الساعات التي أمضاها وزير الخارجية الأميركي مع وزراء خارجية دول مجلس التعاون الخليجي في البحرين زادت “مذكرة التفاهم” الأميركية – الإيرانية انكشافاً وغموضاً، سواء بالنسبة إلى مضيق هرمز أم بالنسبة إلى لبنان. كلّ بند فيها يحتاج إلى تفسير، ولكلّ طرف روايته الخاصة، ولا بدّ من تفاوض إضافي لاستخراج “الحقائق” من بحر التفاصيل. كانت دول الخليج رحّبت بـ”المذكرة” كوثيقة أنهت الحرب، إلا أن لديها مآخذ كثيرة عليها تبدأ من تجاهلها للبرنامج الصاروخي الإيراني و”الوكلاء” الذين يزوّدهم “الحرس الثوري” بالصواريخ والمسيّرات، ولا تنتهي عند البرنامج النووي، لكن حرية الملاحة عبر مضيق هرمز هي التي تصدّرت مناقشات ماركو روبيو مع نظرائه الخليجيين، بعدما دأبت إيران على إطلاق الإشارات إلى أنها تنوي مواصلة التحكّم بالمضيق واستخدامه سياسياً بالإضافة إلى فرض رسوم على عبوره.
لقاء البحرين
ما الذي حصل خلال لقاء البحرين؟ كان هدف روبيو طمأنة الخليجيين وتهدئة هواجسهم حيال التفاهمات الأميركية مع إيران، من قبيل تأكيد التزام الولايات المتحدة “ضمان أمن المنطقة واستقرارها”، والتلويح بأن واشنطن ستجد طريقةً ما خلال التفاوض، بعد التوصّل إلى “اتفاق نووي جديد” أو خلاله، للبحث في النقاط التي لم ترد في “المذكرة”. أما في ما خص مضيق هرمز فإنه كرّر الموقف المعروف، وهو أن فرض رسم عبور “غير مقبول”، لكنه لم يقدم أي ضمانات، على رغم تحذيره من أن الأمر قد يصبح “عدوى” تنتقل إلى كل الممرات المائية الدولية. وفي السياق أبلغ وزير الخارجية العُماني المجتمعين أن بلاده تتحاور مع إيران في شأن المضيق ولا تدعم فرض رسوم، بل انها أنشأت مساراً آمناً موقتاً لمرور السفن.
على الفور ردّ “الحرس الثوري” الإيراني ببيانٍ شدّد فيه على أن المسارات الوحيدة للعبور هي التي تحددها طهران، مع تهديدٍ بـ”اتخاذ الإجراءات اللازمة” ضدّ السفن المخالفة. وفي الأثناء صرّح وزير الخارجية الإيراني بأنه أجرى اتصالاً “مثمراً” بنظيره العُماني، وجدّد تأكيد أن البلدين يجريان حواراً لتحديد مستقبل الإدارة والخدمات في المضيق. وبعد فترة وجيزة أعلنت وكالة بريطانية للأمن البحري عن إصابة سفينة في مضيق هرمز “بمقذوفٍ مجهول المصدر”. وبذلك تكون طهران ردّت على الوزير الأميركي مباشرةً وخلال وجوده في المنطقة، كما تعمّدت أن تؤكّد لجوارها الخليجي صواب شكوكه في السلوك الإيراني خلال المرحلة المقبلة، على رغم المساعي الجارية للشروع في حوار خليجي – إيراني، وكذلك الحديث عن “مصالحة” بين الجانبين.
اعتداء إيراني وقصف أميركي
بعد تكرار الاعتداء على السفن، عمدت القوات الأميركية إلى قصف مخازن للصواريخ والمسيّرات ومواقع رادارية على الساحل الإيراني الجنوبي، فردّت طهران بقصف “نقاط تمركز” للجيش الأميركي في المنطقة لكنها استهدفت عملياً البحرين بطائرات مسيّرة. والأرجح أن هذه السجالات العسكرية مرشحة للتكرار وربما للتصاعد في ما بات واضحاً أنها معركة إيران للسيطرة على مضيق هرمز. ففي مفاوضات إسلام آباد حققت طهران هدف “إنهاء الحرب” ورفع الحصار الأميركي، وفي بداية مفاوضات لوسيرن (سويسرا) نالت رفعاً للعقوبات عن تصدير نفطها وبداية إجراءات لتحرير أموالها المجمّدة، كما أنها تتسلّح بالبند الخامس في “مذكرة التفاهم” لاستكمال “معركة هرمز”، وفي نصّه إناطة لترتيبات ضبط حركة العبور والملاحة في المضيق بمحادثات بين سلطنة عُمان وإيران، لكنه يربطها بـ”القانون الدولي القابل للتطبيق والحقوق السيادية للدول الساحلية للمضيق”، غير أن طهران تفضّل تجاوز الاعتبارات القانونية لفرض أمر واقع.
سجّلت طهران نقطة لمصلحتها الخميس، وأُتيحت لواشنطن فرصة الردّ عليها الجمعة بنقطة مقابلة عبر المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل. فبمقدار ما تشعر إيران أن موقفها قوي في طموحها “الهرمزي” لأن مزيداً من السفن يطلب منها تراخيص للعبور، ولأن المفاوضات الحالية لا تشكّل ضغوطاً تضطرّها للتراجع أو التنازل، إلا أنها بالمقدار تستشعر “الاتفاق الإطاري” طعنةً لاستراتيجيتها الإقليمية وتعقيداً لبيئة العمل التي يتحرك فيها “حزبها” اللبناني، والأهم أنه يعمّق القطيعة بينها وبين الدولة اللبنانية. يمكن إيران أن تتوقّع فشل هذا “الاتفاق” من تلقائه لأنه أساساً غير متوازن، ويمكنها أن تراهن على إسرائيل نفسها لإفشاله طالما أنها لا تقدّم أي تنازل، لكنه قد يدفعها إلى تبنّي الخيارات العنفية الداخلية التي يتوعّد “حزبها” بها ردّاً على “الاتفاق”.
حرب مستمرة
لا شك في أن التعقيدات التي تبدو مستجدة كانت متوقّعة، لكنها تؤخّر مفاوضات “الاتفاق (النووي) النهائي” ومن الطبيعي أن تبطئ حصول إيران على المكاسب التي انتزعتها في إسلام آباد. وعلى رغم أن واشنطن وطهران تشيران إلى “انتهاك” وقف النار إلا أنهما، ومعهما الدول الإقليمية، تريدان تجنّب استئناف الحرب، أو اعتبارها في أسوأ الأحوال حرباً بين الحروب. فبين “معركة السيطرة على هرمز” ومعركة “نزع سلاح حزب الله” تبقى الحرب مستمرة، وهذا يناسب إيران وإسرائيل.