ملخص
تُعد “رحلة فولني إلى مصر وسوريا” للفيلسوف والمؤرخ والمستشرق الفرنسي قسطنطين فرانسوا فولني، الصادرة عن “دار المتوسط” بترجمة المترجم السوري عصام محمد الشحادات، وبالتعاون مع “دارة السويدي الثقافية”، من المصادر التاريخية التي يعود إليها المؤرخون والباحثون حين يتسقطون أخبار هاتين المنطقتين الجغرافيتين، في الربع الأخير من القرن الـ18، وتحديداً خلال أعوام 1783 و1784 و1785.
يعد فولني، المولود في فرنسا عام 1757، من الرحالة البارزين في القرن الـ18، وقد استلهم أعماله من رحلاته حول العالم لا سيما رحلته إلى مصر وسوريا التي شملت في عامها الأول الإسكندرية والقاهرة والسويس ودمياط ويافا وعكا وصور وصيدا واللاذقية وحلب. وشملت في عامها الثاني طرابلس وبيروت وجبل لبنان وبعلبك ودمشق وطبرية والقدس واللد والرملة وغزة. وعاد في العام الثالث إلى الإسكندرية مجدداً.
العيان والسماع
أعد فولني لرحلته بقراءة كتب الرحالة الذين سبقوه إلى الشرق، وتعلم اللغة العربية بما يتيح له التواصل مع الناطقين بها. وكان له من دقة الملاحظة وسعة الثقافة وطول التجربة العدة المناسبة لخوض غمار الرحلة، والعودة منها بصيد وفير. لذلك، دأب، طوال عامين وأربعة أشهر من إقامته القصيرة في الشرق، على تدوين ما عاينه بنفسه، من مشاهدات وانطباعات، من جهة، وتدوين ما تناهى إلى سمعه من أخبار وملاحظات، من جهة ثانية. وبذلك، يكون قد اتخذ من العيان والسماع مصدرين لكتابه، مما منحه قسطاً كبيراً من الموثوقية، وجعل الدارسين يستنتجون أن “رحلته” هي الأهم بين مئات الرحلات التي سبقتها إلى المشرق العربي.
ولعل ما يعزز من صحة هذا الاستنتاج ما ينسبه فولني نفسه إلى نابليون بونابرت الذي اعتبره “الرحالة الوحيد تقريباً الذي لم يكذب والذي عرف كيف يجمع بين فضيلة الأمانة العلمية وموهبة المراقب الفذ”. وهو ما يجعل البعض يعتبر الكتاب دليلًا للحملة الفرنسية على مصر، ويطرح سؤال الاستشراق على بساط البحث وارتباطه بالحملات الاستعمارية.
حقول معرفية
في مقدمة الكتاب، يشير المؤلف إلى سبب الرحلة، واختيار وجهتها، وقرار تدوينها، ومَصْدَرَي مادتها، ومنهجية تأليفها، ويتبين لنا أن سبب الرحلة هو وراثته مبلغاً من المال ورغبته في إرضاء هوايته وإثراء عقله وصقل شخصيته من خلال السفر، وأن اختيار الوجهة يعود إلى أنها مهد معظم الأفكار والقوانين والأديان في العالم، وأن قرار تدوينها ينبع من رغبته في نفع الناس بها، وأن مصدرَيْ مادتها هما العيان والسماع، وأن منهجية تأليفها تقوم على إهمال ترتيب المراحل الزمنية، وإسقاط المغامرات الخاصة، وإضافة الخرائط والرسوم التوضيحية. ولعل هذه الإشارات هي التي جعلت الكتاب لا يقتصر على الرحلة، بالمعنى الجغرافي للكلمة، وفتحته على حقول معرفية أخرى كالتاريخ والأنثروبولوجيا وعلم الاجتماع والسياسة والزراعة وغيرها، وهو ما نقع عليه في الفصول المختلفة.
الطبيعة والإنسان
بالدخول في فصول الكتاب، نشير إلى أن أكثر من نصفها يتمحور حول ولايتي مصر وسوريا التابعتين للخلافة العثمانية في تلك المرحلة التاريخية، بحيث يصف المؤلف الظواهر الطبيعية في مصر والحال السياسية فيها، من جهة، ويصف ولاية سوريا والحال السياسية فيها، من جهة ثانية. بينما يتناول في الفصول المتبقية البشالق المختلفة في الولاية السورية وسير العمل فيها، على مختلف المستويات. وبذلك، تُشكل الطبيعة والإنسان المجال الحيوي لحركة الفصول، فيراقب المؤلف الرحالة كل ما يتعلق بهذين الأقنومين في مسار الرحلة، ويروي ما تقع عليه عيناه، وما يتناهى إلى أذنيه، من هذه المتعلقات.
وإذا كان المرئي غالباً ما يدور في حقل الوصف الطبيعي، فإن المسموع غالباً ما يتناول سرد التاريخ الإنساني. وسواء أتعلق الأمر بالوصف أم بالتأريخ، فإن الفصول المختلفة تحفل بالمشاهدات العينية، والمرويات التاريخية، والانطباعات الشخصية، والقواعد المجردة، والإشارات المنهجية، والملاحظات الثاقبة. وهكذا، نكون إزاء مادة معرفية متنوعة. ومع هذا، وعلى رغم ما يشي به الكتاب من دقة في الوصف وموضوعية في السرد ومنهجية في المقاربة، بقسميه المصري والسوري، فإنه لم يخلُ من أخطاء في التوزيع والتنسيب والتصنيف والتكرار وغيرها.
القسم المصري
في القسم المصري، يتناول فولني الظواهر الطبيعية والحال السياسية في مصر، ففي الأولى، يناقش بعض ما كتبه الرحالة عن نهر النيل والظواهر المرتبطة به، في ضوء ما ورد عند المؤرخ اليوناني هيرودوت، وفي ظل مشاهداته الشخصية، فيُصحح ما جاء عند بعضهم (سافاري)، ويُشكك بما ورد عند البعض الآخر (دانفيل). وفي هذا السياق، يتناول ظاهرتي توسع الدلتا وارتفاع منسوبها، مستنداً إلى قراءاته ومشاهداته، ويخلص إلى عدم الوصول إلى نتائج نهائية تتعلق بهاتين الظاهرتين. ويرصد حركات الرياح وأنواعها واتجاهاتها ومواعيد هبوبها وتأثرها بالبحار والصحارى وتأثيرها في الإنسان والحيوان والنبات، على سبيل المثال لا الحصر.
وفي الثانية، يلقي فولني الضوء على أحوال المصريين في تلك المرحلة، التاريخية والعسكرية والاجتماعية والتجارية والصحية والحضارية، ويمكن الإشارة، في هذا السياق، إلى بعض ما توصل إليه من نتائج، بنتيجة الرحلة، فيشير إلى تعدد الأعراق التي يتحدر منها المصريون، متوقفاً عند العرب والأقباط والأتراك والمماليك، والمفارق أنه يقفز فوق الأصل الفرعوني ولا يشير إليه.
ويرى أن المماليك تشكلوا من جموع من العبيد الشباب من الجنسين، جاء بهم التتار، وأقاموا لهم المعسكرات التدريبية، حتى إذا تمكن أحدهم (عز الدين أيبك) من الاستيلاء على السلطة، شكل السلطان المملوكي الأول من أصل 47 سلطاناً تعاقبوا على الحكم، خلال 257 عاماً. ويتوقف عند البؤس الذي كان يتردى فيه الشعب المصري في تلك المرحلة، سواء في الريف أو المدينة، في ظل انقسامه إلى طبقة الملاك الذين يملكون معظم الأراضي، وقوامها البكوات والمماليك والشيوخ والقضاة، وطبقة الفلاحين الذين لا يملكون سوى النزر اليسير من الأرض، مما يعني غياب الطبقة الوسطى التي تشكل عماد الوحدة الوطنية.
القسم السوري
في القسم السوري من الرحلة، يتناول فولني الحالين الطبيعية والسياسية في سوريا، فيلاحظ، في الأولى، أن تلك البلاد “ليست سوى سلسلة جبلية، تتوزع يميناً ويساراً انطلاقاً من فرع واحد رئيس”، وأنها مكونة من الحجر الجيري القاسي ذي اللون المائل إلى البياض والرنان مثل الحجر الرملي، وأنها “كمدرجات المسرح، وكل درجة منها هي صف من أشجار العنب والتوت”، وأن التربة في تلك الجبال تغلب عليها الطبيعة الصخرية، بينما هي في السهول “غنية دسمة وخفيفة وتبشر بخصوبة عالية”. ويلاحظ أن في سوريا تنوعاً مناخياً، فتجتمع مناخات مختلفة تحت سماء واحدة، وأن الهواء فيها خفيف ونقي وجاف على الجبال ورطب وثقيل في الساحل، وأن الرياح موسمية وهبوبها مرتبط باختلاف الفصول، أما المياه فنقية في الجبل، وأجاج في السهل، ومالحة في الصحراء.
ويستنتج، في الثانية، أي الحال السياسية، أن السكان في سوريا هم “بوتقة لخليط من السكان والأجناس”. وهم حصيلة الهجرات التي تعاقبت على تلك الأرض، خلال 2500 سنة، بدءاً من الأشوريين، مروراً بالكلدانيين والفرس والمقدونيين، وانتهاءً بالعرب القادمين من الجزيرة العربية، تحت راية الإسلام. ويقسم فولني هذا الخليط المتنوع، وفقاً لنمط العيش إلى السكان الرحل الذين “ليس لهم موطن ثابت، فهم يرحلون باستمرار بخيامهم وقطعانهم في مناطق محددة يعدونها أملاكاً لهم”، ويدرج في هذا القسم التركمان والكرد والبدو، من جهة، وإلى السكان الذين يعيشون من الزراعة، ويدرج في هذا القسم النصيرية والموارنة والدروز والمتاولة، من جهة ثانية.
ويورد جوانب من تواريخ هذه الفرق ومعتقداتها، ويرصد علاقاتها بالسلطة الحاكمة، ونقاط التقاطع في عقائدها الدينية. وهنا، يسقط في مغالطات معينة، فينسب إلى بعضها من السلوكيات والمعتقدات ما يتنافى مع الحقيقة، ولعله يقع ضحية المصادر التاريخية التي تُعوزها الدقة العلمية. على أنه، لا بد من الإشارة، في هذا السياق، إلى أن هذه الفرق هي من الأقليات الدينية، مما يعني أن فولني يقفز فوق الأكثرية الدينية، في معرض كلامه على الحال السياسية في سوريا، وهذا نقص كبير.
بناءً على ما تقدم، يُمكن القول إن “رحلة فولني إلى مصر وسوريا” مصدر تاريخي، للمرحلة التي يتناولها، وهو على قدر كبير من الموثوقية، مما يجعل المؤرخين والمهتمين يعودون إليه في بحوثهم ومؤلفاتهم، ويجعل قراءته محفوفة بالفائدة والإمتاع والمؤانسة.
