في رواية “رحلات غوليفر”، لجوناثان سويفت، لا تبدو مملكة ليليبوت دولة فاشلة. على العكس، لديها إمبراطور ووزراء وجيش ومحاكم ومراسيم وقوانين، كلّ شيء يوحي بوجود دولة كاملة الأركان، ومع ذلك يكتشف القارئ سريعاً أنّ هذه المملكة الصغيرة مستغرَقة في نزاعات لا تنتهي حول مسائل رمزية وهامشية، إلى درجة أنّها تكاد تنسى السؤال المصيري الوحيد: “كيف نبني مستقبلاً مشتركاً؟”. وتتجلّى عبقرية الكاتب في إدراكه المبكّر أنّ المجتمعات تنشغل بالقضايا الصغيرة عندما تفقد القدرة على الاتفاق حول القضايا الكُبرى. عندها تتحوّل الهُويّة إلى ساحة المعركة الأخيرة، ويصبح الانتماء هو معيار الكفاءة الوحيد.
هذه ليست قصّة مملكة خيالية في القرن الثامن عشر تعاني حرباً اندلعت بسبب الطريقة الصحيحة لكسر البيضة، بقدر ما تمثّل إحدى الظواهر المتكرّرة في التاريخ، فبعد الحروب الكُبرى والانهيارات السياسية، لا تتنافس الجماعات على المستقبل بقدر ما تتنافس على تفسير الماضي، ومَن صاحب المظلوميّة الأكبر؟ ومَن يملك الشرعية؟ ومَن حرّر؟ تتقدّم هذه الأسئلة إلى الواجهة لتتراجع أسئلة الاقتصاد والتعليم والإدارة وإعادة الإعمار إلى الصفوف الخلفية. وربّما لهذا السبب تبدو ليليبوت اليوم أقرب إلينا في سورية ممّا نتصوّر، فالمشكلة لم تكن يوماً في شكل البيضة، بل في أنّ سكّان المملكة الصغيرة لم يعودوا قادرين على رؤية ما هو أكبر من البيضة نفسها.
في سورية، بعد سقوط الأسد، تبدو هذه المفارقة حاضرة بقوّة، فبعد أكثر من نصف قرن من حكم استبدادي وحرب مدمِّرة استمرّت سنوات طويلة، كان من الطبيعي أن تتصدّر أسئلة العدالة والمحاسبة والذاكرة المشهد العام، وهي أسئلة مفهومة في مجتمع خرج للتوّ من ثورة تبعتها حرب أهلية عميقة، لكنّها لا تستطيع وحدها أن تبني دولة أو اقتصاداً أو مؤسّسات، فالبلاد تحتاج نقاشاً آخر عن كيفية إدارة الدولة، وكيفية استعادة الثقة بالمؤسّسات والاقتصاد.
لم يكن سويفت يسخر من البيضة بقدر ما كان يسخر من المجتمعات التي تفقد قدرتها على الاتفاق حول المستقبل، فتستعيض عن ذلك بالاحتماء داخل الهُويّات والرموز والذكريات. كان أقزام ليليبوت مقتنعين بأنّ عالمهم هو العالم، وأن نزاعاتهم هي أهم نزاعات البشر، وأنّ الأسئلة التي تشغلهم تستحقّ أن تُخاض من أجلها الحروب، ومن أجلها تُعقد التحالفات وتُبنى العداوات. هذه ليست سخرية من الأقزام بقدر ما هي سخرية من المجتمعات التي تفقد القدرة على رؤية ما هو أبعد من حدود تجربتها الخاصّة، فالتاريخ مليء بلحظات انتقلت فيها السلطة من المركز إلى الأطراف، وتغيّرت معها صورة البلاد ونُخبها ولغتها السياسية، لم يحدث هذا في سورية فقط. في مثل هذه التحوّلات لا يكون الصراع مجرّد صراع على السلطة، بل صراعاً بين رؤى مختلفة: واحدة تشعر بأنّها صاحبة المدنية والخبرة والتجربة، وأخرى تشعر بأنّها صاحبة الحقّ التاريخي في الصعود بعد عقود من التهميش، فيحدث أن تتنافس الجماعات على احتكار تعريف الوطن بدلاً من التنافس على إعادة بنائه. وتُستنزف الطاقات في معارك الهُويّة والولاء والانتماء. فلا أحد يسأل كيف يعيش الناس، ولا كيف يزداد الفقراء فقراً أو كيف تتآكل الطبقات القادرة على حمل المجتمع إلى الأمام.
في المقابل، عندما تكون الطبقة الوسطى قوية يميل الناس إلى النظر نحو المستقبل. يفكّرون في تحسين شروط حياتهم وفي تعليم أبنائهم وفي فرص التقدّم الاجتماعي. أمّا عندما تبدأ هذه الطبقة في الانكماش، ويتراجع الأمل في الصعود الاقتصادي، يتغيّر مركز الثقل في المجتمع كلّه. ويتحوّل السؤال من كيف نبني حياة أفضل إلى أيّ جماعة أنتمي؟ ومَن يحميني؟ هنا تحديداً، تتحوّل الطائفة أو القبيلة أو المنطقة أو حتّى الجماعة الثقافية من هُويّة اجتماعية إلى ملاذ سياسي. ويبدأ الناس بالبحث في الجماعات الصغيرة عمّا عجزوا عن العثور عليه داخل الدولة، بعد أن فقدوا الثقة في قدرتها على تحسين حياتهم، لهذا أخطر ما تواجهه سورية اليوم تآكل الطبقة التي تربط بين الدولة والأفراد.
الطبقة الوسطى في المدن ليست مجرّد فئة اقتصادية، فهي الفضاء الذي يتعلّم فيه الناس أنّ مستقبلهم مرتبط بمستقبل المجتمع كلّه. وحين تضعف هذه الطبقة تتقدّم الهُويّات إلى الواجهة. في هذه اللحظة، تحديداً، لا تعود حروب البَيض في ليليبوت مجرّد نكتة أدبية، إنّها تصبح وصفاً لمجتمعات تنشغل بما يفرّقها، بينما يختفي بصمت ما كان قادراً على جمعها.
..سمر يزبك… كاتبة سورية،.. العربي الجديد
