حين أعلنت الإدارة المدنية للاحتلال الأميركي نقل السيادة إلى العراقيين في نهاية حزيران/ يونيو 2004 استجابة لقرار صدر من مجلس الأمن، فإن ذلك الإعلان الصوري لم يكن إلا محاولة لتشتيت الأنظار عن المقاومة العراقية التي توزّع الأميركيون أنفسهم في النظر إليها إلى فريقين.
الفريق الذي يؤيد مشروع احتلال العراق اعتبر تلك المقاومة تمرداً على الحكومة العراقية. أما الفريق المعارض لذلك المشروع فقد نظر إليها باعتبارها حقاً طبيعياً تمارسه الشعوب من أجل طرد القوات الأجنبية. وقد شبه الفريق الأخير حكومة “جلال طالباني/ إبراهيم الجعفري” بحكومة فيشي في فرنسا أيام الاحتلال الألماني.
وبغض النظر عن ذلك الاختلاف، فإن شيئاً ما على الأرض لم يتغير بعد إجراء انتخابات تشريعية عراقية، وإجراء استفتاء على دستور جديد، ثبت الأميركيون من خلاله مسألتين: الأولى تتعلق بفك ارتباط العراق بمحيطه العربي، والثانية أشرفت به على هلاكه حين اعتبرته دولة مكونات، من حق كل مكون أن يُدير ظهره إليها. وذلك ما استفاد منه الأكراد في بناء دولتهم المستقلّة بعلمها وحكومتها وقوانيها وجيشها من غير أن تُحرم من التمويل المالي. على سبيل المثال: يموّل العراق جيشاً كردياً هو “بيشمركة” لا يخضع لسلطة القائد العام للقوات المسلحة العراقية، وهو جيش سبق له أن حارب الدولة العراقية، ويمكن له أن يحاربها في أيّة لحظة.
أخلص من ذلك إلى أن المفهوم الذي طرحته سلطة الاحتلال الأميركي للسيادة الوطنية كان مضللاً ومائعاً، ولم يكن القصد منه إلا تطبيع الأوضاع التي نتجت عن تدمير الدولة العراقية وحلّ الجيش العراقي بكلّ ما اتسمت به من فوضى. كانت السيادة العراقية هي عنوان تلك الفوضى وواجهتها.
