ملخص
يرى الكاتب أن ما تصفه واشنطن وبكين بـ”الاستقرار الاستراتيجي” ليس سوى حالة جمود تخدم الصين أكثر مما تخدم الولايات المتحدة. فبينما تنشغل إدارة ترمب مجدداً بأزمات الشرق الأوسط وتعيد إحياء نهج الانخراط الاقتصادي مع بكين، تستثمر الصين الوقت لتعزيز قدراتها العسكرية والتكنولوجية وتقليل اعتمادها على الخارج. ويحذر الكاتب من أن هذا الهدوء الظاهري يخفي تحولاً متزايداً في ميزان القوة لمصلحة الصين، ما قد يترك الولايات المتحدة أمام منافس أقوى في المستقبل وموقع أضعف لمواجهته.
خلال الولاية الثانية للرئيس الأميركي دونالد ترمب بات الهدوء الحذر هو السمة المميزة للعلاقات الأميركية – الصينية. وعلى رغم أن حكومتي البلدين تصفان هذا الوضع بأنه “استقرار استراتيجي بناء”، فإن العلاقات الأميركية – الصينية كانت هشة وسطحية للغاية، وتفتقر إلى الطموح أو إلى أي رؤية إيجابية من أي من الجانبين، لدرجة أنه من الأدق وصف المرحلة الحالية بأنها حالة جمود تقوم على “تعطيل متبادل مؤكد”. وفي المستقبل، سيكون السؤال الحاسم بالنسبة إلى الطرفين هو: من منهما يحسن الاستفادة من هذه الفترة الانتقالية على نحو أفضل
من جانبها، ترى بكين أن هذا الجمود يمثل انتصاراً لها، ودليلاً على أنها نجحت في ترسيخ مكانتها بوصفها نداً لواشنطن، كذلك فإنه يعد تأكيداً لصواب سياساتها المتبعة بعد إدارة ترمب الأولى، والمصممة لتمكينها من لعب دور الهجوم والدفاع في آن واحد مع الولايات المتحدة. ومنذ أن التقى ترمب بالزعيم الصيني شي جينبينغ في كوريا الجنوبية في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، تمثلت استراتيجية بكين في كسب الوقت والمساحة وتخفيف الضغط الأميركي بأقل تكلفة ممكنة، لكي تتمكن من تحصين نفسها استعداداً للجولة المقبلة من المنافسة. وعندما التقيا مجدداً في بكين في مايو (أيار)، على سبيل المثال، فإن المظاهر الاحتفالية والاحترام الذي حرص شي على إظهاره تجاه ترمب، إلى جانب بعض الصفقات التجارية المتواضعة، كانت ثمناً زهيداً مقابل المساحة التي حصلت عليها الصين للتحرك. ومن المفارقات أن مكانة الصين بوصفها القوة العظمى الثانية في العالم تساعدها على تحقيق مكاسب إضافية من دون تحمل المسؤوليات، والتكاليف، التي استنزفت موارد الحكومة الأميركية وأضعفت رغبة الشعب الأميركي في تبني مبادرات كبرى وجريئة في السياسة الخارجية.
ومع ذلك، لا تزال إدارة ترمب تصر على أنها الطرف الأفضل تموضعاً واستعداداً للاستفادة من هذا المأزق والفوز في المنافسة. وعلى رغم اختلاف ترمب عن أسلافه، إلا أنه يشبه إلى حد كبير رؤساء الولايات المتحدة التقليديين الذين أمضوا ولايتهم الثانية مركزين على السياسة الخارجية أكثر من القضايا الداخلية. ومع بلوغه الثمانين من العمر، يبدو ترمب منشغلاً بالمكانة التي سيحتلها في التاريخ العالمي. لكن ترمب نفسه يبدو عالقاً في التاريخ، إذ يعيد سياسة الولايات المتحدة تجاه الصين إلى نهج الانخراط الذي ساد في تسعينيات القرن العشرين وأوائل الألفية الثانية. فقد وضع التجارة في صدارة الأولويات، والأمن في الخلفية. ويبدو أنه أكثر قلقاً من زعزعة تايوان للاستقرار في مضيق تايوان مما هو قلق من أن تقوم بكين بذلك. وبالطبع، كرست الإدارة هذا العام جل اهتمامها وطاقتها لحرب أخرى في الشرق الأوسط، مكررةً بذلك نمط الانشغالات الذي طبع ربع القرن الماضي، ولكن من دون ذريعة مقنعة مثل تلك التي وفرتها كارثة 11 سبتمبر (أيلول) أو الصعود الدراماتيكي لتنظيم “داعش” بعد ذلك باثني عشر عاماً تقريباً. وإذا كان كل يوم من أيام هذا الجمود يعد “استراتيجياً”، فإن الولايات المتحدة تبدد قوتها الصلبة وتضعف قوتها العسكرية، بدلاً من تعزيزها، وفي الوقت نفسه، تدفع الموازنة الفيدرالية نحو مسار أكثر هشاشة وأقل قابلية للاستدامة.
انشغال مألوف
إن أكثر ما يثير القلق في سياسة ترمب تجاه الصين ليس طابعها المختلف وغير المسبوق، بل أنها تشبه إلى حد بعيد الأخطاء التي ارتكبها أسلافه. فالانشغال الأميركي بالشرق الأوسط يشكل مصدراً لتشتيت الانتباه عن المنافسة الأكثر أهمية مع الصين، وقد أقر بذلك جميع رؤساء الولايات المتحدة منذ أن أطلقت إدارة باراك أوباما خطتها الشهيرة “الاستدارة نحو آسيا” عام 2011، وهي الاستراتيجية التي بقي معظمها حبراً على ورق. ثم جاءت إدارة ترمب الأولى لتضع الصين في قلب استراتيجيتها للأمن القومي، وحتى إدارة ترمب الثانية أقرت، من الناحية النظرية، بأخطار الانجرار إلى تدخل جديد في الشرق الأوسط عندما أعلنت استراتيجيتها للأمن القومي في ديسمبر (كانون الأول) 2025. ومع ذلك، وجدت كل إدارة نفسها تنجذب إلى المنطقة وتعود إليها مجدداً بشكل قسري. فعلى سبيل المثال، أطال أوباما أمد الحرب في أفغانستان واضطر إلى التدخل في العراق لكبح جماح صعود تنظيم “داعش”. أما الرئيس جو بايدن فقد ضخ مزيداً من الموارد الأميركية في الشرق الأوسط بعد هجوم “حماس” على إسرائيل في السابع من أكتوبر. ثم بعد اثني عشر أسبوعاً فقط من إصدار استراتيجيته للأمن القومي، بادر ترمب إلى إشعال حرب الخليج الثالثة.
ويزعم بعض حلفاء الإدارة الأميركية أنه من خلال تركيز القوة العسكرية الأميركية، سواء المجازية أو الفعلية، على فنزويلا وإيران، فإن ترمب يضيق الخناق على حلفاء بكين ويحاصرها. لكن الحقيقة أن الصين كانت أكثر أهمية لإيران وفنزويلا مما كانت عليه أيٌ منهما بالنسبة إلى الصين. وفي أفضل الأحوال، لم تفعل واشنطن سوى إسقاط بعض البيادق على هامش رقعة الشطرنج الدولية، الأمر الذي يزعج بكين أكثر مما يقوض موقعها.
في الواقع، وبحلول موعد قمة ترمب وشي جينبينغ في مايو، أصبح واضحاً أن الشرق الأوسط لم يعد الساحة الرئيسة للتنافس بين القوى العظمى. وعلى رغم أن الحرب في إيران أظهرت الأهمية الاقتصادية الاستثنائية للمنطقة بسبب موقعها المحوري في سلاسل التوريد العالمية، فإن الدول الأكثر قدرة على تحمل أزمة الطاقة الناجمة عن هذا الصراع هي، ومن باب المفارقة، القوى العظمى الثلاث نفسها: الصين وروسيا والولايات المتحدة. ويعد هذا درساً لافتاً لنخبة السياسة الخارجية الأميركية، إذ يمثل خروجاً عن منطق الحرب الباردة، حين انتهج هنري كيسنجر “الدبلوماسية المكوكية” الشهيرة في الشرق الأوسط لتجنب أزمة نفطية، أو ما هو أسوأ، اندلاع صراع يجذب إليه الاتحاد السوفياتي والولايات المتحدة. كما أنه يمثل خروجاً عن الوضع الذي كان سائداً قبل عقد من الزمن، حين اضطرت الولايات المتحدة وروسيا إلى تنسيق عملياتهما في سوريا بطريقة تمنع التصادم بينهما، إذ كانت الأولى تحارب “داعش” في حين كانت الثانية تعمل على إبقاء نظام الأسد. أما اليوم، فلم يعد الشرق الأوسط ببساطة هو الساحة التي تخاطر فيها القوى العظمى بالاحتكاك ببعضها البعض.
وتدرك بكين هذا الأمر، ولذلك فهي تتخذ قراراً متعمداً بعدم الانخراط بصورة أكبر في المنطقة. وبدلاً من ذلك، تكتفي بمشاهدة رئيس أميركي آخر يهدر دماء الأميركيين وأموالهم وطموحاتهم وذخائرهم في المنطقة، وإدارة أميركية أخرى تضع سياستها تجاه الصين في مرتبة ثانوية مقارنةً ببقية أولوياتها في السياسة الخارجية، ساعيةً إلى الحفاظ على الاستقرار مع بكين لكي تتمكن من التركيز على إدارة الأزمات في أماكن أخرى.
مستقبل يعيدنا إلى الماضي
بصورة عامة، يبدو أن ترمب عازم على إعادة صياغة سياسة واشنطن تجاه الصين على وقع الماضي تحت شعار التوجه نحو المستقبل. فقد كان أحد أبرز نتائج قمة بكين الاتفاق على إنشاء مجلس للتجارة ومجلس للاستثمار، وكلاهما يبدو وكأنه استعادة لحقبة الانخراط والحوار الاقتصادي التي طواها الزمن في عهد إدارة ترمب الأولى. وقد ركزت نشرة الحقائق التي أصدرها البيت الأبيض بشأن القمة بشكل شبه حصري على التجارة والاتفاقيات الاقتصادية، متجاهلةً بوضوح عدداً كبيراً من القضايا الأمنية التي تعكر صفو العلاقة بين البلدين. ولم يكن هناك سوى تلميح وحيد إلى هذه المسائل، تمثل في موافقة على دعوة بكين إلى تحقيق “استقرار استراتيجي بناء”، ما يشير إلى أن الإدارة تفضل التجارة على المنافسة، وضمناً، إلى أنها تعطي الأولوية للاستقرار مع بكين على حساب مصالح حلفاء الولايات المتحدة وشركائها في المنطقة الذين يواجهون تنامي النفوذ الصيني، وعلى رأسهم اليابان وتايوان. وحتى المشاهد المصورة المصاحبة للقمة، ولا سيما حضور مجموعة من الرؤساء التنفيذيين الأميركيين، بدت وكأنها مقتطعة من حقبة سابقة من الوئام والتبادل التجاري في عهد الرئيسين الأميركيين بيل كلينتون أو جورج دبليو بوش. وبدلاً من السعي إلى تحقيق السلام من خلال القوة، فإن الإدارة تشتري الاستقرار من خلال التكيف وتقديم التنازلات.
ولا يظهر هذا النهج انشغال ترمب الضيق بعقد الصفقات فحسب، بل إن نهجه التجاري في السياسة الخارجية يمثل صورة مشوهة للنيوليبرالية التي كانت ركيزة صعود الصين وانضمامها إلى منظمة التجارة العالمية. وتشترك هاتان الرؤيتان [الصفقاتية الترمبية والنيوليبرالية] في أنهما تعتبران التجارة والتبادل الاقتصادي محور الثقل في العلاقات الدولية. لكن في نسخة ترمب، يصبح هذا التوجه شكلاً من أشكال القوة الصلبة المجردة من الغطاء الأيديولوجي المتعلق بالقواعد والمعايير والازدهار المشترك الذي كان يزين النهج السابق. وبالمثل، يبدو أن إدارة ترمب مرتاحة للنزعة التقنية التفاؤلية [الاعتقاد بأن التكنولوجيا قادرة على تحسين العالم تدريجياً وحل مشكلاته] التي كانت سمة أساسية لروح العصر في تسعينيات القرن العشرين. وكما كانت الحال آنذاك، منح خبراء التكنولوجيا اليوم، حتى الآن، حرية شبه مطلقة لتطوير قدراتهم إلى أقصى حد، على رغم التحذيرات الكارثية ونبوءات الدمار الصادرة عن كثيرين داخل القطاع نفسه. وفي الوقت نفسه، حول ترمب تدريجياً السياسة الأميركية من فرض قيود على الصادرات إلى تشجيع التصدير في ما يتعلق بالتقنيات المتقدمة الحيوية، وبخاصة أشباه الموصلات.
وهذا الشعور بتكرار تجربة الانخراط الماضية لا يتوقف عند هذا الحد. ففي ما يتعلق بتايوان، يبدو أن شي جينبينغ قد نجح في إقناع ترمب بالتركيز على ردع تايوان بدلاً من ردع الصين، في استعادة لنهج عام 2003 عندما حذر جورج دبليو بوش زعيم تايوان من تغيير الوضع القائم في المضيق. وتكمن المشكلة في أن هذا النهج لا يتناسب مع الديناميكية الحالية التي تتصرف فيها الصين بعدوانية متزايدة، فيما تحتاج تايوان إلى دعم قدراتها الدفاعية الذاتية. وسيشير أنصار ترمب إلى صفقة الأسلحة التاريخية التي أبرمتها الإدارة مع تايوان بقيمة 10 مليارات دولار في ديسمبر 2025، وتضمنت بالفعل معدات من شأنها تعزيز قدرة الجزيرة على الدفاع عن نفسها، باعتبارها دليلاً على أنها لا تزال ملتزمة بتوفير الحماية لتايوان. إلا أن أي أثر ردعي كان من المفترض أن تحققه هذه الصفقة قد قوض بسبب تصريحات ترمب لقناة “فوكس نيوز” التي وصف فيها تايوان بأنها “ورقة تفاوض” مع بكين. كذلك استغرق في التفكير علناً بمدى بعد الجزيرة والصعوبة التي سيواجهها الجيش الأميركي في القتال من أجل الدفاع عنها. وتشير تصريحات ترمب إلى استعداده لاستبدال سياسة الردع بسياسة عقد الصفقات، وقد بدأت بكين بالفعل في إحياء استراتيجيتها القديمة المتمثلة في تعليق التواصل وعرقلة المفاوضات مع واشنطن لانتزاع تنازلات، وهذه المرة من خلال تأجيل زيارة ثالث أكبر مسؤول في البنتاغون إلى الصين، إلى أن تحسم الولايات المتحدة قرارها بشأن صفقة الأسلحة التالية لتايوان.
وفي الوقت نفسه، تخلت استراتيجية الدفاع الوطني للإدارة عن أي حديث حول اعتبار الصين “تهديداً رئيساً”، وهو ما يعد خروجاً واضحاً عن استراتيجيات الدفاع الوطني التي تبنتها إدارة ترمب الأولى وإدارة بايدن. وقد رد وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث في خطابه في مايو الماضي خلال “حوار شانغريلا” في سنغافورة، بالقول إن المراقبين ينبغي أن يحكموا على الإدارة من خلال أفعالها لا أقوالها. لكن أفعال الإدارة نفسها اتسمت بالتساهل مع بكين، بما يوحي بأن صمت البيت الأبيض، في الواقع، يشير بالفعل إلى نهج يعتمد على الوقائع والمعطيات المادية في التعامل مع الصين.
وسواء كان هذا الصمت معبراً عن النوايا الحقيقية أم لا، فإن وزارة الدفاع الأميركية هي جهاز بيروقراطي ضخم يحتاج إلى توجيهات واضحة ومتسقة من القيادة السياسية العليا للحفاظ على تركيزه على أولويات القائد الأعلى للقوات المسلحة. وحتى في السنوات التي أعقبت تصنيف إدارة ترمب الأولى للصين كأولوية دفاعية قصوى، واجه الجيش الأميركي صعوبة في إعادة تركيز اهتمامه بعيداً من حروب الشرق الأوسط. وبحلول عام 2024، خلصت اللجنة المشتركة بين الحزبين التي كلفت بتقييم استراتيجية الدفاع الأميركية إلى أنه “في نواح عديدة، تتفوق الصين على الولايات المتحدة، وقد نجحت إلى حد كبير في إبطال التفوق العسكري الأميركي في غرب المحيط الهادئ”. وأشارت اللجنة أيضاً إلى أنه “من دون حدوث تغييرات جوهرية، سيستمر ميزان القوى في التحول لمصلحة الصين”. وبالنظر إلى النفقات التي تفرضها الحرب مع إيران، فإن العصا التي تلوح بها الولايات المتحدة تتضاءل قوتها وفاعليتها أكثر فأكثر.
الانضباط والازدهار
في الوقت نفسه، تستفيد الصين حالياً من عدة مزايا واضحة نابعة من مكانتها بوصفها القوة العظمى الثانية في العالم. والأهم من ذلك أن كونها “الرقم اثنين” يفرض قدراً من الانضباط على سياستها للأمن القومي. ففي حين تجد الولايات المتحدة نفسها مثقلة بالتزامات عالمية ومشتتة باستمرار بسبب أزمات في أقصى بقاع الأرض، تتمتع الصين برفاهية التركيز بصورة أساسية على كيفية منافسة الولايات المتحدة. وحتى كثير من التحديات التي تواجهها بكين في محيطها الجغرافي المباشر، مثل مطالبتها بتايوان، وتنافسها مع طوكيو، وعجزها عن تحقيق مطالباتها الإقليمية الواسعة بالكامل في بحر الصين الجنوبي، ترتبط جميعها بمنافستها مع واشنطن ضمن مسرح جغرافي واحد وهو منطقة المحيطين الهندي والهادئ. إن وجود مثل هذه النقطة المحورية يمنح بكين مبدأً تنظيمياً واضحاً لسياسة الأمن القومي الخاصة بها، ويسمح لها بإعادة هندسة ما يتعين عليها فعله بدقة لتقويض مزايا خصمها تدريجياً.
وتتجلى هذه الديناميكية بأوضح صورها وأكثرها إثارة للقلق في المجال العسكري. فالجيش الصيني ليس بحاجة إلى الاستعداد لعدة حالات طارئة حول العالم، وليس بحاجة إلى تحمل التكاليف أو التخطيط لتنفيذ عمليات معقدة في مسارح متعددة في الوقت نفسه. بدلاً من ذلك، انصبت مهمته الرئيسة الوحيدة لسنوات على الاستعداد للسيطرة على تايوان، وقد ذهب مخططوه إلى الافتراض، من باب الاحتياط، أنهم قد يضطرون في مثل هذا السيناريو إلى مواجهة أقوى جيش في العالم. وقد أحرزوا تقدماً ملحوظاً في هذا الصدد؛ إذ إن المجال الوحيد الذي لا يزال الجيش الأميركي يحتفظ فيه بتفوق على نظيره الصيني هو مجال الحرب تحت سطح البحر. وكما جادلت أنا وجون كولفر في صفحات “فورين أفيرز” سابقاً، فإن حتى عمليات التطهير الأخيرة التي نفذها شي جينبينغ ضد جيل كامل من القادة العسكريين، يجب النظر إليها باعتبارها دليلاً على مدى جديته في إعداد الجيش لاحتمال نشوب صراع مع الولايات المتحدة.
كذلك فإن مكانة الصين بوصفها القوة العظمى الثانية تتيح لها الاستفادة من ميزة أخرى تتمثل في مرونة نابعة من تدني سقف التوقعات تجاهها. ففي حين لا يزال القادة في منطقة المحيط الهادئ وأوروبا والشرق الأوسط يتوقعون أو يرغبون في أن توفر واشنطن الضمانات الأمنية لهم، فإنهم لا ينتظرون شيئاً مماثلاً من بكين. ففي كل قضية ساخنة رئيسة في هذا القرن، بدءاً من كوريا الشمالية الواقعة على حدود الصين، مروراً بالغزو الروسي لأوكرانيا، وصولاً إلى الحرب الحالية في الشرق الأوسط، نادراً ما تحركت الصين لتضطلع بدور قيادي حقيقي، ولم تدفع ثمناً مادياً يذكر مقابل هذا التحفظ البارد. وقد أصبح هذا التردد يبدو مثيراً للسخرية مع بلوغ القوة الصلبة الصينية مستويات هائلة، لكنه يعبر عن حسابات الصين بأنه، بصفتها القوة العظمى الثانية، يمكنها ويجب عليها أن تدير نفوذها بعناية.
وبطبيعة الحال، لا تزال بكين بحاجة إلى العالم الخارجي لتحقيق التنمية والازدهار الداخليين، لكن في أعقاب الحرب التجارية الأولى مع ترمب، عمل شي جينبينغ على تحصين الصين من خلال مفهوم “التداول المزدوج” [الدورة المزدوجة]، وهو مصطلح ثقيل الصياغة يعني، في جوهره، أن الصين ستسعى إلى جعل العالم أكثر اعتماداً عليها، مع تقليل اعتمادها هي على الخارج. واتبعت الصين أيضاً نسخةً مشوهة من السياسة الاقتصادية الأميركية، لكن بكين لم تكن متأكدةً من نجاحها حتى العام الماضي، حين حولت اعتماد الولايات المتحدة على المعادن النادرة إلى أداة ضغط فعالة، في أعقاب الرسوم الجمركية التي فرضها ترمب في ما سماه “يوم التحرير”. وفي الواقع، أثبتت أدوات الصين الجديدة فاعلية فاقت توقعات بكين نفسها. فمن وجهة نظرها، أجبرت هذه الأدوات الولايات المتحدة على القبول بحالة الجمود الحالية، وضمنت بقاء البلدين عالقين في حالة تعادل حتى نهاية هذا العام، وربما حتى نهاية ولاية ترمب.
وأصبح شعور الصين بالثقة بأنها تسير في الاتجاه الصحيح ملموساً بشكل واضح اليوم، فقد جسد شي جينبينغ هذه الثقة في الخطة الخمسية الأخيرة التي ستوجه مسار التنمية الصينية حتى نهاية العقد الحالي، داعياً مسؤوليه إلى التحلي بالشجاعة في مواجهة الشدائد واغتنام الفرص لتشكيل البيئة الدولية بما يخدم مصالح الصين. بل إن الخطة الخمسية خفضت هدف تعزيز الاكتفاء الذاتي في الصين من المرتبة الأولى إلى المرتبة الثانية ضمن الأولويات، في إشارة غير مباشرة إلى ثقتها المتزايدة بنفسها.
مفارقة القوة الصينية
على رغم هذه النجاحات، أشار كثير من المراقبين، عن حق، إلى أن المشكلات الاقتصادية التي تعاني منها الصين تشكل عبئاً على طموحاتها الدولية. ولكن، من المفارقات، أن بعض الاختلالات التي تصيب الاقتصاد الصيني المحلي تعزز نفوذ الصين الجيوسياسي على الساحة العالمية. فعلى سبيل المثال، إن ما يسمى بـ”التنافس الاستنزافي” في الصين، أي الديناميكية التي تقلل فيها المنافسة المحلية الشرسة من أرباح الشركات على رغم استمرار نموها، يؤدي إلى تغذية الانكماش وحرمان هذه الشركات من الموارد اللازمة لتطوير منتجاتها. ولكن في الوقت نفسه، تسهم هذه المنافسة والانكماش في انخفاض أسعار السلع الصينية في السوق الدولية، مما يسمح للشركات الصينية بتحقيق تقدم ملحوظ في الاستحواذ على حصص سوقية متزايدة، لا سيما في القطاعات الاستراتيجية مثل صناعة السيارات.
علاوة على ذلك، فإن بعض هذه المصاعب الاقتصادية ليست سوى ثمن مستوى المرونة والصمود الذي سعى شي جينبينغ إلى بنائه. فالتباطؤ الاقتصادي الحالي في الصين يظهر تراكم مجموعة من القرارات المتعمدة التي آثرت توجيه الموارد نحو الاستثمار في التقنيات المتقدمة، بدلاً من الإنفاق على برامج التحفيز الاقتصادي الرامية إلى تعزيز الاستهلاك المحلي. والرهان هو أن هذه الاستثمارات ستسهم في نهاية المطاف في تطوير محركات جديدة للنمو الاقتصادي. ومن المؤكد أن سياسة الصين الصناعية القائمة على جانب العرض ليست فعالة، وهي تحول الموارد بعيداً من المستهلكين الذين استنزفت ثرواتهم جراء التداعيات المستمرة لانهيار قطاع العقارات في الصين. لكن لا يبدو أن شي جينبينغ منزعج من معاناة المواطن الصيني العادي، وفي المحصلة العامة، أثبتت هذه السياسة فعاليتها في تعزيز قدرات الصين التصنيعية.
نتيجةً لذلك، فإن الاختلالات التجارية بين الصين وبقية العالم تتفاقم بوتيرة متسارعة، متجاوزةً تريليون دولار للمرة الأولى خلال العام الماضي. وقد دفع هذا عديداً من المحللين إلى توقع ردود فعل قوية من الحكومات الأجنبية. ولكن في حين اتخذت دول مختلفة، مثل المكسيك وتركيا، تدابير حمائية مضادة، لم تواجه بكين حتى الآن أي رد فعل منسق. ويبدو أن أوروبا عازمة بشكل متزايد على اتخاذ تدابير مضادة فعالة لمواجهة ما يسمى “الصدمة الصينية 2.0″، إلا أن بكين، بعد انتصارها في حربها التجارية مع واشنطن، صرحت بالفعل بأنها ستستخدم نفوذها لعرقلة أي تحرك أوروبي.
أخيراً، على رغم هيمنة التكنولوجيا المتقدمة والتصنيع على عملية صنع القرار الاقتصادي في الصين، إلا أن بكين لا تضع كل رهاناتها في سلة الذكاء الاصطناعي. بل تتبنى نهجاً استثمارياً متنوعاً، إذ تستثمر بكثافة في تقنيات واعدة أخرى، مثل الروبوتات والتكنولوجيا الحيوية، وبالطبع، مجموعة أنظمة الطاقة النظيفة. وبينما لا تزال وعود الذكاء الاصطناعي وإمكاناته مجرد وعود مستقبلية غير مكتملة على أرض الواقع، فإن كثيراً من التطبيقات التي تدعمها بكين تحقق فوائد اجتماعية ملموسة اليوم، وتستفيد منها شركاتٌ تتحول بسرعة إلى شركات عملاقة عالمياً، مثل “بي واي دي”. بعبارة أخرى، بدأت الصين تجني بالفعل ثماراً كثيرة من التقنيات الناشئة.
تراجع القوة
جادل معلقون مثل أ. ويس ميتشل، مساعد وزير الخارجية السابق لشؤون أوروبا وأوراسيا في إدارة ترمب، بأن الإدارة الأميركية تعمل على تعزيز النفوذ الأميركي استعداداً لمنافسة مع الصين على المدى الطويل. مع ذلك، لا يوجد دليل يذكر على هذا الجهد على الصعيد الداخلي، باستثناء المساعي الجديرة بالثناء التي يبذلها البيت الأبيض لتقليل اعتماد الولايات المتحدة على الصين في توفير العناصر الأرضية النادرة. فحتى قبل شن الحرب على إيران، كان الجيش الأميركي لا يملك مخزوناً كافياً من الذخائر لمواجهة أي سيناريو طارئ يتعلق بالصين؛ والآن، يرى الخبراء أن الولايات المتحدة ستستغرق سنوات حتى تعيد مخزونها العسكري إلى مستويات ما قبل الصراع الإيراني.
وستكون الموارد المالية اللازمة لهذا المسعى محدودة أيضاً: فمشروع القانون “الكبير والجميل” الذي أقر الصيف الماضي، وخفض الضرائب وأسهم في ارتفاع العجز، أدى إلى حرمان الإدارات اللاحقة من الهامش المالي الذي ستحتاج إليه للاستثمار في المنافسة مع الصين. (حالياً، يتجاوز الدين العام الأميركي الناتج المحلي الإجمالي للبلاد). وقد زعم مسؤولون في الإدارة أن سياسات ترمب التجارية أدت إلى انخفاض ملحوظ في الواردات الأميركية القادمة من الصين، لكن من غير الواضح كيف يعزز هذا الواقع قوة واشنطن أو موقعها الاستراتيجي في مواجهة بكين، لا سيما مع استمرار تضخم الفائض التجاري الصيني واحتفاظ بكين بسيطرتها على العناصر الأرضية النادرة وعلى سلاسل التوريد الحيوية الأخرى، مثل الأدوية.
وبدلاً من تعزيز النفوذ الأميركي، تكتشف الإدارة حدود هذا النفوذ. فهناك أوجه تشابه جديرة بالملاحظة بين الحرب التجارية التي خاضتها إدارة ترمب مع الصين في السنة الأولى من ولايتها، والحرب مع إيران التي تستنزف السنة الثانية من ولايتها. وفي كلتا الحالتين، استهانت الإدارة بشكل كبير بصمود خصمها وقدرته على الرد، ثم صعدت الموقف بسرعة وحزم قبل أن تدرك أن الطرف الآخر يسيطر على نقاط اختناق رئيسة، مما دفع الإدارة في نهاية المطاف إلى السعي نحو حل دبلوماسي. لا يمكن للولايات المتحدة أن تتحمل هذا النوع من التعلم من خلال التجربة والخطأ.
في غضون ذلك، تواصل الصين المضي قدماً بثبات في تنفيذ خطتها الخمسية التي قد تمكنها من التفوق على الولايات المتحدة وحلفائها في عدد متزايد من مجالات التكنولوجيا المتقدمة والتصنيع الحديث. وحتى لو لم تحقق الخطة الخمسية أهدافها واستمرت مشكلات الصين الاقتصادية من دون حل، فستظل الصين منافساً قوياً ودائماً للولايات المتحدة، مما سيجبر أي إدارة أميركية مستقبلية على مواجهتها في نهاية المطاف، ولكن من موقع أضعف.
جوناثان تسن يشغل كرسي مايكل أتش. أرماكوست لدراسة السياسات الخارجية في مركز الصين بمعهد بروكينغز، وهو مقدم مشارك لبودكاست “موجز بكين”. وقد شغل منصب مدير شؤون الصين في مجلس الأمن القومي الأميركي بين عامي 2021 و2023، وعمل سابقاً ضمن “خدمة التحليل العليا” في وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية.
مترجم عن “فورين أفيرز”، 15 يونيو (حزيران) 2026
