إسلام آباد – يضع التصعيد المتسارع بين الحوثيين والقوات السعودية باكستان أمام اختبار مختلف عن الأزمات السابقة في المنطقة، بعدما وجدت نفسها مضطرة إلى التحرك بين موقعين يصعب الجمع بينهما طويلاً: شريك دفاعي للرياض وقناة اتصال مع طهران وواشنطن. ومع اقتراب المواجهات من الحدود السعودية–اليمنية، تتقلص مساحة المناورة أمام إسلام آباد، التي تخشى أن يؤدي أي توسع في الهجمات إلى دفعها من دور الوسيط إلى الانخراط المباشر في الصراع.
وتكتسب هذه المعضلة أهمية إضافية في ضوء اتفاق الدفاع المشترك الذي وقعته باكستان والسعودية وتركيا الشهر الماضي، والذي ينص على اعتبار أي هجوم مسلح على إحدى الدول الثلاث هجوماً عليها جميعاً. وبينما لم تتحول هذه الصيغة حتى الآن إلى التزام عسكري مباشر في مواجهة الحوثيين، فإن استمرار التصعيد يضع مضمون الاتفاق أمام اختبار ميداني مبكر.
وتحاول إسلام آباد في الوقت الراهن الفصل بين التزاماتها الدفاعية تجاه السعودية ودورها الدبلوماسي تجاه إيران. فقد نقلت باكستان هذا الأسبوع رسالة سعودية إلى طهران تدعوها إلى كبح حلفائها الحوثيين، فيما أجرى قائد الجيش الباكستاني عاصم منير اتصالاً بوزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي لبحث استعادة الجهود الدبلوماسية وخفض التصعيد على مختلف الجبهات.
وتؤكد التصريحات الرسمية الباكستانية أن الخيار العسكري ليس مطروحاً حالياً، وأن إسلام آباد تتمسك بالدبلوماسية والحوار وضبط النفس. لكن استمرار الهجمات يضع هذه السياسة أمام حدود عملية، خصوصاً مع وجود قوات باكستانية بالفعل في السعودية بموجب اتفاقات دفاعية سابقة.
وتشير مصادر نقلت عنها رويترز إلى انتشار جنود باكستانيين قرب الحدود السعودية–اليمنية، وهو ما يجعل اتساع رقعة المواجهة أكثر حساسية بالنسبة إلى إسلام آباد. فالقوات الموجودة هناك قد تجد نفسها أمام تهديد مباشر إذا توسعت الهجمات الحوثية، حتى من دون اتخاذ القيادة الباكستانية قراراً بالدخول في الحرب.
وتحاول باكستان في الوقت ذاته الحفاظ على علاقاتها مع إيران، الدولة التي تشترك معها في حدود طويلة وتربطها بها ملفات أمنية واقتصادية معقدة. وكانت العلاقات بين البلدين شهدت توترات حادة في السابق، وصلت في يناير 2024 إلى تبادل ضربات على مناطق حدودية، قبل أن يعمل الطرفان على احتواء الأزمة سريعاً.
وتضاف إلى الاعتبارات الأمنية مشكلة الطاقة. فباكستان تعتمد على واردات النفط والغاز التي تمر عبر الممرات البحرية الإقليمية، في وقت أصبحت فيه مضيقا هرمز وباب المندب جزءاً من الحسابات العسكرية للحرب الحالية. ولذلك فإن انحيازاً باكستانياً واضحاً إلى أحد طرفي الأزمة قد يرتب عليها كلفة تتجاوز حدود العلاقة السياسية، خصوصاً إذا أدى التصعيد إلى مزيد من اضطراب حركة التجارة والطاقة.
الباكستانيون يدركون أن الانتقال من الدعم الدفاعي إلى العمليات القتالية ضد الحوثيين سيضع علاقاتهم مع إيران تحت ضغط مباشر
وفي المقابل، تمثل العلاقة مع السعودية مصلحة استراتيجية واقتصادية لإسلام آباد. فقد شكل التعاون الدفاعي مع دول الخليج خلال السنوات الأخيرة أحد عناصر الشراكة بين الجانبين، فيما ارتبطت الاتفاقات الأمنية بمساعٍ لتعزيز الاستثمارات الخليجية ودعم الاقتصاد الباكستاني الذي واجه أزمات مالية متكررة.
ولهذا تبدو باكستان حريصة على عدم تحويل التحالف الدفاعي مع الرياض إلى التزام تلقائي بالمشاركة في كل مواجهة تخوضها المملكة. فالمسؤولون الباكستانيون يدركون أن الانتقال من الدعم الدفاعي إلى العمليات القتالية ضد الحوثيين سيضع علاقاتهم مع إيران تحت ضغط مباشر، كما سيقيد قدرة إسلام آباد على أداء دور الوسيط الذي اكتسب أهمية متزايدة خلال الأزمة بين واشنطن وطهران.
وتكشف التحركات الباكستانية الأخيرة عن محاولة للإبقاء على هذا التوازن. فالرسائل التي تنقلها إسلام آباد إلى طهران تمنح الرياض قناة للضغط السياسي، بينما يسمح تواصلها مع المسؤولين الإيرانيين بالحفاظ على قدر من الثقة الضرورية لأي مسار لخفض التصعيد. لكن نجاح هذا الدور يظل مرتبطاً بمدى قدرة الأطراف على إبقاء المواجهة تحت سقف لا يفرض على باكستان اختيار أحد المعسكرين.
وهنا تكمن المشكلة الأساسية. فالوساطة تقوم على قدرة الوسيط على التواصل مع الأطراف المختلفة، بينما التحالفات الدفاعية تفرض في بعض الحالات التزامات تتجاوز نقل الرسائل. وكلما ارتفع مستوى الخطر الذي تتعرض له السعودية، زادت الأسئلة حول ما إذا كان بإمكان إسلام آباد الاستمرار في الفصل بين دورها السياسي والتزاماتها الأمنية.
ويزداد الضغط بسبب تعدد الجبهات التي تواجهها باكستان نفسها. فالجيش الباكستاني منتشر على الحدود مع الهند، ويواجه في الوقت ذاته تحديات أمنية داخلية، فيما تحتاج الدولة إلى الحفاظ على استقرار علاقاتها مع إيران ودول الخليج والولايات المتحدة في آن واحد. ولذلك فإن أي التزام عسكري إضافي في اليمن قد يحمل أعباء تتجاوز قدرة المؤسسة العسكرية على توزيع مواردها.
كما أن اتفاق الدفاع الثلاثي بين باكستان والسعودية وتركيا يضيف بعداً جديداً للمعادلة. فالتحالف لا يزال في بداياته، وتصعيد الحوثيين يمنحه أول اختبار فعلي لمدى الفصل بين الردع السياسي والالتزام العملياتي. وقد يكون حرص إسلام آباد على عدم توسيع الاتفاق في الوقت الراهن مؤشراً إلى رغبتها في إبقاء نطاق الالتزامات مضبوطاً وعدم الانزلاق إلى ترتيبات دفاعية أوسع يمكن أن تضعها في مواجهة مباشرة مع إيران.
وبالنسبة إلى طهران، فإن استمرار التواصل مع باكستان يوفر لها قناة لا تمر مباشرة عبر العواصم الغربية أو الخليجية. أما بالنسبة إلى الرياض، فإن قرب إسلام آباد من إيران وواشنطن يجعلها طرفاً قادراً على نقل الرسائل في وقت تتعقد فيه الاتصالات المباشرة. لكن قيمة هذا الدور ستتراجع إذا اضطرت باكستان إلى الانحياز العسكري.
ومن ثم، لا يمثل التصعيد الحوثي–السعودي اختباراً للعلاقات السعودية–الباكستانية فقط، بل يختبر أيضاً النموذج الذي تحاول إسلام آباد بناءه لنفسها كقوة عسكرية إقليمية تجمع بين الشراكات الدفاعية والوساطة الدبلوماسية.
وتبقى المعضلة بالنسبة إلى باكستان واضحة: كلما بقي التصعيد في حدود يمكن احتواؤها، أمكنها مواصلة لعب دور الوسيط؛ وكلما اقتربت الهجمات من القوات السعودية أو الباكستانية، تضيق المسافة بين الوساطة والالتزام الدفاعي. وفي هذه المنطقة المتشابكة بين هرمز وباب المندب والحدود السعودية–اليمنية، قد يصبح الحفاظ على هذا التوازن أصعب من أي وقت مضى.