تنتشر حلقات الطبخ وبرامجه الكثيرة المختلفة كما برامج الأغنيات والدردشة على منصات التواصل الاجتماعي. قد تكون هذه الظاهرة واجهة صراع طبقي، لهاث للعيش، كسب بطرق سريعة ومتاحة لا تتطلب أكثر من المهارات المتوارثة والطقوس المتداولة والحضور الشخصي في مهنة قديمة قدم الحياة. يحاول الأفراد الذين يطرقون باب هذه المهنة اختراق المجال العام المكرس لنجومه، وتثبيت وجودهم كحالات مستقلة.
لحكايات الطبخ في البيوت حضورها في جلسات السمر وتفاصيل الحياة، يتناقلها الأبناء والبنات عن الأمهات والجدات. وقد أصبحت هذه الحكايات مركز سوق عمل ضخم، تتخلله مواجهة بين التمويل الضخم الذي يحظى به نجوم الطهاة، وبين الطهاة المستقلين، وهم أفراد مهمشون بإمكانات عرض بسيطة يسعون إلى فرصة للعيش.
نرى الشيف وحيدا في مطبخه، يشرح في كل حلقة وصفة واحدة فقط، وغالبا ما يكون موظفا في مهنة أخرى، ويمارس هواية الطهي التي يحتاج إليها كمهنة ثانية لكي يكمل متطلبات الشهر. ونرى بين هؤلاء نموذج الأم التي تحول ساعات الطهي الواقعية لأفراد أسرتها إلى برنامج مفتوح.
في مطابخ النجوم يظهر جليا وجود طاقم فني كبير، مدير تصوير وإخراج وموسيقى وديكور ومقدم للبرنامج، وفي عالم الحالات الفردية والعائلية المنتشرة، نحن نعرف من اللحظات الأولى أن الابن غالبا هو المصور والمخرج والمحاور والمتذوق. تنظر الأم إلى ابنها فيأخذ ملعقته ويفتح فمه ويغمض عينيه ويذوب في النكهة. يتكثف في هذه اللحظات تعاطف المشاهدين مع الأم ودعمهم لها، يغدقون عليها القلوب والمدائح والمشاركات والتعليقات.
هذه الممارسات الاجتماعية والمهارات التقليدية التي ترافق تداول وصفة عبر الأجيال، هي من معايير إدراج هذه الوصفة في التراث الثقافي الإنساني غير المادي. الوصفة التي انتقلت من المطابخ إلى الموائد إلى الكتب.
رائد هذه الكتب في فن وتقنيات المطبخ والمواد الغذائية وعادات النظافة وحفظ الطعام من التلف والانتباه إلى الصحة العامة في المطبخ العربي هو بحسب الكثير من المهتمين في هذا المجال كتاب “الطبيخ” لابن نصر بن سيار الوراق من القرن العاشر، الذي أسماه “الوصلة إلى الحبيب ليستغني به عن علاج الطبيب”. كان الكتاب وقوفا عند طلب سيف الدولة الحمداني الذي أراد تجميع وصفات أطباق بعض الخلفاء العباسيين والسادة والقادة، كالمهدي والمتوكل والمأمون. وخصص وصفات للصائمين حسب الدين المسيحي، والأطعمة المناسبة للمرضى. وقدم نصائح لأنواع الأطعمة المناسبة لكل فصل من فصول السنة، ومنافع الطعام لعادات نوم صحي ولحياة جنسية ناجحة. وكرس قسما لآداب المائدة، وأكد معايير صارمة للنظافة والتخلص من الحشرات كالصراع مع الذباب.
وفي فرنسا، يحضر كتاب ” دليل الطهو” لأوغوست سكوفييه 1846-1935 الذي ارتبطت ثورة فن الطهو الحديث باسمه. صدر هذا الفن إلى العالم عبر قائمة الطعام الانتقائية على الكارت، وكان صاحب اقتراح لباس الطهاة للون الأبيض.
كان الطهاة في عهد الملكية، يعدون مآدب فخمة بملابس غير رسمية. وكانوا يهملون غسل أيديهم باستمرار، ويشربون الكحول، ويدخنون أثناء تحضير الطعام، كي يتحملوا مشقة العمل. وكانت بيئة المطبخ تجذب الزواحف والقوارض. فوضع القواعد وأرسى معايير العناية الواجبة في مكان العمل كما فعل الوراق وطور مع سيزار ريتز صاحب فنادق ريتز الشهيرة عالميا، علاقة السياحة بالخدمة الغذائية الراقية. هذا الطريق الصاعد نحو الاكتمال أوصله إلى أن تكون قائمة طعام الطبقة الراقية على متن سفينة “تايتانيك” في فيلم جيمس كاميرون مستقاة من قوائم أطباقه على السفينة الأصل في 2012.
كانت مشاهد تساقط وتحطم الأواني الفخارية والزجاجية في الفيلم، هي الإنذار بفاجعة غرق الباخرة وحلول الفوضى وانكسار كل هذا الاكتمال. وما الطهاة المستقلون اليوم، الذين يسبحون في الظل، سوى بدايات إعادة تشكيل تفاصيل وجزئيات الاكتمال الذي لا يكتمل. لا بد أن ننسى رشة ملح هنا ووردة على الطاولة هناك وكأس ماء.
بنفس البساطة التي ينسى فيها الكوارث والحروب حوالي ثلاثمئة مليون إنسان كانت لهم حياتهم وبيوتهم وموائدهم، حول مائدة برنامج الغذاء العالمي، ويدور العالم حولهم دورته المعتادة، يعتاد وجودهم ولا يعود يراهم.
تخاطب البرامج الضخمة المتخمة جمهورها العريض ولا تراه. هي الفرجة. ويخاطبنا الطهاة المستقلون بحرارة، الشيف الذي يبسمل قبل لمس الطعام ويبسمل بعد طهوه، وحين يتذوقه ينظر في عين الكاميرا فيرانا ويقول: غرام، فنبتسم له.
والشيف الشاب الجديد الذي دخل مطبخه المتواضع أمام أنظارنا منذ أيام، ووصل تعداد متابعيه عشرة آلاف خلال أسبوع، يعتمد طريقة طازجة في التواصل، ينظر إلى الكاميرا ويقول: أرجو أنني كنت وفيا لهذه الوصفة الشهية سيدتي
