علي حسين… جريدة المدي
في فرنسا، بلد العجائب والغرائب، ظهرت خلال الأيام الماضية حركة احتجاج قام بها عشرات الآلاف من الشباب والطلبة والعمال والمهاجرين، للتنديد بارتفاع الأسعار. الاحتجاجات التي أشعل فتيلها طلاب المدارس اتسعت رقعتها إلى المدن الكبرى وأدت في النهاية إلى مواجهات وأعمال عنف ونهب للمتاجر، وكتب المتظاهرون منشورات على صفحات الفيسبوك وفي الصحف منحوا من خلالها درجة صفر لمعظم قادة فرنسا، فيما طالبوا الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بأن يقدم استقالته.
وكنت وأنا أتابع ما يجري في مدن فرنسا أسأل عن عدد القتلى الذين أطاحت بهم القوات الأمنية الفرنسية، فيأتي الجواب عبر وكالات الأنباء التي أشارت إلى تسجيل قتيل واحد خلال الاحتجاجات االكبيرة التي شهدتها فرنسا مؤخراً، وأتذكر الـ 700 شاب عراقي الذين قتلوا بدم بارد وبتحريض علني على مواقع التواصل الاجتماعي والفضائيات.
كنا في هذه البلاد نعيش مع تصريحات الكتل السياسية التي ظلت تردد من على شاشات الفضائيات وفي بيانات حماسية إن تظاهرات الشباب في ساحة الوطن حق مشروع.. لكنها في الوقت نفسه كانت تصم آذانها وعيونها عن الجرائم التي ارتكبت ضد المتظاهرين.
ولهذا يا عزيزي المواطن المغلوب على أمره لا تتعجب وأنت تسمع وتقرأ ما يكتبه البعض ضد الاحتجاجات التي انطلقت أمس في ساحة التحرير وبعض ساحات المدن العراقية، فقد عادت إلى الواجهة مفردة “الجوكر” وبدأت معها أحداث الفيلم المثير “تخوين المتظاهرين”.
تخيل جنابك أن مفردة “جوكر” ظلت تطارد شباب تشرين وقُتل الكثير منهم بسبب هذه العبارة تحت شعارات من عينة أن الجوكرية يريدون أن يبيعوا العراق إلى أمريكا، وسمعنا من يقول إن الجوكرية ينسقون مع إسرائيل لعقد صفقة، حتى تخيل المواطن العراقي البسيط أن المتظاهر في ساحة التحرير أو ساحة الحبوبي هو الذي نهب ثروات العراق، وهو الذي يمنع الكهرباء من أن تنير بيوت العراقيين، وهو السبب وراء انتشار المدارس الطينية، وغياب الخدمات الصحية، وانتشار أكوام القمامة في الشوارع والساحات، وهو المسؤول عن ارتفاع الدولار وتفشي البطالة في بلاد الرافدين.
في المقابل شاهدنا أرتال الساسة والمسؤولين الكبار في الدولة العراقية وهي تنتظر الإذن بدخول السفارة الأمريكية لتقديم التهاني للسفير الأمريكي الجديد “ستيفن فاغن” وليتسامروا مع كبار موظفي السفارة الأمريكية في بغداد ويبحثون معهم مستقبل العلاقات الثنائية بين بغداد وواشنطن، في الوقت الذي يخاف فيه المواطن العراقي أن يصافح موظفاً في السفارة الأمريكية.
إياك عزيزي القارئ من أن تظنّ أنّ “جنابي” يهدف إلى محاسبة ساسة البلاد، فالديمقراطية العراقية تقضي بأن يبقى المتظاهر العراقي يحمل لقب “جوكر عميل”، فيما ساسة البلاد ومسؤولوها يسعون للحصول على لقب “جوكر مُحسّن” بكل امتيازاته ونفوذه.