لما أعلن الناشر خالد الناصري عن صدور كتابي “شتات”، عمل كعادته، على إبراز صفحة الغلاف، وكانت مستلة من مقالي في موقف جيل دولوز ممن يجعلون من الكتابة الأدبية تعبيرا عن شخصهم واستعادة لذكرياتهم. ومما جاء فيها: “ليست الكتابة هي أن تحكي ذكرياتك وأسفارك ومغامراتك العاطفية وأمراضك وأحزانك وأحلامك وأوهامك. أن تبالغ في الواقعية أو التخييل، فالأمران سيان: في الحالتين كلتيهما، يتعلق الأمر بحكاية بابا-ماما، والبنية الأوديبية التي نسقطها على الواقع، أو التي نستبطنها في الخيال. ففي نهاية المسار سيتعلق الأمر بالبحث عن أب، كما في الحلم، وذلك ضمن مفهوم عن الأدب يحيل إلى الطفولة. أكتب من أجل بابا-ماما. لا علاقة للكتابة بما هو شخصي، بل إن لها علاقة بالحياة. لكن الحياة أمر يتعدى الأشخاص، والانكباب على ما هو شخصي يحول بين الكاتب وبين أن يرى. أنت تكتب لأن شيئا من الحياة يمر عبرك. ليست الكتابة قضية أرشيفات وتوثيق. وليست مهمة الكاتب أن ينقب في أرشيفه. فأن يقتصر الأديب على طفولته وذكرياته الشخصية أمر لا يعني أحدا، بل قد لا تكون هناك جدوى من ورائه على الإطلاق. الكتابة شهادة للحياة ومن أجلها. ليست الكتابة تسجيل ذكريات، ولعلها، بالأولى، تفجير لها وللغة التي سطرت بها”.
اكتفى بعض المعلقين بقراءة هذه الورقة المستلة لكي ينهالوا على المقال بانتقادات لا تخلو من عنف، وحتى عندما كانت تلك الانتقادات تميل إلى شيء من اللطف، مثلما كتب أحد الأصدقاء: “ليت فلانا لم يقل ما قال”، فإنها كانت تدل على مدى التشبث بمفهوم بعينه عن الكتابة الأدبية.
ما أثار استغرابي هو أن نقد الموقف لم يصدر، عند أغلب المعلقين، عن اطلاع على المقال بأكمله، ولا، بالأحرى، عن الرجوع إلى ما قاله المفكر الفرنسي وما كتبه، وإنما عن دفاع، لا عن مفهوم بعينه عن الكتابة الأدبية وعن الهوية، بل “دفاع عن النفس”. كأن الموقف كان يمس المعلقين في “عقيدتهم” لا الأدبية وحدها، وإنما الهوياتية والأنثولوجية.
دفعني كل هذا بطبيعة الحال، إلى أن ألوم نفسي لكوني لم أعمل على توضيح كاف لموقف دولوز. فالفيلسوف الفرنسي، كما نعلم، لا يرفض رفضا مطلقا المفهوم الشائع عن الكتابة الأدبية والذي يقوم على “اعترافات” الكاتب وحديثه عما هو شخصي، ولا يستنكر وجوده، وإنما يبين أنه لا يفي بما يمكن أن تناط به الكتابة الأدبية.
توضيحا لذلك، لا بأس أن نعود إلى ما يقوله دولوز في حواره مع بارني، ولنبدأ بالفكرة الأساس، وهي أن الكتابة الأدبية عنده ليست نسجا لـ”هوية” ولا بناء لـ”ذات”. يقول: “السؤال ليس “من أنا؟” بل “ما الذي يحدث من خلالي؟” فليس مهماً أن يحكي الكاتب حياته. المهم أن يستطيع أن يجعل شيئا يمر عبر الكتابة، أن يجعل حدثا يمر، أن يجعل الحياة تبتكر شكلا جديدا”.
يتنافى هذا بطبيعة الحال مع المفهوم الذي يعتبر أن وظيفة الأدب وظيفة تعبيرية: “الكاتب لا يكتب ليعبر عن نفسه، ولهذا لا تكون الكتابة أبدا اعترافا. إنها دائما تحول”.
عندما يقول دولوز: “لا علاقة للكتابة بالشأن الشخصي”، فهو لا يعني مطلقا “أن الكاتب لا يضع في الكتابة روحه كلها”. فالكتابة، والأدب، يرتبطان بالحياة ارتباطا عميقا، لكن الحياة شيء يتجاوز الشخص. ولهذا لا نكتب من أجل الكتابة نفسها، بل “نكتب لأن شيئا من الحياة يمر عبرنا، أيا كان هذا الشيء. إننا نكتب من أجل الحياة، ولهذا نصير شيئا آخر. فالكتابة صيرورة، لكنها صيرورة نحو كل شيء، ما عدا أن تصبح أرشيفا”.
استبعادا لربط الأدب بـ”الأرشفة” والتوثيق، أورد دولوز نص الشاعر الروسي إيزوب مانديلستام الذي يقول فيه: “أجدني عاجزا تمام العجز عن فهم كُتاب مثل تولستوي، عاشق الأرشيفات العائلية بملحماتها القائمة على ذكريات مألوفة. أصر على القول: ذاكرتي ليست من حب، وإنما من عداء. وهي تعمل، لا على إعادة إنتاج الماضي، وإنما على استبعاده. بالنسبة إلى مثقف ينحدر من أصول وضيعة، الذاكرة لا يعول عليها. يكفي هذا المثقف أن يتحدث عن الكتب التي قرأها، كي تكون سيرة حياته قد تمت كتابتها. بينما تتخذ الملحمة عند الأجيال المحظوظة، شكل حكايات، ففيما يخصني هناك علامة فجوة. بيني وبين القرن تقوم هوة ممتلئة زمنا يعج صخبا. ماذا تعني الأسرة بالنسبة إلي؟ لست أدري. لقد ولدت متلعثمة، ومع ذلك كان لها ما تقوله. فيما يخصني، وما يخص معاصري، فإن تلعثم المولد يثقل علينا. لقد تعلمنا لا أن نتكلم وإنما أن نتلعثم. وبفضل إصغاء السمع للضوضاء المتصاعدة للقرن، تمكنا من أن نكتسب لغة”.
أمران يمكن استخلاصهما من هذا النص القوي: أولهما أن الذاكرة ليست قدرة على الإحياء والاستعادة بقدر ما هي قدرة على الاستبعاد، وأن الأدب ليس انشغالا وثائقيا و”أرشفة”. لغة الكتابة الأدبية ليست ترديدا لماض مخزن، ليست ذخيرة. الكتابة قوة تفجيرية، إنها تفكيك، وهي تفكيك للهوية واللغة قبل كل شيء. الأدب يتجلى في مظهرين، من حيث إنه يحدث شرخا في اللغة الأم، وأيضا من حيث إنه يبدع لغة في اللغة، إنه تلعثم في اللغة، ثم هو، كما يقول الخطيبي، “فقدان ما نملك”، بما في ذلك الهوية المتطابقة.
يعلق دولوز على هذا الموقف قائلا: “ما يقوم به الأدب في اللغة يتجلى بكيفية أكثر وضوحا: فالأدب، كما يقول بروست، يرسم في اللغة نوعا من اللغة الأجنبية، التي ليست لغة أخرى، ولا لهجة مستعادة، وإنما صيرورة اللغة آخر، سعي أقلي لهذه اللغة الأغلبية، هذيان يفرض ذاته، خط عجيب ينفلت من المنظومة المهيمنة”. عندما يدفع الكاتب اللغة حتى درجة التلعثم، فإنه لا يستعيد طفولته، وإنما يولد لغة، لا يستعيد طفولته، وإنما يصير طفلا. إنه لا يقول كنت الطفل الفلاني، وإنما كنت طفلا من غير تعريف. لا يعني ذلك أنه يحيي طفولته الشخصية، وإنما يصير طفولة عالم.
يفتتن دولوز بما أنجزه الأدب الأميركي في هذا المضمار، وبما تميز به من قدرة على إنتاج كتاب تمكنوا من أن يحكوا عن ذكرياتهم الخاصة، لكن كأنها كانت ذكريات شعب كوني يتكون من مهاجري البلدان جميعها. تلك، على سبيل المثال، حال توماس فولف الذي “يدون كل أميركا من حيث يمكنها أن توجد في تجربة إنسان واحد بعينه”.
إننا لا نتبين “أنا” دفينة فيما وراء الكتابة، وإنما هوة وفجوات. لذلك كتب مانديلستام: “بينما تتخذ الملحمة عند الأجيال المحظوظة شكل حكايات، ففيما يخصني هناك علامة فجوة. بيني وبين القرن تقوم هوة ممتلئة زمنا يعج صخبا”. الكتابة عمل “ضد الراهن” (L’inactuel،l’intempestif)، راهن الحاضر وراهن الماضي، كما كتب نيتشه. إنها انفصال وخلق مسافات، وإحداث فجوات. عن طريقها “يفقد الكاتب ما يملك”، وينفصل عن ذاته وعن لغته الأم، ليخوض تجربة عالم، ولتغدو لغته الأم كأنها لغة أجنبية.
