ملخص
ظهر حجم التحول في المقاربة البريطانية بصورة أوضح في نظام تسجيل النفوذ الأجنبي، المعروف اختصاراً بـ “FIRS” الذي دخل حيز التنفيذ في يوليو (تموز) 2025 بموجب قانون الأمن القومي لعام 2023. ويتكون النظام من مستويين، أحدهما يتعلق بأنشطة التأثير السياسي الأجنبية، بينما الآخر هو المستوى المعزز، المخصص للدول والجهات التي ترى الحكومة البريطانية أن أنشطتها تستدعي إجراءات إضافية لحماية الأمن القومي. وأدرجت بريطانيا إيران ضمن هذا المستوى.
لم تعُد المخاوف البريطانية من الأنشطة الأمنية والاستخباراتية الإيرانية داخل المملكة المتحدة مقتصرة على التجسس ومراقبة المعارضين والصحافيين الإيرانيين أو تهديدهم، إذ تشير سلسلة تطورات أمنية وتشريعية خلال الأعوام الأخيرة إلى اتساع نطاق التهديدات التي تنسبها السلطات البريطانية إلى طهران ووكلائها، لتشمل استخدام شبكات إجرامية ووكلاء محليين، وشن هجمات سيبرانية على البنية التحتية، وصولاً إلى التحقيق في احتمال وجود صلة إيرانية بحادثة أمنية قرب قاعدة جوية بريطانية تستخدمها القوات الأميركية
ويكشف تتبّع هذه الملفات، فضلاً عن تقارير لجنة الاستخبارات والأمن في البرلمان البريطاني وتقييمات جهاز الأمن البريطاني (MI5)، عن أن لندن لم تعُد تنظر إلى النشاط الإيراني على أراضيها على أنه مجموعة حوادث منفصلة، بل على أنه تهديد متشعب ومترابط يستدعي أدوات أمنية وقانونية طُورت بصورة متزايدة لمواجهة أنشطة الدول ووكلائها.
وتبرز “قاعدة فيرفورد” الجوية التابعة لسلاح الجو الملكي البريطاني (RAF Fairford) في غلوسترشير بوصفها أحدث اختبار لهذا التحول، بعدما فتحت شرطة مكافحة الإرهاب تحقيقاً في تحركات مريبة قرب القاعدة الاستراتيجية التي تستخدمها القوات الجوية الأميركية.
وجاءت القضية في سياق شديد الحساسية، بعدما استخدمت القاعدة في عمليات عسكرية أميركية مرتبطة بالحرب مع إيران، فيما سبق للحرس الثوري الإيراني أن حذر من أن القواعد المستخدمة في شن عمليات ضد الأراضي الإيرانية يمكن أن تُعد أهدافاً مشروعة.
فيرفورد… التحقيق يصل إلى إيران
بدأت القضية، وفق المعلومات التي نشرت عن التحقيق، بعدما أبلغ أحد السكان المحليين عن ثلاث مركبات “فان” (van) بيضاء وأشخاص ملثمين يتحركون بصورة مريبة قرب القاعدة. وأوقفت شرطة مكافحة الإرهاب خمسة رجال للاشتباه في الإعداد لعمل إرهابي وارتكاب مخالفات مرتبطة بقانون المتفجرات.
وأفرج لاحقاً عن المشتبه فيهم بكفالة مع استمرار التحقيقات، فيما أفادت المعلومات المعلنة بأن الشرطة لم تعثر على متفجرات قابلة للاستخدام داخل المركبات. وأول من أمس الخميس، أفادت وكالة “رويترز” بأن شرطة مكافحة الإرهاب البريطانية أعلنت توقيف مشتبه فيه سادس، وهو شاب يبلغ 25 سنة ويحمل الجنسيتين البريطانية والإيرانية، للاشتباه في التحضير لأعمال إرهابية، مما وسع نطاق التحقيق في القضية.
لكن القضية اتخذت بعداً سياسياً وأمنياً أكبر بعدما أعلن رئيس الوزراء البريطاني آندي بيرنهام وجود مؤشرات قوية إلى احتمال ضلوع إيران في الحادثة، في وقت تواصل السلطات البريطانية التحقيق في احتمال ارتباط المشتبه فيهم بجهة أجنبية. وفي المقابل، نفت طهران أية علاقة لها بالواقعة.
لكن أهمية القضية تتجاوز فيرفورد نفسها. فإذا أثبت التحقيق وجود توجيه أو تمويل إيراني، فإن ذلك سيشكل تطوراً نوعياً في طبيعة الأنشطة المنسوبة إلى طهران داخل بريطانيا، وانتقالاً من استهداف الأفراد والمؤسسات المدنية إلى احتمال استهداف منشأة عسكرية ترتبط مباشرة بالعمليات الأميركية.
التهديد بدأ من المعارضين
لم تبدأ المواجهة الأمنية البريطانية مع إيران من القواعد العسكرية أو البنية التحتية، بل من المعارضين والصحافيين الإيرانيين المقيمين في المملكة المتحدة الذين تحول استهدافهم خلال الأعوام الأخيرة إلى أحد أبرز أوجه ما تصفه الأجهزة والمؤسسات البريطانية بـ”القمع العابر للحدود”.
وفي يوليو (تموز) عام 2025، نشرت لجنة الاستخبارات والأمن في البرلمان البريطاني تقريراً موسعاً عن إيران، خلص إلى أنها تمثل تهديداً واسع النطاق ومستمراً ولا يمكن التنبؤ به، وحدد التقرير التهديدات الجسدية ضد المعارضين والمنتقدين الإيرانيين باعتبارها أحد أبرز الأخطار المباشرة التي تواجهها بريطانيا.
وتندرج هذه الممارسات ضمن ما يعرف بـ”القمع العابر للحدود”، أي استخدام دولة ما أجهزة الأمن والاستخبارات أو أطرافاً تعمل بالنيابة عنها لمراقبة المعارضين والمنتقدين خارج أراضيها وترهيبهم أو إسكاتهم، وصولاً في بعض الحالات إلى التخطيط لخطفهم أو قتلهم.
وتظهر البيانات البريطانية أن حجم المشكلة أخذ في الاتساع خلال فترة زمنية قصيرة. ففي فبراير (شباط) 2023، أعلنت لندن أن السلطات تعاملت، منذ بداية عام 2022، مع 15 تهديداً موثوقاً به لقتل أو خطف بريطانيين أو أشخاص مقيمين في بريطانيا نُسبت إلى النظام الإيراني.
وبحلول أكتوبر (تشرين الأول) 2024، أعلن المدير العام لـMI5 أن الأجهزة البريطانية تعاملت منذ يناير (كانون الثاني) 2022، مع 20 مخططاً مدعوماً من إيران تنطوي على تهديدات محتملة للحياة. وفي تقييم لاحق، تحدث الجهاز عن أكثر من 20 مخططاً محتملاً بطبيعة قاتلة ومدعوماً من إيران خلال عام واحد.
ويبرز الصحافيون العاملون في وسائل الإعلام الناطقة بالفارسية، إضافة إلى المعارضين للنظام الإيراني على اختلاف توجهاتهم، بين أكثر الفئات تعرضاً لهذه التهديدات والضغوط.
وبحسب تقرير لجنة الاستخبارات والأمن، لم تقتصر الضغوط على الصحافيين والمعارضين المقيمين في بريطانيا، بل امتدت إلى أفراد من عائلاتهم داخل إيران. وأورد التقرير أن أقارب بعض الصحافيين تعرضوا للاستدعاء والاستجواب والتهديد بسبب عمل ذويهم في مؤسسات إعلامية داخل بريطانيا.
وهذه الآلية تمنح مفهوم “القمع العابر للحدود” بعداً يتجاوز محاولة الوصول جسدياً إلى المعارض أو الصحافي في بريطانيا، إذ يمكن ممارسة الضغط عليه من خلال أفراد عائلته الموجودين داخل إيران.
وتشير التقييمات البريطانية أيضاً إلى أن التهديد نفسه قد يؤدي وظيفة أمنية وسياسية من خلال دفع المستهدفين إلى تغيير سلوكهم، إذ لفت رد الحكومة البريطانية على تقرير لجنة الاستخبارات والأمن إلى تقارير تفيد بأن الترهيب دفع بعض أفراد الجالية الإيرانية في المملكة المتحدة إلى تقليل تواصلهم الاجتماعي، وتخفيف انتقاداتهم لطهران أو الحد من نشاطهم في القضايا الإيرانية الحساسة.
وبهذا المعنى، يصبح الخوف نفسه أداة من أدوات القمع العابر للحدود، إذ لا يقاس نجاح التهديد فقط بتنفيذ عملية اغتيال أو خطف، وإنما أيضاً بقدرته على فرض رقابة ذاتية على الصحافي أو الناشط ودفعه إلى الصمت أو تقليص نشاطه، ضمن نهج تتبعه أجهزة الأمن والاستخبارات الإيرانية، وفي مقدمتها وزارة الاستخبارات والأجهزة التابعة للحرس الثوري، في ملاحقة المعارضين خارج البلاد منذ عقود.
وبلغت المخاوف الأمنية المرتبطة بوسائل الإعلام مستوى دفع قناة “إيران إنترناشيونال” في فبراير 2023 إلى نقل عمليات بثها موقتاً من لندن إلى واشنطن، بعدما قالت شرطة العاصمة إن مستوى التهديد الذي يواجه العاملين فيها جعل استمرار العمل من مقرها البريطاني بالصورة المعتادة غير ممكن أمنياً.
لكن التهديد لم يكُن نظرياً وحسب، إذ سبقت ذلك عمليات مراقبة واستطلاع استهدفت مقر القناة في لندن. وفي إحدى أبرز القضايا، حكمت محكمة بريطانية على ماغوميد حسين دوفتييف، وهو نمسوي من أصل شيشاني، بالسجن ثلاثة أعوام ونصف العام، بعدما دين بجمع معلومات وصور عن مقر قناة “إيران إنترناشيونال” وترتيباته الأمنية.
وأظهرت القضية أن مرحلة التنفيذ، في هذا النوع من العمليات، قد تسبقها عملية استطلاع دقيقة للمكان والأشخاص والإجراءات الأمنية المحيطة بهم، مما يوفر حلقة مهمة لفهم طبيعة المخططات التي تقول الأجهزة البريطانية إنها واجهتها.
قضية الصحافي الإيراني… من الاستخبارات إلى المحكمة
وقدمت قضية الصحافي بوريا زراعتي مثالاً أكثر وضوحاً على انتقال بعض هذه الاتهامات من التقارير الاستخباراتية إلى قاعات المحاكم. ففي مارس (آذار) عام 2024، تعرض زراعتي، وهو مقدم برامج في قناة “إيران إنترناشيونال”، للطعن خارج منزله في ويمبلدون جنوب غربي لندن.
وبعد تحقيقات امتدت لأكثر من عامين، دين رجلان رومانيان بالمشاركة في الهجوم، قبل أن تصدر بحقهما أحكام بالسجن خلال صيف 2026. واكتسبت القضية أهمية تتجاوز إدانة المنفذين، بعدما قالت القاضية التي أصدرت الحكم إن الأدلة تشير بصورة طاغية إلى أن الاعتداء نُفذ نيابة عن السلطات الإيرانية.
كذلك، كشفت القضية عن جانب من التكتيك الذي تحذر منه الأجهزة الأمنية البريطانية، وهو استخدام منفذين لا يرتبطون بالضرورة بصورة تنظيمية أو أيديولوجية مباشرة بإيران، ويمكن تجنيدهم لتنفيذ مهمة محددة مقابل المال، وهو نمط رصدته الأجهزة الأمنية البريطانية والأوروبية في عدد من العمليات والمخططات المنسوبة إلى طهران.
الجريمة المنظمة بوصفها أداة دولة
يمثل استخدام الشبكات الإجرامية أحد أبرز التحولات التي ترصدها الأجهزة الأمنية الأوروبية في أساليب عمل الاستخبارات الإيرانية. فبدلاً من الاعتماد حصراً على ضباط استخبارات أو عناصر يمكن ربطهم مباشرة بمؤسسات الدولة، تتيح الاستعانة بمجرمين ووسطاء وشبكات إجرامية عابرة للحدود إيجاد مسافة فاصلة بين الجهة التي تخطط للعملية أو توجهها وبين منفذيها على الأرض.
ويوفر هذا الأسلوب لطهران، بحسب التقييمات الأمنية البريطانية، مساحة أوسع لإنكار مسؤوليتها، ويجعل مهمة المحققين أكثر تعقيداً، إذ يمكن أن تمر التعليمات والأموال عبر حلقات عدة قبل وصولها إلى المنفذ النهائي.
ولم تعُد هذه المسألة محصورة في التقييمات الاستخباراتية، ففي مايو (أيار) الماضي أعلنت لندن حزمة عقوبات جديدة على أفراد وكيانات إيرانية قالت إنها مرتبطة بأنشطة تشكل تهديداً للأمن القومي البريطاني، وأشارت في معرض تبرير الإجراءات إلى استخدام طهران عصابات إجرامية لتنفيذ تهديدات في الخارج واستهداف المعارضين.
وتكتسب هذه الإشارة أهمية تتجاوز العقوبات نفسها، إذ تعكس انتقال مسألة الاستعانة بالجريمة المنظمة من تقديرات الأجهزة الأمنية والتحقيقات المنفردة إلى جزء معلن من توصيف الحكومة البريطانية لطبيعة التهديد الإيراني.
وبرز هذا النمط أيضاً في التحقيقات المتعلقة بهجمات استهدفت مصالح يهودية وإيرانية معارضة في بريطانيا. ففي مارس (آذار) الماضي، أُحرقت أربع سيارات إسعاف تابعة لمنظمة “هاتزولا” اليهودية التطوعية في غولدرز غرين شمال لندن، مما تسبب في أضرار كبيرة. وأعلنت جماعة تطلق على نفسها اسم “حركة أصحاب اليمين الإسلامية” مسؤوليتها عن الهجوم، فيما حققت الأجهزة البريطانية في ارتباطها بإيران، وأقر أربعة رجال لاحقاً أمام محكمة “أولد بيلي” بمسؤوليتهم عن عملية الحرق.
وفي يوليو (تموز) الماضي، انتقلت الحكومة البريطانية إلى مستوى قانوني جديد، عندما صنّفت “الحرس الثوري” و”حركة أصحاب اليمين الإسلامية”، فضلاً عن “فيلق المتطوعين” التابع للاستخبارات العسكرية الروسية، باعتبارها كيانات تشكل تهديداً للأمن القومي، بموجب الصلاحيات الجديدة التي أتاحها قانون الأمن القومي (تهديدات الدول) لعام 2026.
ودخل التصنيف حيّز التنفيذ رسمياً في الـ17 من يوليو الماضي بعد موافقة البرلمان، لتصبح مساندة هذه الكيانات أو مساعدتها أو الحصول منها على منافع مادية، وفق الحالات التي يحددها القانون، جرائم جنائية يمكن أن تصل عقوبتها إلى 14 عاماً سجناً. وتصف الحكومة البريطانية آلية التصنيف الجديدة بأنها مكافئة لحظر المنظمات بموجب قانون الإرهاب لعام 2000، لكنها صُممت خصيصاً لمواجهة تهديدات الدول الأجنبية والكيانات والوكلاء المرتبطين بها.
التهديد ينتقل إلى الفضاء السيبراني
وإضافة إلى التهديدات الجسدية، توسع نطاق المخاوف البريطانية ليشمل البنية التحتية الحيوية. ففي الماضي، تعرضت منشأة صغيرة لإنتاج الكهرباء في بريطانيا لهجوم إلكتروني أدى إلى توقفها أربعة أيام، قبل أن تتمكن فرق التشغيل من استعادة أنظمتها.
وأكدت وزارة أمن الطاقة وصافي الانبعاثات وقوع الحادثة، لكنها شددت على أن المنشأة محدودة الحجم، وأن الهجوم لم يعرّض شبكة الكهرباء الوطنية للخطر ولم يؤدِّ إلى انقطاع واسع في الإمدادات.وربطت تقارير صحافية استندت إلى مصادر أمنية الهجوم بقراصنة على صلة بطهران، من دون إعلان حكومي نهائي يحمّل الدولة الإيرانية رسمياً المسؤولية.
فالهجمات السيبرانية التقليدية غالباً ما تستهدف سرقة البيانات أو التجسس أو تعطيل المواقع الإلكترونية، أما اختراق أنظمة التحكم الصناعية مثل وحدات التحكم المنطقية القابلة للبرمجة المعروفة اختصاراً بـ”PLC”، فيفتح المجال أمام إحداث أضرار مادية فعلية. وبذلك تنتقل العملية من اختراق العالم الرقمي إلى التأثير المباشر في منشأة على الأرض.
من التهديد الأمني إلى تشديد الرقابة على النفوذ الإيراني
ويظهر حجم التحول في المقاربة البريطانية بصورة أوضح في نظام تسجيل النفوذ الأجنبي، المعروف اختصاراً بـ “FIRS” الذي دخل حيز التنفيذ في يوليو 2025 بموجب قانون الأمن القومي لعام 2023. ويتكون النظام من مستويين، أحدهما يتعلق بأنشطة التأثير السياسي الأجنبية، بينما الآخر هو المستوى المعزز، المخصص للدول والجهات التي ترى الحكومة البريطانية أن أنشطتها تستدعي إجراءات إضافية لحماية الأمن القومي، وأدرجت بريطانيا إيران ضمن هذا المستوى.
ولا يقتصر القرار على وزارة الاستخبارات أو الحرس الثوري، وإنما يشمل نطاقاً واسعاً من مؤسسات الدولة الإيرانية، من مكتب المرشد والحكومة ووزاراتها إلى وزارة الاستخبارات والقوات المسلحة والمجلس الأعلى للأمن القومي وأجهزة أخرى.
ويترتب على ذلك إلزام الأشخاص والمؤسسات الذين ينفذون داخل بريطانيا أنشطة معينة بتوجيه من جهات إيرانية مشمولة بالنظام تسجيل تلك الأنشطة لدى السلطات، وفق الشروط والاستثناءات التي يحددها القانون. وقد تشمل الأنشطة الخاضعة للنظام مجالات تجارية وأكاديمية وبحثية وخيرية، فيما يمكن أن تصل عقوبة عدم الامتثال لمتطلبات التسجيل في المستوى المعزز إلى خمسة أعوام سجناً.
تحول في المقاربة الأمنية البريطانية
وتكشف هذه التطورات عن أن بريطانيا لم تعُد تتعامل مع الأنشطة المنسوبة إلى إيران باعتبارها حوادث منفصلة، بل بوصفها أنواعاً مختلفة لتهديد أوسع، يبدأ بملاحقة المعارضين والصحافيين، ويمتد إلى استخدام شبكات إجرامية ووكلاء لتنفيذ عمليات على الأراضي البريطانية، فضلاً عن التهديدات السيبرانية التي قد تطاول البنية التحتية.
وتكمن صعوبة مواجهة هذا النوع من النشاط في أن منفذ العملية قد لا يكون ضابط استخبارات إيرانياً، ولا عضواً في جهة مرتبطة رسمياً بطهران، بل مجرماً أو وسيطاً أو شخصاً يجري تجنيده لتنفيذ مهمة محددة مقابل مبلغ مالي. وفي بعض الحالات، من الممكن أن تمر الأموال والتعليمات عبر أكثر من طرف قبل وصولها إلى المنفذ على الأرض.
وهذا الأسلوب يجعل إثبات العلاقة المباشرة بين المنفذ والجهة التي تقف خلفه أكثر تعقيداً، ويمنح الجهة التي وجهت العملية مساحة أكبر لإنكار مسؤوليتها عنها.
ومن هنا جاء التحول في المقاربة البريطانية، فبدلاً من التركيز فقط على هوية الشخص الذي ينفذ العملية، باتت الأجهزة الأمنية والتشريعات الجديدة تركز أيضاً على الكشف عن الجهة التي وجهته أو موّلته أو ساعدته، وعلى الشبكات والوسطاء الذين يربطون بين الطرفين.
وبذلك، تحاول بريطانيا تضييق المساحة التي تسمح لدولة أجنبية باستخدام وكلاء أو شبكات إجرامية لتنفيذ عمليات على أراضيها، من دون ظهور أجهزتها الرسمية بصورة مباشرة في مسار التنفيذ.
“قاعدة فيرفورد” والسؤال الصعب
من هنا، تكتسب قضية “قاعدة فيرفورد” أهميتها الحقيقية، فالتحقيق لم يصل بعد إلى نتيجة أمنية أو قضائية تثبت تورط إيران، ولذلك سيكون من المبكر التعامل مع الحادثة باعتباره عملية إيرانية مؤكدة.
لكن مسار التحقيق نفسه يكتسب أهمية متزايدة، فشرطة مكافحة الإرهاب البريطانية أعلنت أنها تدرس احتمالات عدة، من بينها احتمال تورط دولة أجنبية، فيما جاء اعتقال مشتبه فيه سادس يحمل الجنسيتين البريطانية والإيرانية في إطار التحقيق نفسه. ولا يثبت ذلك بعد، في حد ذاته، وجود صلة بطهران، لكنه يضيف معطى جديداً إلى تحقيق يتعلق بمنشأة عسكرية تستخدمها القوات الأميركية على الأراضي البريطانية. فإذا أثبتت التحقيقات وجود توجيه أو تمويل إيراني، فسيعني ذلك انتقال التهديد إلى مرحلة مختلفة، أي من ملاحقة المعارضين الإيرانيين واستهداف الصحافيين ووسائل الإعلام، إلى احتمال نقل جزء من تداعيات المواجهة العسكرية بين إيران والولايات المتحدة إلى داخل بريطانيا.
وبذلك، ربما لا يكون التطور الأهم هو عدد العمليات التي نُسبت إلى إيران، بل اتساع طبيعة التهديد نفسه. فبعدما تركز القلق البريطاني خلال الأعوام الأخيرة على حماية المعارضين والصحافيين من عمليات المراقبة والتهديد والاستهداف، باتت لندن تواجه نمطاً أوسع يشمل استخدام الوكلاء والشبكات الإجرامية والعمليات السيبرانية، وصولاً إلى التحقيق في احتمال امتداد هذا النشاط إلى منشأة عسكرية.
في هذا السياق، يُرجح أن تشكل نتيجة التحقيق في “قاعدة فيرفورد” نقطة مهمة في تحديد المسار الذي بلغته هذه التهديدات، ولا سيما بعد توسيع التحقيق واعتقال المشتبه فيه السادس. فإذا ثبتت الصلة بطهران، فلن تكون القضية مجرد حلقة أخرى في مسار “القمع العابر للحدود”، بل ستصبح مؤشراً إلى انتقال جزء من تداعيات الصراع العسكري مع إيران إلى الأراضي البريطانية.
