شنّت الولايات المتحدة وإسرائيل، يوم 28 شباط/فبراير 2026، هجومًا منسّقًا وواسع النطاق على إيران. وخلال الصراع الذي أعقب ذلك، نفّذت إيران مئات الضربات بالطائرات المسيّرة والصواريخ ضدّ مقرّات ومعسكرات الفصائل العسكرية الكردية الإيرانية المعارضة المتواجدة في المنفى في إقليم كردستان العراق، ما أسفر عن مقتل ما لا يقلّ عن عشرة من عناصرها. وفي 17 حزيران/يونيو، وقّع الرئيسان الأميركي والإيراني مذكرة تفاهم لإنهاء النزاع.
خلال المراحل الأولى من الحرب، أفادت تقارير إعلامية بإٍقدام إسرائيل والولايات المتحدة على تشجيع الفصائل الكردية الإيرانية المتمركزة في العراق على شنّ هجوم واسع النطاق عبر الحدود، دعمًا لخطة أميركية إسرائيلية تهدف إلى إسقاط النظام في طهران. لكن هذه الخطة أُجهضت لاحقًا، ويُعزى ذلك جزئيًا إلى معارضة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان لها.
مع ذلك، كثّفت طهران مراقبتها للأكراد الإيرانيين المعارضين. وأفادت وسائل إعلام إيرانية رسمية بأن السلطات القضائية في البلاد قدّمت طلبات رسمية إلى منظمة الشرطة الجنائية الدولية (الإنتربول) لإصدار نشرات حمراء ومذكرات توقيف دولية بحق عددٍ من قادة الأحزاب والجماعات الكردية الإيرانية المعارضة المتواجدة في إقليم كردستان العراق، وطلبت من العراق وعددٍ من الدول الأوروبية اعتقالهم وتسليمهم إليها. وتضمّ القائمة قادة معظم الفصائل الكردية الإيرانية السبعة المنضوية ضمن تحالف القوى السياسية المعارضة الذي تشكّل في شباط/فبراير، بمن فيهم قادة حزب الحياة الحرة الكردستاني، والحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني، وحزب الحرية الكردستاني، وحزب كومله. وفي تطوّر قد يكون ذا صلة بذلك، تعرّض عضو حزب الحرية الكردستاني، سوران محمد زادة، إلى عملية اغتيالٍ في أربيل يوم 2 تموز/يوليو الجاري.
كذلك، أفادت وسائل إعلام رسمية إيرانية بأن طهران تمارس ضغوطًا مستمرّة على الحكومة العراقية للإسراع في تنفيذ الاتفاق الأمني الذي أُبرِم بين البلدَين في آذار/مارس 2023. وينصّ الاتفاق على تعهّد العراق بنزع سلاح المجموعات الكردية الإيرانية المعارضة المتمركزة على طول الحدود مع إيران. ويزداد الأمر تعقيدًا لأن معظم هذه الجماعات متواجدة في الجزء الخاضع لسلطة حكومة إقليم كردستان في العراق، وهي حكومة تتمتّع بقدرٍ كبير من الحكم الذاتي بشكلٍ منفصل عن الحكومة المركزية في بغداد. في غضون ذلك، يجري مسؤولون من الحكومة العراقية وحكومة إقليم كردستان مشاورات بشأن هذه المسألة.
ترى جيلا مستاجر، من منظمة هنغاو الإيرانية الكردية المعنيّة بحقوق الإنسان، أن حكومة إقليم كردستان قد تقرّر ممارسة ضغوط على الجماعات الكردية الإيرانية لحملها على تقليص أنشطتها إذا ما توصّلت إيران والولايات المتحدة إلى مزيدٍ من الاتفاقات. وقالت مستاجر، التي أدرجتها إيران أيضًا ضمن قوائم النشرات الحمراء لدى الإنتربول، في مقابلة مع مدوّنة “ديوان”: “قد يشكّل هذا الضغط، بدوره، عاملًا إضافيًا يدفع أعضاء هذه الجماعات إلى مغادرة إقليم كردستان [العراق]”
وقد اتّخذت السلطات الإيرانية إجراءات داخل البلاد أيضًا. فبحسب مستاجر، “خلال حرب الأربعين يومًا، أدّت المناقشات حول احتمال تزويد الأكراد بالأسلحة، والتي أثارتها وسائل إعلام أميركية والرئيس دونالد ترامب، إلى بروز سردية استخدمتها الجمهورية الإسلامية لتبرير تصعيد وتيرة القمع في كردستان [إيران] بذريعة الحفاظ على الأمن القومي”. ووفقًا لمنظمة هنغاو، أسفرت الاشتباكات المسلّحة التي شهدتها مدن إيرانية عدّة بين حزب الحياة الحرة الكردستاني والحرس الثوري الإيراني في حزيران/يونيو الماضي عن مقتل سبعة أشخاص على الأقل، بينهم أربعة مقاتلين من هذا الحزب وثلاثة عناصر من القوات الإيرانية. وفي 1 تموز/يوليو، قُتل ستة مقاتلين من الحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني في اشتباكات مع قوات الحرس الثوري الإيراني قرب مدينة بيرانشهر، أيضًا داخل إيران نفسها.
أصدر الجناح المسلح لحزب الحياة الحرة الكردستاني بيانًا حمّل فيه طهران مسؤولية الاشتباكات مع عناصره، مذكّرًا النظامَ بأنه حافظ على الحياد خلال الحرب ولم يشنّ أي هجماتٍ على إيران. وصرّح قائلًا: “حتى حين كان النظام الإيراني في أضعف حالاته، التزمنا […] بخطّنا المستقل”.
كذلك، لفت محمد صالح، وهو زميل أول في معهد أبحاث السياسة الخارجية في فيلادلفيا، في مقابلة مع “ديوان”، إلى أن “إيران تعتبر الأكراد طرفًا معارضًا مهمًّا، لما لديهم من قدرة على قيادة أنشطة مستقبلية ضدّ النظام أو الاضطلاع بدورٍ أساسي فيها”. وبرأيه، إن الولايات المتحدة لن تتدخّل، حتى لو كثّفت طهران حملتها السياسية والعسكرية ضدّ الفصائل الكردية المتمركزة في العراق.
وخلص صالح إلى أن “أبرز التداعيات المباشرة لهذا الواقع ستتمثّل في زيادة هيمنة الاعتبارات الأمنية على الحياة في كردستان إيران، إلى جانب تنامي الضغوط على الحكومة العراقية وحكومة إقليم كردستان لطرد أحزاب المعارضة الكردية الإيرانية من العراق، ولا سيما إلى وجهات غربية”.
ويتوقّع بعض المراقبين، ومن بينهم أكراد إيرانيون، استئناف الحرب في المستقبل القريب، نظرًا إلى أن التوصّل إلى أي اتفاق نهائي بين الولايات المتحدة وإيران يبدو بعيد المنال. ووفقًا لصحيفة وول ستريت جورنال، إن ترامب ملتزمٌ بالمسار الدبلوماسي في الوقت الراهن، لكنه يقيّم بجدّية خيار العودة إلى حربٍ شاملةٍ في حال تعذّر التوصّل إلى اتفاق نهائي. وفي مؤشّر على مدى هشاشة مذكرة التفاهم، تبادلت إيران والولايات المتحدة الضربات في أواخر حزيران/يونيو قبل أن تجدّدا التزامهما بوقف إطلاق النار. والجدير بالذكر أن مذكرة التفاهم تنصّ على وجوب أن تتوصّل طهران وواشنطن إلى اتفاق نهائي بحلول 18 آب/أغسطس.
إن ما يعنيه ذلك للفصائل المسلحة الكردية الإيرانية في العراق غير واضح. فقد أكّد هجار بيرنجي، ممثّل الحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني في الولايات المتحدة، في مقابلة مع “ديوان”، أن مذكرة التفاهم لن تحدّد مستقبل الأكراد الإيرانيين. ولفت إلى أنها “قد تؤدّي إلى وقف مؤقّت للمواجهة بين الولايات المتحدة وإيران أو احتوائها جزئيًا، لكنها لا تضع حدًّا للمشكلة الأساسية المتمثّلة في القمع الذي تمارسه الجمهورية الإسلامية في الداخل الإيراني، وفي الهجمات التي تشنّها على المجتمعات المحلية الكردية”.
مع ذلك، أقرّ بيرنجي بخطرٍ يكمن في احتمال أن تمارس إيران مزيدًا من الضغوط على بغداد وحكومة إقليم كردستان لاتخاذ إجراءات ضدّ أحزاب المعارضة الكردية الإيرانية ومخيمات اللاجئين. في غضون ذلك، وفي ظلّ الاشتباكات داخل إيران، يواصل النظام في طهران شنّ غارات بالطائرات المسيّرة على الأحزاب الكردية الإيرانية عبر الحدود. ولا ينبغي أيضًا استبعاد احتمال أن يقوم القادة الأكراد العراقيون، الذين شاركوا يوم 3 تموز/يوليو في مراسم تشييع المرشد الأعلى الإيراني الراحل علي خامنئي (الذي اغتيل في غارة جوية إسرائيلية أميركية في شباط/فبراير الفائت)، بتقديم تنازلات طوعية لطهران من أجل الحفاظ على الحكم الذاتي الذي يتمتّع به إقليم كردستان.
وشدّد بيرنجي على أنّ “الأكراد [الإيرانيين] لن يتحوّلوا ببساطة إلى ضحايا. بل سيواصلون نضالهم سياسيًا ودبلوماسيًا واجتماعيًا، وسيلجأون إلى الوسائل المشروعة للدفاع عن أنفسهم عند الضرورة”.