركية هي اليوم، في جانب كبير منها، مختبرات لغوية. وإذا كان الوافدون إلى أميركا مضطرين جميعا إلى تعلم الإنكليزية، فإن الكثيرين من الأميركيين أنفسهم ينخرطون أحيانا في تعلم لغات مختلفة، اضطرارا أو رغبة، وذلك تبعا لما يجري في العالم من أحداث، أو لما يطرأ من مشكلات. فالإقبال اليوم على تعلم اللغة العربية مثلا في الجامعات الأميركية إقبال ملحوظ، وقد يبدو محموما، بالنظر إلى علاقته بما تشهده المنطقة العربية من مآس وتطورات ترتبط ارتباطا وثيقا بمخططات الولايات المتحدة ومصالحها.
النموذج الأميركي الذي كان قائما قبل العولمة أصبح معمما في عصر العولمة. فالمختبر اللغوي الذي كان محصورا إلى حد بعيد بالولايات المتحدة، انفلش اليوم على العالم كله، وأسهمت في تعميمه وانفلاشه وسائل الاتصال المتطورة. وتبدو شبكة الإنترنت أشبه ما تكون بعامل جذب واستدراج لكل ما من شأنه أن يبتعد أو يشرد أو يتلاشى. تبدو هذه الشبكة بؤرة للتداخل والتلاطم يستدعى إليها كل شيء.
فاللغات التي كانت في الماضي تتجاور تجاور الأمم أو الدول، أصبحت الآن تتجاور على الشاشة، وعلى الصفحة نفسها. وفي تجاور اللغات المختلفة وتداخلها وتلاطمها، بتسهيل من وسائل الإعلام والاتصال، تأسيس لعالم جديد، بل وللغات جديدة، إن لم نقل للغة جديدة واحدة.
وبسبب من كل ما تقدم، تخوض اللغات الحية في ما بينها تحديات جمة. وكل واحدة منها تجد نفسها في صراع مع الأخريات. ومن نافل القول إن اللغة الإنكليزية، بانتشارها وهيمنتها، قد وضعت لغات العالم كلها أمام أسئلة كبرى وفي امتحانات مصيرية.
في هذا السياق، ينبغي لنا التنبه إلى الأخطار التي باتت تواجهها اللغة العربية، وينبغي لنا الاضطلاع بواجباتنا في المحافظة على لغتنا، والنهوض بها، والعمل على تطويرها. ففي لعبة التحالف أو التنابذ بين سياسات من هنا وسياسات من هناك، يسعى كل شعب للحفاظ على نفسه، وعلى ما أمكنه من خصوصيات ثقافية. وفي طليعة هذه الخصوصيات الشخصية اللغوية، التي هي اليوم من أهم مقومات الهوية. إن هذا التحدي هو من أبرز التحديات التي تواجهها اليوم دول العالم كله، وبالأخص دول العالم الثالث.
لماذا نترك لغتنا العربية تضعف وتضعف في الاستعمال؟ لماذا نتركها تضعف حتى في مؤسسات التعليم وفي مؤسسات الإعلام حيث ينبغي أن تكون في أعلى مستوياتها؟ لماذا نترك لبعض الأجانب والعرب في جامعات غربية وظيفة البحث عن وسائل جديدة لتعليم اللغة العربية، ولا نقوم بذلك في بلداننا؟ أليست الحاجة ماسة إلى ثورة في مناهجنا وبرامجنا التعليمية؟
في هذه الأسئلة إشارات إلى مهمة جليلة ينبغي أن نتجند جميعا للقيام بها،
إذا أردنا أن يكون لنا مكان في عالم جديد، تتفاعل فيه الشعوب، وتتلاطم اللغات.
