علي حسين… جريدة المدى
سمعنا في الأشهر الأخيرة حكاياتٍ عن الفساد، ولعل ما يلفت النظر أنَّ أصحابها دائماً ما ينهون حديثهم بجملة: “سنحارب الفساد”، إلّا أنَّ قصة طريفة عن الفساد استوقفتني وجدتها تكشف الحال الذي وصلنا إليه عندما قرر وكيل وزارة النفط عدنان الجميلي أن يصنع من قناني المياه بنوكاً متنقلة يضع فيها المليارات التي “لفلفها” في وضح النهار.
القصة على لسان مستشار سابق في مكتب رئيس الوزراء السابق حمد شياع السوداني، يقول فيها إنَّ شركة أجنبية قدمت مشروعاً لوزارة النفط لإنشاء مصافٍ نفطية، تحول الطلب إلى “الحباب” عدنان الجميلي الذي طلب من الشركة قبل النظر في الطلب أن تحول لحسابه مبلغاً كبيراً وبالدولار، وتشاء الصدف أنَّ أحد العاملين بالشركة يرتبط بصداقة مع السيد المستشار فعرض عليه الأمر، لعل تدخل رئيس الوزراء يحسم الأمر.. يضيف المستشار أنه اتصل بالسيد رئيس الوزراء وأخبره بما حصل للشركة من ابتزاز من قبل الوكيل عدنان الجميلي، فكانت إجابة رئيس الوزراء حاسمة: عدنان الجميلي موظف نزيه حصل على لقب الموظف المثالي . وأتمنى أن لا يسعى البعض لتشويه صورته.. هل انتهت الحكاية؟ لا يا سادة.. تمر الأيام وإذا بالأجهزة الأمنية تلقي القبض على عدنان الجميلي بعد أن حاول رشوة رئيس الوزراء الجديد (علي الزيدي)، وتمتلئ الفضائيات بأخبار سرقات الجميلي، ويعود المستشار السابق ليتصل برئيس الوزراء السابق ليذكره بحديثه عن عدنان الجميلي، فماذا تتوقعون كانت إجابة السيد رئيس الحكومة السابق؟ يقول المستشار إنَّ السيد السوداني قال له بالحرف الواحد: “يا أخي إني شمدريني؟ قابل هي خيارة حتى أشمها وأعرف إذا كانت تالفة أم صحيحة”.
جميع ساستنا كانوا يعرفون جيداً، أنّ العراق بحسب منظمة الشفافية العالمية يقع في المراكز الأولى في مؤشر الفساد المالي والإداري، ومثل هذا الفساد معروفٌ مَن يقف وراءه ولا يحتاج إلى عبارات مطاطية مثل “فساد ترفيهي” وتخويف العراقيين من إقامة حفلات أو حضور مهرجانات فنية.
كان المرحوم لي كوان يو مؤسس سنغافورة الحديثة يقول إنّ “تنظيف الفساد مثل تنظيف السلالم، يبدأ من الأعلى نزولاً للأسفل”. ولذلك تمكن أن يبني دولة متعددة الطوائف، لا تملك موارد طبيعية، لكنها تملك ضمائر مسؤولين أنقياء ومحبّين لوطنهم، لتتحوّل معه الجزيرة الفقيرة إلى واحدة من أغنى مدن العالم.
أخطر ما في الفساد أن ينتج لنا أشخاصاً أطلق عليهم عمنا علي الوردي ذات يوم اسماً طريفاً هو “النهّاب الوهّاب”، وهو نموذج للشخصية الفاسدة التي تستغل نفوذها الوظيفي أو الحزبي لنهب الأخضر واليابس، ثم تقوم هذه الشخصية بتوزيع فتات من الهبات على الفقراء من المواطنين من أجل أن يعيدوها إلى كرسي البرلمان.
23 عاماً ونحن نعيش في مجتمع يراد له ان يرفع لواء الطائفية، وخطباء يتحسسون من كلمة عراق ، وأحزاب تغذّي نفسها من أموال السحت الحرام، فيما المواطن وحيدٌ ينتظر من يؤمِّن له حياته وحاجياته وينشر الأمل والرفاهية.