ملخص
لم تعد التكنولوجيا في العصر الحديث مجموعة من الأدوات التي تساعد الإنسان في تحسين حياته اليومية. لعلها أصبحت قوة تاريخية واجتماعية وفكرية تعيد تشكيل علاقة الإنسان بذاته وبالعالم.
منذ الثورة الصناعية، انتقلت الآلة، كما لاحظ عالم أنثروبولوجيا عصور ما قبل التاريخ أندريه لوروا غوران، من كونها أداة لتعويض القوة العضلية للإنسان إلى منظومة واسعة تتحكم في أنماط الإنتاج والحياة والتواصل والمعرفة، ثم جاء الحاسوب ليحل مشكلة السرعة والدقة في الحساب ومعالجة المعلومات، قبل أن تظهر تقنيات الذكاء الاصطناعي والتعلم الآلي التي جعلت الآلة قادرة على محاكاة بعض القدرات التي كانت حكراً على العقل البشري.
فتح هذا التطور المجال أمام طرح أسئلة تتعلق بدلالات التكنولوجيا وحدودها والغايات التي ينبغي أن تخدمها، فكلما اتسعت إمكانات التكنولوجيا وتعاظمت قدرتها على التأثير في حياة الإنسان، ازدادت الحاجة إلى التفكير النقدي في كيفية توظيفها والنتائج المترتبة عليها وبرزت أهمية الفلسفة، فإذا كان العلم والتكنولوجيا يقدمان أجوبة عن سؤال “كيف؟”، فإن الفلسفة تنصرف أساساً إلى سؤال “لماذا؟” ومن ثم فإن قيمة الفلسفة في العصر التكنولوجي لا تكمن في منافسة العلم أو الحلول محلّه، وإنما في مساءلة ما ينجزه وتقويم نتائجه والكشف عن أبعاده الأخلاقية والإنسانية، فضلاً عن طرح السؤال الجوهري حول الإنسان والمجتمع اللذين نرغب في بنائهما في ظل التقدم التكنولوجي.
إن تاريخ التكنولوجيا هو، إلى حد بعيد، تاريخ تراكم الاكتشافات والاختراعات التي غيّرت موقع الإنسان في العالم، فقد أدت الثورة الصناعية منذ القرن الـ 18 إلى إدخال الآلات في الحياة اليومية، فتحول الإنسان تدريجاً من مستخدم مباشر لقوته العضلية إلى مشرف على قوة إنتاجية خارجية، تتمثل في الآلة التي زادت سرعة الإنتاج، وأسهمت في تسريع وتيرة التطور التكنولوجي نفسه، وبالتالي في تسريع إيقاع الحياة الإنسانية.
الحاجة إلى التكنولوجيا
ومع تطور المجتمعات ظهرت الحاجة إلى آلات أكثر قدرة على معالجة المعلومات، مثل الحاسوب الذي أصبح وسيلة لتخزين البيانات ومعالجتها بواسطة الخوارزميات، وفي مرحلة لاحقة، ظهر التعلم الآلي، إذ لم يعد المبرمج مضطراً إلى تحديد كل خطوة ينبغي على الحاسوب تنفيذها، لأن البيانات والأمثلة أصبحت وسيلة لتدريب الخوارزمية على اكتشاف الأنماط والعلاقات، وتحسين أدائها.
ولعل التحول الأهم كان في انتقال الحاسوب من آلة تنفذ تعليمات محددة إلى نظام قادر على التعلم والتكيف بدرجات مختلفة، وقد أدى ذلك إلى تطبيقات واسعة في التعرف إلى الكلام، والرؤية الحاسوبية، والسيارات ذاتية القيادة، وتشخيص الأمراض، واكتشاف الأدوية، وحتى في مجالات تعديل جسم الإنسان، لكن هذا التطور يفرض على الإنسان سؤالاً مهماً: إذا كانت الآلة قادرة على التعلّم واتخاذ بعض القرارات، ومحاكاة سلوكيات بشرية معقدة، فهل يعني ذلك أنها تمتلك عقلاً أو وعياً شبيهاً بالوعي الإنساني؟
إن مسألة الوعي تعد إحدى أهم حدود العلم المعاصر، ولئن كانت علوم الأعصاب ودراسة الدماغ وتحليل نشاط الخلايا العصبية والروابط بينها، تستطيع تفسير كثير من الوظائف التي يقوم بها الجهاز العصبي، فإنها تواجه مسألة كيفية تحوّل هذه العمليات الفيزيولوجية في الدماغ إلى تجربة ذاتية.
وفي هذا السياق استحضر ما يسميه الفيلسوف الأسترالي ديفيد تشالمرز “المشكلة الصعبة للوعي”، فبرأيه ثمة مشكلات يمكن وصفها بـ “السهلة”، بالمعنى المنهجي، مثل تفسير كيفية اتخاذ الإنسان قراراً أو كيفية معالجة الدماغ معلومة معينة، أما المشكلة الصعبة فتتعلق بالسؤال عن سبب وجود تجربة ذاتية أصلاً، فيكون السؤال المطروح هو الآتي: لماذا لا تكون العمليات الفيزيولوجية مجرد عمليات عصبية صامتة، ولماذا ترتبط دوماً بإحساس داخلي؟
إن رؤية اللون الأحمر، أو تذوق طعم ما، أو الشعور بالألم، ليست مجرد عمليات يمكن وصفها من الخارج، بل خبرة يعيشها الفرد من الداخل، وهذه الخبرة الذاتية، أو ما يرتبط بمفهوم “الكيفيات المحسوسة”، لا يمكن ردّها إلى محض وصف فيزيولوجي للدماغ.
الفيزيولوجيا والتجربة الذاتية
إن هذا الحدّ الفاصل بين الفيزيولوجيا والتجربة الذاتية هو الذي يفتح المجال أمام الفلسفة، لأن السؤال لم يعد يتعلق فقط بآلية عمل الدماغ، بل بمعنى الوعي وطبيعته وعلاقته بالوجود الإنساني، وهكذا يصبح السؤال عن الذكاء الاصطناعي أكثر تعقيداً، فقد تستطيع الآلة أن تقدم وصفاً دقيقاً لما يشعر به الإنسان عند رؤية زهرة، لكنها قد لا تكون مالكة للتجربة الذاتية التي تجعل الإنسان يعيش هذه الخبرة بالفعل، ولذلك لا يكفي أن ننقل المفاهيم التي نستخدمها لوصف الإنسان، مثل العاطفة والوعي، إلى الآلة من دون إعادة فحص معناها، وهنا تتجلى إحدى الوظائف الرئيسة للفلسفة: إعادة تعريف المفاهيم عندما تتغير شروط وجودنا.
ولا تتوقف الأسئلة الفلسفية عند الوعي، لأنها تمتد إلى المسؤولية الأخلاقية، فإذا اتخذ نظام آلي قراراً أدى إلى نتيجة خطرة، فمن المسؤول؟ هل هو المستخدم؟ أم المبرمج؟ أم الشركة التي طوّرت النظام؟ أم البيانات التي دُرب عليها؟ أم النظام نفسه؟
تقدم حادثة السيارة ذاتية القيادة التابعة لشركة “أوبر” التي وقعت عام 2018 مثالاً واضحاً على هذه المشكلة، فقد صدمت إيلين هيرزبرغ أثناء عبورها الطريق، فأثارت نقاشاً حول مسؤولية السائق المشرف، ومطوري النظام، والجهات التي صممت الخوارزمية، لكن المشكلة هنا أن الخوارزمية لا تتخذ قرارها بالمعنى الأخلاقي الذي يتخذه الإنسان، فهي تعالج البيانات وفق البنية التي صُممت بها، ووفق البيانات التي تدربت عليها، فإذا كانت البيانات أو الخوارزمية تحمل تعصباً عنصرياً مثلاً، فإن النظام قد ينتج قرارات عنصرية من دون أن يفهم معنى العنصرية أو شرّها الأخلاقي، ومن ثم فإن المسؤولية لا يمكن أن تُنسب ببساطة إلى الآلة، لكن المسألة في الحقيقة أكثر تعقيداً، فالإنسان نفسه يتعلم من بيئته ويتأثر بالثقافة والمجتمع والتجارب البيولوجية والانفعالية، فما الفرق إذاً بين تعلم الإنسان وتعلم الآلة؟
يبدو أن الفرق يكمن في أن الإنسان لا يستقبل المعلومات الخارجية وحسب، بل يدمجها ضمن تجربة داخلية وبيولوجية وعاطفية خاصة بكل فرد، ومرة أخرى تتجلى هنا قيمة الفلسفة، فمهمتها ليست إصدار حكم على التكنولوجيا، وإنما تفكيك المفاهيم التي تستخدمها، وتحديد معنى المسؤولية والنية والوعي والاختيار عندما تدخل الآلات المستقلة في مجال الفعل الإنساني.
الذكاء الاصطناعي وقدرات البشر
تبلغ هذه الأسئلة ذروتها مع “الترانس-إنسانية” التي تسعى إلى تجاوز الحدود البيولوجية والعقلية والانفعالية للإنسان، بواسطة التكنولوجيا الحيوية واستخدام الذكاء الاصطناعي، لتعزيز قدرات الإنسان في بعض المجالات، مثل التعديلات الجينية التي تُستخدم لعلاج الأمراض أو حتى الوقاية منها، أو زرع أجهزة قائمة على الذكاء الاصطناعي لمساعدة الدماغ البشري في تعزيز الذاكرة، أو التقنيات الحيوية الرامية إلى إطالة متوسط العمر، وعلى رغم أن هذه التطبيقات تهدف إلى خدمة البشرية والاستفادة من التكنولوجيا، لكنها تفتح الباب أمام نقاشات فلسفية جديدة، فمن ناحية أولى، أدى الجمع بين الإنسان والتكنولوجيا إلى طمس الحدود الفاصلة بينهما، ومن ثم أدى بروز مفهوم “ما بعد الإنسان”، الذي يتجاوز صورة الإنسان كما نعرفه اليوم، إلى الربط مع مفهوم “الإنسان الأعلى” الذي تحدث عنه نيتشه، ومن الواضح أن هذا الوضع دفع الفلسفة إلى إعادة النظر في تعريف الإنسان، فإذا قمنا بتغيير الخصائص الطبيعية للإنسان، فهل يمكننا الاستمرار في الحديث عن الإنسان نفسه؟
إن طرح هذا السؤال لا يعود للعلم بقدر ما يعود للفلسفة، ولذلك لا يمكن تقديم إجابة حاسمة ونهائية عنه، فعندما يُجري الإنسان تعديلات على جسده، تظهر أفكار وإشكالات شبيهة إلى حد كبير بمفارقة “سفينة ثيسيوس”، فبحسب الأسطورة الإغريقية القديمة، أُصلحت سفينة هذا الملك الأثينائي الأسطوري مرات عدة، إلى درجة لم تعد معها تحوي أي قطعة من أجزائها الأصلية، فكان السؤال: هل تظل هذه السفينة هي السفينة نفسها، أم أنها أصبحت سفينة أخرى؟
تحيلنا هذه المفارقة إذاً إلى تجربة فكرية فلسفية تتعلق بمفهوم الهوية، وهذا يعني أن “الترانس-إنسانية” التي تسعى إلى تجاوز الحدود البيولوجية والعقلية والانفعالية للإنسان، بواسطة التكنولوجيا، قد تبدو امتداداً طبيعياً لرغبة الإنسان في تحسين حياته، لكنها تثير سؤالاً فلسفياً جذرياً يتعلق بتعريف الإنسان في حال تغيّر جسمه وذاكرته وقدراته الجينية والعقلية بواسطة التكنولوجيا، فأين تنتهي عملية العلاج والتحسين، وأين يبدأ التحول إلى كيان جديد؟
بهذا المعنى، لا تعود التكنولوجيا مجرد وسيلة لتحسين الإنسان، بقدر ما تصبح قوة قادرة على إعادة تعريف الإنسان نفسه، ولذلك فإن مفهوم “ما بعد الإنسان” يفرض على الفلسفة أن تعيد التفكير في الهوية والطبيعة والحرية والكرامة، والحدود التي ينبغي ألا نتجاوزها.
إن التكنولوجيا لا يمكن فصلها عن السياق الاجتماعي والثقافي والفلسفي الذي تنتج داخله، فالتقنية ليست ظاهرة محايدة ومستقلة عن المجتمع، لأن طريقة استخدامها وتطورها تتأثر بالقيم والحاجات والظروف التاريخية، وقد عرفت الحضارات القديمة إنجازات تقنية مهمة، لكن بعض الشروط الاجتماعية والثقافية حالت دون انتشارها الواسع، وهذا يدل على أن التكنولوجيا تعبير عن تصور معين للإنسان والمجتمع.
ولا بدّ في إطار الحديث عن التكنولوجيا من استحضار اسم الفيلسوف الألماني مارتن هايدغر، الذي رفض اختزال التقنية في أداة أو وسيلة، فالتقنية في نظره ترتبط بطريقة انكشاف الوجود للإنسان، وعلاقته بالعالم، ولعلها، إضافة إلى هذا التصور، أداة للتغيّر والتحول، أي أنها جزء من صيرورة الوجود، لا مجموعة من الأدوات.
يقود هذا التصور إلى نتيجة تؤكد ضرورة جعلنا التكنولوجيا في خدمة الوعي، لأنه كلما ازدادت قوة التقنية، ازدادت الحاجة إلى وعي قادر على توجيهها نحو الخير العام، بدلاً من أن تتحول إلى وسيلة للسيطرة أو الهيمنة الاجتماعية.
خلاصة القول إن الفلسفة في العصر التكنولوجي لا تقدم بديلاً للعلم، بل تعمل على منع العلم والتكنولوجيا من التحول إلى منظومة مغلقة لا تسأل عن غاياتها، فالعلم يفسر لنا كيف تعمل الأشياء، والتكنولوجيا تمنحنا القدرة على تحويل المعرفة إلى أفعال وأنظمة، أما الفلسفة فتسأل: لماذا نفعل ذلك؟ ولأية غاية؟ وما الذي قد يحدث للإنسان نتيجة هذا الفعل أو ذاك؟
في عصر الذكاء الاصطناعي، أصبحت هذه الأسئلة أكثر إلحاحاً، وأصبح تحديد معنى الذكاء والوعي والمسؤولية والإنسانية نفسها أكثر ضرورة، ولئن كانت التكنولوجيا تستطيع أن توّسع قدرات الإنسان، فإنها تستطيع في الوقت عينه أن توسع قدرته على التدمير والسيطرة، إذا غاب الإطار الأخلاقي والفلسفي، ولذلك لا ينبغي النظر إلى الفلسفة بوصفها معرفة ماضية تنتمي إلى عصر ما قبل التكنولوجيا، بل على العكس من ذلك، كلما أصبحت التكنولوجيا أكثر قوة وتعقيداً، ازدادت الحاجة إلى التفكير الفلسفي، فالتكنولوجيا تمنح الإنسان قوة متزايدة على تشكيل العالم، بينما تمنحه الفلسفة القدرة على التفكير في حدود هذه القوة وغاياتها.
إن التحدي الحقيقي في العصر التكنولوجي ليس أن نختار بين العلم والفلسفة، بل أن نعيد بناء العلاقة بينهما، فالعلم يحتاج إلى الفلسفة حتى لا يتحول إلى عقيدة تقنية، والتكنولوجيا تحتاج إلى الوعي حتى لا تتحول إلى قوة مستقلة عن الإنسان، وهذا يعني أن السؤال الأهم قد لا يكون هل ستصبح الآلة مثل الإنسان؟ بل أي إنسان نريد أن نصبح ونحن نمتلك هذه الآلات والقدرات التكنولوجية الهائلة؟ وهذا، قبل أي شيء آخر، سؤال فلسفي.
