علي حسين…. جريدة المدى
منذ انطلاق الاحتجاجات في الأول من تشرين الأول عام 2019 وأحزاب السلطة ظلت تردد أن المحتجين عملاء يريدون خراب البلاد، وسعت إلى شيطنة الاحتجاجات، وخرج من يعلن أمام الفضائيات أن التظاهرات تمولها أمريكا وحليفتها الصهيونية، وأن الذي سرق أموال العراقيين وأشاع الطائفية والمحاصصة وباع المناصب إنما هم الشباب المعتصمون في ساحات الاحتجاج، وأن تحرير ساحة التحرير والحبوبي وساحات البصرة والديوانية والمثنى بات مقدماً على تحرير العراق من الفساد والانتهازية، وأن فرض الهيمنة الكاملة على العراقيين له الأسبقية على تأمين مستقبل الشعب والخروج به إلى بر الأمان.
تشرين 2019 كان بمثابة الانتفاضة الشعبية التي اختطف شعلتها شباب بعمر الزهور، هذه الشعلة المتوهجة التي تلقفتها الجماهير فتدفقت في ساحات الوطن بعد أن تصور حيتان الخراب أنهم استطاعوا أن يحاصروا روح الاحتجاج والرفض في نفوس العراقيين، حيث قدموا لنا الدرس البليغ بالدفاع عن الحق والتمسك به والاستشهاد من أجله.
في مقابل إصرار الشباب على التغيير الحقيقي، كان هناك صراخ السلطة وأحزابها وحالة التلعثم والارتباك والتخبط التي هيمنت على الخطاب الرسمي بشأن مقتل أكثر من 800 متظاهر، ولم يهتم أحد بكشف غموض ما جرى في ساحات الاحتجاجات، وهل فعلاً كما ذكر السادة الناطقون أنها معركة بين مجاميع خارجة على القانون؟.
منذ سنوات ونحن نتحدث عن المؤامرة الكونية التي تلاحقنا، ونكاد ننشغل كل يوم في مغامرات التحليل السياسي، لكن يا سادة: من أوصلنا إلى مشهد قتل شباب أبرياء في ذي قار والبصرة وميسان وكربلاء والنجف؟، ومن قبله مشاهد مطاردة المتظاهرين في أحياء بغداد؟.. لماذا ننسى أن خطابات أحزابنا تعلمنا كل يوم أن لا شيء أمضى وأنفع من طعنة نجلاء في أجساد من لا يؤمنون بالديمقراطية التحاصصية؟.
اليوم نستذكر درس تشرين ونحن نعيش مع صولة السيد هادي العامري الذي ظهر ليشيد ويحيي سفك دماء شباب احتجاجات تشرين، بل أخبرنا وبكل أريحية أن احتجاجات تشرين كانت “فتنة” هدفها القضاء على النظام السياسي، ولعل الأخطر من حديث السيد العامري هو صمت الأجهزة القضائية التي لا تجرؤ أن تسأل السيد العامري: من يقف وراء مقتل 800 متظاهر؟. والأصعب من ذلك أن أخذ يدافع عن حديث السيد هادي العامري ليطالبنا بأن تتجرد أحاسيسنا من فضيلة الشعور بالأسى والألم تجاه معاناة الآخرين، ونرتضي أن نمارس دور المتفرج على مواطنين يُقتلون بدم بارد، ونضع رؤوسنا في الرمال إزاء جرائم قتل لشباب جريمتهم الوحيدة، الحلم بمستقبل آمن.
هكذا تحول موضوع خطير ومصيري في حياة العراقيين، وأعني به قتل المتظاهرين إلى مجرد تصريحات تفتقر إلى الحس الإنساني والموضوعية.