نظام مير محمدي
كاتب حقوقي وخبير في الشأن الإيراني
يمر المجتمع الإيراني بمرحلة بالغة الحساسية والتعقيد، تتداخل فيها أزمات المعيشة الطاحنة مع تدهور الأمن النفسي والاجتماعي. فبينما يكتوي المواطنون بنار الجوع والفقر والبطالة، يلجأ نظام ولاية الفقيه إلى توسيع نطاق الحرب والتهديدات الإقليمية من جهة، وتصعيد موجات الإعدام والقمع الداخلي من جهة أخرى. ولم يعد هذا السلوك مجرد رد فعل عابر، بل تحول إلى استراتيجية بنيوية هدفها الأساسي حماية السلطة من الانهيار وشراء المزيد من الوقت.
لقد كشفت الاحتجاجات الفئوية والنقابية الأخيرة عن تحول نوعي في الوعي الجمعي؛ إذ لم تعد المطالب المعيشية للمتقاعدين والعمال تنفصل عن الشعارات السياسية، بل اندمجت سريعاً تحت شعارَي “لا للحرب” و“لا للإعدام“. هذا التقارب السريع بين ما هو نقابي وما هو سياسي يعكس إدراكاً مجتمعياً متنامياً بأن الفقر والتدهور الاقتصادي هما الوجه الآخر لسياسة تصدير الأزمات والقمع الممنهج. فالجماهير باتت تدرك أن إصرار القيادة الحاكمة على ابتكار ذرائع الحرب والمواجهة الخارجية ليس إلا ستاراً يُستخدم لفرض القبضة الأمنية، وتبرير الاعتقالات الجماعية، وبناء سد منيع أمام الانتفاضة الشعبية المرتقبة.
وفي مقابل هذه الآلة السرطانية من القمع، تبرز السجون الإيرانية كساحة مواجهة متقدمة، لا تقل أهمية عن الشارع. إن الرسائل والمواقف الصلبة الصادرة من خلف الأسوار تؤكد أن استراتيجية إخضاع المجتمع عبر الخوف قد فشلت في كسر إرادة التغيير. وفي هذا السياق، يقدم السجين السياسي القديم علي معزي، إلى جانب رفاقه من المعتقلين، نموذجاً حياً للصمود الذي يستمد جذوره من تاريخ طويل من المقاومة بوجه الجلادين؛ مفنداً رهان السلطة على أن الإعدامات والتعذيب كفيلان بفرض الاستسلام الدائم.
تستشعر السلطة الحاكمة خطورة هذا الترابط العضوي بين صمود السجون وغضب الشارع، ولذلك تضاعف من ضغوطها الانتقامية. وما كشفت عنه أمانة المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية في بيانها الصادر بمنتصف أغسطس/آب 2026 بشأن تدهور الأوضاع في سجن إيفين وسائر المعتقلات، يمثل دليلاً دامغاً على هذه الهستيريا الأمنية؛ حيث حُرِم السجناء من أدنى مقومات الحياة والخدمات الطبية وسط درجات حرارة قياسية، وتم تعريضهم للمخاطر عبر دمجهم بسجناء الجرائم الجنائية، فضلاً عن نفي بعضهم إلى سجون نائية مثل سراوان واستهداف ذويهم بالاعتقال التعسفي.
إن هذه الإجراءات العقابية تصب في هدف واحد: قطع الشرايين الممتدة بين وحدات الانتفاضة في المدن وبين صوت المقاومة داخل السجون. غير أن القوانين الاجتماعية للتغيير تؤكد أن السجن والمجتمع يشكلان جزيئين في جسد حي واحد؛ فكلما زاد القمع داخل الأسوار، تحول السخط الخارجي إلى فعل أكثر تنظيماً وإصراراً على تحقيق السلام والحرية.
ولم تعُد هذه الانتهاكات الممنهجة تنطلي على الساحة الدولية؛ إذ دانت مؤخراً 32 دولة في بيان مشترك إعدام المعترضين في إيران، متصديةً لآلة القمع الشاملة، ومطالبةً النظام بالإنهاء الفوري لعقوبة الإعدام والإفراج عن المعتقلين تعسفياً. وتتزامن هذه الإدانة الواسعة مع تحذيرات خبراء الأمم المتحدة الذين أدانوا صدور أحكام الإعدام بحق 12 شاباً من معتقلي انتفاضة يناير (كانون الثاني) من هذا العام، إلى جانب احتجاج منظمة العفو الدولية الشديد على ممارسات التعذيب والمحاكمات الصورية المتواصلة ضد الشباب المعترضين. وفي هذا السياق، أكدت السيدة مريم رجوي في حسابها على منصة “إكس“، تعقيباً على بيان الاتحاد الأوروبي والدول الـ 32، على ضرورة “إحالة ملف انتهاكات حقوق الإنسان في إيران إلى مجلس الأمن الدولي، ومثول قادة النظام أمام العدالة في إطار الآليات الدولية أو الصلاحية القضائية العالمية، ورسمية اعتراف نضال الشعب والشباب الإيراني ضد الفاشية الدينية“.
ختاماً، إن الحقيقة الجوهرية التي يجب أن يدركها المجتمع الدولي هي أنه ما دام هذا النظام قائماً، فإن تصدير الحرب والعدوان في الوجه الخارجي، وتصعيد القمع والتنكيل بالزندانيين وخاصة السجناء السياسيين في الوجه الداخلي، سيستمران بلا توقف؛ فهما ليسا خياراً سياسياً بل شرط وجودي لبقاء سلطة ولاية الفقيه.