نقلت الضربة الإسرائيلية لمطار ” أبو الظهور ” العسكري في شمالي سوريا التوتر التركي –الإسرائيلي – إلى مرحلة تصاعدية جديدة ، تُقَرِّب أكثر فأكثر موعد المواجهة العسكرية المباشرة بين أنقرة وتل أبيب.
فتركيا لم تعد تتعامل مع سوريا باعتبارها ملفاً حدودياً أو جارا استراتيجيا، بل باعتبارها دولة تنتظر المساعدة في بناء قدراتها العسكرية والأمنية والاقتصادية والإعمارية، ومنع تل أبيب من فرض أي تغيير في البيئة التي تشكلت بعد سقوط نظام الأسد.
في حين إسرائيل لم تعد تنظر إلى الوجود التركي هناك باعتباره مجرد حضور لدولة مجاورة، بل محاولة لملء الفراغ الإيراني والروسي بالتنسيق مع اللاعب الأميركي ، في إطار بناء توازنات إقليمية جديدة ترى فيها إسرائيل تهديدا لحساباتها ومصالحها.
ماذا تريد إسرائيل من سوريا الجديدة؟ منع تركيا من التقدم؟ أم منع سوريا نفسها من استعادة دولتها وقدراتها ؟ أم أنها تريد أن تضمن أن أي نظام إقليمي جديد في المنطقة يبدأ من احتياجاتها وينتهي عند متطلباتها ؟
ما يجري في سوريا فصل سياسي وأمني جديد في قصة إقليمية أكبر: من يملك حق وضع قواعد الأمن والتوازنات في الشرق الأوسط الجديد؟
لم تضرب المقاتلات الإسرائيلية فقط مدرجاً أو منشأة عسكرية متروكة على مقربة من الحدود السورية – التركية ، بل استهدفت التحرك السوري- التركي المشترك الهادف لإعادة بناء الدولة . هي رسالة “التحديد المبكر” وعلى طريقة “الرد الاستباقي” لسقف ما يمكن أن تفعله وتمتلكه الدولة السورية من قدرات وأحلام مستقبلية.
إسرائيل لا تريد أن تنتظر اكتمال المعادلة ثم تتعامل معها؛ تريد التأثير في المعادلة قبل اكتمالها.
وصف المبعوث الأميركي توم باراك الضربة الإسرائيلية بأنها تصعيد غير ضروري، في حين بدأت واشنطن الدفع باتجاه آلية لمنع الاحتكاك بين إسرائيل وتركيا وسوريا. لكن مهمة واشنطن ستكون أكبر وأهم من ذلك ، فإسرائيل لا تتحرك فقط أمام خصم محتمل، بل أمام منطقة تتغير قواعدها.
مشكلة تل أبيب أنها تتحدث عن حماية أمنها في شرق أوسط متغير، لكن ما تحاول فعله هو منع الشرق الأوسط نفسه من إنتاج معادلات جديدة لا تكون إسرائيل الطرف الذي يضع قواعدها.
قد لا يكون السؤال الحقيقي هل تريد إسرائيل السلام؟ بل أي نوع من السلام ستقبل ولا تكون هي فيه صاحبة التفوق والكلمة الأخيرة في تعريف ما هو خط أحمر ومساس بأمنها القومي ، وما هو مسموح وما هو ممنوع؟
تريد إسرائيل أن تعرف مسبقاً شكل الدولة السورية التي ستخرج من الحرب، ونوع الجيش الذي ستبنيه، وحجم الدور الذي ستلعبه تركيا في إعادة تشكيل قدراتها، وحدود ما يمكن أن تفعله هذه الدولة عندما تستعيد قرارها. الهدف إذاً ليس فقط تواجدها أمام طاولة بناء سوريا الجديدة ، بل فرض نفسها على المعادلة الإقليمية التي تتشكل بعيدا عنها.
ومن هنا يمكن تفسير القلق الإسرائيلي: أن تصبح تركيا أقرب إلى الحدود الإسرائيلية، في حين كانت تل أبيب تخطط للاقتراب أكثر فأكثر من الحدود التركية . وربما يوضح هذا سبب مسارعة وزير الدفاع الإسرائيلي للانتقال من التحذير من الوجود الإيراني إلى التحذير المباشر من “المغامرات التركية التي تهدد أمن إسرائيل”.
وهنا تحديداً يصبح الحديث عن «Pax Israeliana» مهماً: ليس باعتباره سلاماً إسرائيلياً مفترضاً، وإنما باعتباره سؤالاً عن النظام الذي تريد إسرائيل أن تعيش فيه المنطقة؛ نظام لا تكون فيه إسرائيل جزءاً من توازن إقليمي، بل نظاماً تفرض هي فيه شروطها وتحدد مساحة وسقف تحرك الجميع.
ينتظر إسرائيل واقع استراتيجي صعب: سوريا تعيد بناء جيشها وتحصل على دفاع جوي أفضل وتستفيد من الخبرة العسكرية التركية. وبالتالي تتحول القواعد والمطارات التي دمرتها الحرب إلى بنية عسكرية سورية جديدة بشراكة تركية فاعلة.
وهنا تحديداً تبدأ المشكلة الإسرائيلية: دولة سورية أقوى، مدعومة تركياً وعربيا، ومقبولة أميركياً، تعني بيئة مختلفة تماماً عن سوريا الضعيفة التي اعتادت إسرائيل التعامل معها لعقود. وهذا هو الفهم الأقرب لسؤال لماذا تخشى إسرائيل سوريا الجديدة التي لم تولد بعد؟
“أبو الظهور” المكان الذي كان يرمز أمس إلى قوة نظام أرادت تركيا تغييرها، أصبح اليوم جزءاً من القوة السورية التي تريد تركيا المساعدة في بنائها. هي انعطافة تختصر سلسلة أطول من الرسائل المتبادلة وتقاطع ثلاثة مشاريع:
مشروع سوري يريد استعادة الدولة والسيادة.
ومشروع تركي يريد سوريا مستقرة وقادرة على حماية أمنها وحدودها.
ومشروع إسرائيلي يريد سوريا جديدة، لكن ضمن سقف أمني لا يسمح بظهور قدرات تعتبرها إسرائيل تهديداً.
والولايات المتحدة تقف بين هذه المشاريع الثلاثة، محاولة منع تحول التباين إلى صدام مباشر بين أنقرة وتل أبيب.
الاختبار الأميركي الحقيقي في سوريا هو صناعة مساحة وسطى: سوريا قوية بما يكفي للاستقرار، لكن دون أن تكون قوية بما يتحول إلى تهديد إسرائيل. وتركيا حاضرة في سوريا بما يكفي لدعمها، من دون أن تتحول إلى القوة التي قد تهدد إسرائيل. وتل أبيب تتخلص من حالة الفوضى السورية لكن من غير أن تصل الأمور إلى مستوى التعامل مع دولة سورية تملك قرارها.
لكن المشكلة هي أن محاولة تل أبيب فرض ما تريده قد يقودها للخروج بنتيجة عكسية؛ لأنها تحول الخلاف من سؤال عن الوجود العسكري إلى سؤال عن السيادة السورية، ومن خلاف تركي ـ إسرائيلي إلى اختبار لقدرة واشنطن على إدارة توازنات حلفائها، وربما إلى أحد أول الاختبارات الحقيقية للنظام الإقليمي الذي يتشكل في المنطقة.
ولهذا جاءت الضربة الإسرائيلية في توقيت حساس. فبدلاً من أن تساعد على تثبيت التهدئة التي تحاول واشنطن دفعها بين إسرائيل وسوريا، فتحت جبهة أخرى تتعارض مع حسابات واشنطن ومخططاتها.
كيف يمكن بناء دولة سورية قوية ومستقرة إذا كانت بعض أدوات القوة التي تحتاجها الدولة لاستعادة سيادتها تعتبرها إسرائيل تهديداً؟
نجحت إسرائيل خلال عقود في بناء تفوق عسكري إقليمي كبير، واستطاعت أن تجعل هذا التفوق جزءاً أساسياً من حسابات القوى الإقليمية والدولية. لكن الشرق الأوسط يتغير.
المشهد الإقليمي الجديد لا ينتج تحالفات ضد طرف بعينه بقدر ما ينتج محاولة لإعادة توزيع مصادر القوة. وهذا هو التحول الذي يقلق إسرائيل.
ففي هذا الشرق الأوسط المتعدد، يصبح السؤال الإسرائيلي أكثر تعقيداً: كيف تحافظ إسرائيل على تفوقها عندما يتزايد عدد القوى القادرة على التأثير في قواعد الأمن وبناء توازنات جديدة؟
لا تريد إسرائيل أن تكون جزءاً من النظام الإقليمي، بل تريد أن تصبح المرجع الذي يحدد معالم وقواعد عمل هذا النظام. لكن العقبة التي تعترض طريقها، هي أنها لم تعد تواجه في الشرق الأوسط القادم خصماً واحداً يمكن احتواؤه بضربة أو ردع دولة بعينها؛ بل مواجهتها لبيئة إقليمية جديدة موحدة .
“أبو الظهور” هو بوابة القصة الجديدة التي انطلقت في الثامن عشر من آب: إسرائيل ترفض مسار وضع قواعد الأمن في الشرق الأوسط الجديد.
ما يجري في سوريا اليوم ليس مجرد خلاف على قاعدة عسكرية، ولا احتكاك بين تركيا وإسرائيل، ولا حتى أزمة جديدة بين حليفين للولايات المتحدة؛ هو جزء من معركة أكبر على شكل الشرق الأوسط الذي ينتظره الجميع، تساعد أثينا على تحديد دورها الجديد فيه، وهي ترسل رئيس أركانها بعد ساعات من الاعتداء على “أبو الظهور” إلى تل أبيب لتذكير الجميع أن ساحة شرق المتوسط لن تسقط من الحسابات.
وهنا تحديداً سيكون الاختبار: هل تستطيع إسرائيل أن تنتقل من سؤال: كيف أمنع الآخرين من أن يصبحوا أقوياء؟ إلى سؤال: كيف أعيش بأمان وسط آخرين أصبحوا أقوياء؟
