ملخص
تدخل العلاقات الأميركية – الصينية مرحلة جديدة عنوانها “الاستقرار الاستراتيجي”، بعدما أدركت بكين وواشنطن أن كلفة المواجهة الاقتصادية والعسكرية تفوق مكاسبها. ومع تراجع مخاوف الصين من الاحتواء الأميركي، يتيح هذا التوازن إدارة التنافس وتجنب الصدام، لكن ملفات مثل تايوان والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي تظل تهدد هذا الاستقرار.
عندما التقى الزعيم الصيني شي جينبينغ والرئيس الأميركي دونالد ترمب في بكين في مايو (أيار) الماضي، اتفقا على ضرورة إقامة علاقة بناءة بين البلدين تقوم على الاستقرار الاستراتيجي. وعلى رغم أن كثيراً من المراقبين في واشنطن استقبلوا هذا الإطار الجديد بتشكك، واعتبروه مجرد كلام فارغ من المضمون، فإنه يمثل المرة الأولى منذ أكثر من عقد التي تتوصل فيها الصين والولايات المتحدة إلى توافق في شأن كيفية تعريف علاقتهما، وهو توصيف يحظى باعتراف واسع من قادة الجانبين.
ولا يعني “الاستقرار الاستراتيجي” انفراجة نووية أو هدنة في سباق التسلح، بل يشير إلى صيغة توازن جديدة تتيح للجانبين تجنب المزيد من تدهور العلاقات، بل وتوسيع نطاق التعاون في المجالات التي تتوافق فيها مصالحهما.
ولا يتوقع القادة في بكين أن يتمكن هذا الإطار الجديد من حل معظم الخلافات بين الصين والولايات المتحدة، أو أن يحول دون ظهور بؤر توتر جديدة. ففي يونيو (حزيران) الماضي، على سبيل المثال، أضافت وزارة الدفاع الأميركية مزيداً من الشركات الصينية، بينها عملاقا القطاع الخاص “علي بابا” Alibaba و”بايدو” Baidu وشركة “بي واي دي” BYD، إلى قائمتها للشركات المنخرطة في أنشطة الاندماج بين القطاعين المدني والعسكري، مما يحظر على البنتاغون التعاقد معها.
وردت الصين بإدراج 10 كيانات أميركية على قائمة مراقبة صادرات السلع ذات الاستخدام المزدوج، بما يمنع الشركات من تزويد هذه الكيانات بمواد يمكن استخدامها لأغراض عسكرية ومدنية في آن واحد.
لكن بكين تأمل في أن يساعد التوافق القائم على مفهوم الاستقرار الاستراتيجي الصين والولايات المتحدة على إدارة خلافاتهما بفاعلية أكبر، وأن يحول دون أسوأ السيناريوهات الممكنة، أي اندلاع نزاع عسكري أو الدخول في حرب باردة جديدة.
وحتى الآن، لم تنجح التوترات المستمرة في تقويض التوافق الأوسع الذي توصل إليه الجانبان في مايو. فمن خلال إبقاء العقوبات والتدابير المضادة ضمن نطاق محدود نسبياً، تمكنت بكين وواشنطن من تجنب تصعيد خطير، وأبقتا العلاقة على مسار يسمح باستمرار التواصل والتقدم.
الهدف من الإطار الدبلوماسي الجديد بين بكين وواشنطن عملي وواقعي. فهو لا يسعى إلى إبرام صفقة كبرى، تبدو فرص التوصل إليها ضئيلة، تحل جميع النزاعات بين البلدين، بل إلى وضع حد أدنى من الاستقرار يحول دون انزلاق العلاقات الأميركية – الصينية إلى مزيد من التدهور.
ويعكس هذا الإطار أيضاً تغيراً في مقاربة بكين للعلاقة مع واشنطن. ففي الماضي، كانت الصين ترفض الأطر الأميركية التي تركز على المنافسة، أما الآن فهي مستعدة للاعتراف بأن الطبيعة الأساسية للعلاقات الأميركية – الصينية تنافسية. فالحلفاء أو الشركاء، في نهاية المطاف، لا يجعلون “الاستقرار الاستراتيجي” الهدف الناظم لعلاقاتهم؛ فهذا النوع من الأهداف لا يصبح ضرورياً إلا بين المتنافسين، بل وحتى الخصوم.
ويكشف استعداد بكين لقبول صيغة تهدف إلى إدارة التنافس بدلاً من استبعاده عن تزايد ثقتها بنفسها، وعن نظرتها المتنامية إلى الصين باعتبارها نداً لواشنطن. وقد يدفع هذا الشعور بالثقة الصين إلى قدر أكبر من ضبط النفس في تعاملها مع الولايات المتحدة، وهو ما قد يضفي بدوره مزيداً من الهدوء على العلاقة بين البلدين.
وبدا الآن من المعقول أن تكون العلاقات الثنائية قد تجاوزت نقطة تحول ودخلت مرحلة أكثر استقراراً. وعلى رغم استمرار تحديات جوهرية يمكن أن تشعل اضطرابات جديدة، فإن ذروة التوتر التي شهدتها العلاقات خلال السنوات الثماني الماضية ربما بدأت بالفعل في الانحسار.
وتمثل القمة المرتقبة بين الزعيمين في أواخر سبتمبر (أيلول)، حين من المقرر أن يلتقي شي وترمب في واشنطن، فرصة لدفع العلاقات خطوة أخرى إلى الأمام. وبإمكان الزعيمين الآن إضافة إجراءات أكثر تحديداً لدعم إطار الاستقرار الاستراتيجي الجديد، بما في ذلك خطوات لخفض التوترات الاقتصادية، وتعزيز الاتصالات العسكرية المباشرة بين البلدين، وتحسين آليات إدارة الأزمات، وتوسيع التبادلات بين المواطنين، وتقديم تطمينات متبادلة في شأن تايوان. ومن شأن هذه الخطوات أن تساعد في احتواء التوترات التي قد تتطور إلى نزاع عسكري كارثي يصعب احتواؤه.
ومع احتمال عقد لقاءات جديدة بين شي وترمب مرات عدة خلال الأشهر المقبلة، يمثل الإطار الجديد أول فرصة منذ سنوات لوضع الأسس اللازمة لاستقرار مستدام في العلاقات الصينية – الأميركية.
ما بعد التنافس الاستراتيجي
لفترة طويلة، سعى القادة في بكين وواشنطن إلى تعريف العلاقات الثنائية باعتبارها نوعاً من الشراكة. ففي عام 1997، عندما زار الزعيم الصيني جيانغ زيمين الولايات المتحدة، أعلنت بكين وواشنطن هدفهما المتمثل في إقامة “شراكة استراتيجية بناءة موجهة نحو القرن الـ21”. وفي عام 2005، دعت إدارة جورج دبليو بوش الصين إلى أن تصبح “طرفاً مسؤولاً في النظام الدولي”، فرد الزعيم الصيني هو جينتاو عام 2006 بأن البلدين ليسا مجرد طرفين في هذا النظام، بل “ينبغي لهما أيضاً أن يكونا شريكين بناءين”.
لكن بين عام 2009، حين اتفق الرئيس الأميركي باراك أوباما وهو جينتاو على “تنمية الشراكة باطراد” لمواجهة التحديات المشتركة، وقمة ترمب وشي في وقت سابق من هذا العام، عجز قادة البلدين عن التوصل إلى توافق جديد في شأن طبيعة العلاقة وموقعها.
ابتعدت الولايات المتحدة عن النظر إلى العلاقة باعتبارها شراكة قبل الصين. ففي الولاية الأولى لترمب، بدأت واشنطن في تعريف العلاقات الأميركية – الصينية على أساس “التنافس الاستراتيجي”. وفي البداية، حاولت الصين تقبل البعد التنافسي في العلاقات الثنائية، فأقرت بأن قدراً من التنافس أمر لا مفر منه، مع تمسكها بأمل أن تظل العلاقة إيجابية في مجملها.
لكن مع التدهور الحاد في العلاقات الأميركية – الصينية خلال السنة الأخيرة من ولاية ترمب الأولى، واستمرار تدهورها في عهد إدارة بايدن، بدأت بكين تنظر إلى مفهوم “التنافس الاستراتيجي” باعتباره سردية تهدف إلى إغلاق الطريق أمام صعود الصين. ورأت أن النهج الأميركي يهدد آفاق التنمية الصينية، مما دفعها إلى مواجهة هذا المفهوم بقوة أكبر. وفي يوليو (تموز) 2022، وخلال اتصال هاتفي مع الرئيس جو بايدن، أبلغ شي نظيره الأميركي أن جعل التنافس السمة المحددة للعلاقة كان خطأ.
وبالنسبة إلى صناع السياسات والمحللين في الصين، حول إطار التنافس الاستراتيجي جميع أشكال التفاعل الأميركي – الصيني إلى ما يشبه التنافس الذي ساد خلال الحرب الباردة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي. ورأوا في خطوات أميركية مثل فرض قيود على تصدير أشباه الموصلات تجسيداً عملياً لمساعي واشنطن إلى احتواء الصين، وتقويض نظامها السياسي، وتقييد مسار تنميتها. وعلى رغم أن البيانات الرسمية الصادرة من واشنطن كانت تتحدث عن العلاقات الثنائية من منظور التعاون والتنافس والمواجهة، فإن الأخيرين كانا، عملياً، يقضيان على أي فرصة محتملة للتعاون.
وبعد نحو عقد من رفض الصين مفهوم التنافس الاستراتيجي وانتقاده، يعكس انتقالها إلى علاقة تقوم على “الاستقرار الاستراتيجي البناء” إعادة تقييم من جانب بكين لموقع البلدين وأدوارهما في النظام الدولي، فضلاً عن إدراكها للحقائق الجديدة التي تحكم العلاقات الأميركية – الصينية. فالصين تنظر إلى العلاقات الثنائية اليوم من موقع أكثر تكافؤاً وبقدر أكبر من الثقة بالنفس، وأصبحت أقل قلقاً من أن يؤدي التنافس إلى تقويض آفاق تنميتها الوطنية. وبدلاً من ذلك، ترى بكين أنه بالإمكان إدارة التنافس بفاعلية، من دون أن يتحول إلى تهديد وجودي لها.
أبعد من إرادة زعيمين
إن نجاح الاستقرار الاستراتيجي كأساس لمرحلة جديدة في العلاقات الأميركية الصينية مرهون بما إذا كان يستند إلى الإرادات والأجندات الشخصية لترمب وشي، أم أنه ينشأ عن قوى بُنيوية تتجاوز من حيث التأثير أي زعيم بمفرده. ويرى العديد من المراقبين في كل من بكين وواشنطن التوافق الناشئ باعتباره نتيجة مشروطة بظروف ومصالح الرجلين اللذين يتوليان زمام السلطة حالياً. على سبيل المثال، بادر ترمب إلى تغيير توجه السياسة الأميركية. ويتزامن تحوله غير المتوقع نحو تبني علاقة أكثر استقراراً مع الصين مع إجرائه تحولات أخرى لم تكن مرتقبة في برنامجه أثناء ولايته الثانية، بما في ذلك اتخاذه موقفاً بارداً، أو حتى عدائياً، حيال الحلفاء الأوروبيين، وشن حرب على إيران على رغم إدانته المتكررة للتدخل العسكري الأميركي في الخارج.
غير أن هذه التحولات تحجب أيضاً عوامل بُنيوية أكثر رسوخاً في العلاقات الأميركية – الصينية، دفعت البلدين نحو مزيد من الاستقرار، وعززت من احتمال دوام الإطار الدبلوماسي الجديد. والتقارب في الوقت الحالي يُعتبر المرة الرابعة خلال السنوات الثماني الماضية التي تنتهي فيها فترة التوتر بين الصين والولايات المتحدة بإعلان نوع من الاستقرار.
لم تعرقل الاحتكاكات المستمرة التوافق الذي جرى التوصل إليه في مايو
فبعدما خاضت الصين والولايات المتحدة أول مواجهة حادة بينهما حول التجارة والتكنولوجيا، التي بلغت ذروتها مع اندلاع الحرب التجارية عام 2018، توصل البلدان في يناير (كانون الثاني) 2020 إلى اتفاق المرحلة الأولى التجاري، مما أسهم في استقرار العلاقات.
ثم جاءت جائحة كوفيد-19 بعد ذلك بوقت قصير لتؤجج التوترات بشدة، وتدفع العلاقات إلى أدنى مستوياتها منذ ما قبل زيارة الرئيس الأميركي ريتشارد نيكسون الأولى إلى الصين عام 1972.
وفي نوفمبر (تشرين الثاني) 2022، التقى بايدن مع شي في بالي، وأعلنا رغبتهما في إعادة العلاقات الأميركية – الصينية إلى مسار من الاستقرار. لكن بعد أشهر قليلة فقط، في فبراير (شباط) 2023، عرقلت الاتهامات المتبادلة جهود التهدئة، على خلفية جسم صيني كان يحلق فوق الولايات المتحدة؛ وصفته بكين بأنه منطاد للأرصاد الجوية لأغراض مدنية، فيما اعتبرته واشنطن منطاد تجسس.
وفي نوفمبر من العام نفسه، نجح بايدن وشي للمرة الثالثة في تهدئة العلاقات، خلال قمتهما في سان فرانسيسكو. واستمر هذا النهج في العلاقات حتى أبريل (نيسان) 2025، عندما أشعلت الرسوم الجمركية التي فرضها ترمب في ما سماه “يوم التحرير” حرباً تجارية جديدة.
وخلال هذه الفترة، تعاقبت ثلاث ولايات رئاسية أميركية، في ظل إدارتين ديمقراطية وجمهورية، ومع ذلك ظلت العلاقات الأميركية – الصينية تعود مراراً إلى حال من الاستقرار.
إن العوامل البنيوية المستقلة عن آراء أي قائد فرد تشجع على استقرار العلاقة. ويشمل ذلك التكلفة الباهظة للفصل الاقتصادي الكامل بين البلدين والتداعيات الكارثية لصراع عسكري محتمل. بعبارة أخرى، لقد أصبح من الواضح لكلا الجانبين منذ بداية ولاية ترمب الثانية أن العلاقات الثنائية هي ببساطة أكبر من أن تفشل.
ويحتل الطرفان موقعاً بالغ الأهمية في الشؤون العالمية والدولية، ويتمتع كل منهما بما يكفي من القوة لإلحاق أضرار هائلة، بحيث لا يرغب أي منهما في أن يرى الآخر يتحول إلى عدو. وكشفت المواجهات العنيفة بين الصين والولايات المتحدة حول الرسوم الجمركية والعناصر الأرضية النادرة عام 2025 أن كلاً منهما يمكنه أن يستغل نقاط الضعف لدى الطرف الآخر، الأمر الذي ذكرهما بأن البلدين يعتمدان على بعضهما بعضاً اعتماداً كبيراً ويحتاجان إلى التصرف بحذر في المواجهة الاقتصادية.
علاوة على ذلك، تدرك بكين وواشنطن، باعتبارهما قوتين نوويتين، أنهما لا تستطيعان السماح باستمرار احتمال تدهور العلاقات بينهما بشكل مطرد، بما يزيد من خطر اندلاع صراع عسكري.
وإذا عادت العلاقات الأميركية – الصينية إلى مزيد من التقلب بعد تولي الرئيس الأميركي المقبل منصبه، فإن ذلك سيشكل اختباراً لقدرة العلاقة على الصمود. لكن من غير المرجح أن تكون القوى الهيكلية المؤثرة في العلاقة قد تغيرت. ولذلك، حتى إذا أعلن القادة الأميركيون مستقبلاً نهجاً جديداً تجاه العلاقات مع الصين، فمن المرجح في نهاية المطاف أن يتوصلوا إلى الاستنتاجات نفسها التي خلص إليها أسلافهم، وأن يسعوا إلى تحقيق الاستقرار.
عالقان في شبكة حمراء
ويرى منتقدون آخرون أن التوافق على الاستقرار الاستراتيجي يمثل في حده الأقصى هدنة مؤقتة. ومن وجهة نظرهم، سوف يستغل الطرفان هذا الوقت بغرض تعزيز مواطن الضعف لديهما، والتفتيش عن مصادر جديدة لأوراق لضغط، والاستعداد لمواجهة في المستقبل. على سبيل المثال، يمكن للولايات المتحدة أن تجد موردين بديلين للعناصر الأرضية النادرة التي تحتاج إليها، كما تستطيع الصين أن تجد مصادر جديدة لأشباه الموصلات أو تطور رقائقها المتقدمة الخاصة بها.
لكن على رغم حدة الاحتكاكات التجارية والجيوسياسية، أثبتت سلاسل الإمداد العالمية أنها أكثر قدرة على الصمود، وأشد ترابطاً وتشابكاً، مما توقع معظم المراقبين. فقد أدت القيود الأميركية على التكنولوجيا الصينية إلى تفكيك سلاسل الإمداد العالمية وتجزئتها، لكنها لم تقطعها. ولم تؤد محاولات نقل الإنتاج بعيداً من الصين سوى إلى توزيع الشركات الصينية على نطاق أوسع من البلدين والشركاء، مع احتفاظها بدورها الذي يصعب الاستغناء عنه في معظم سلاسل الإمداد.
ففي عام 2023، على سبيل المثال، وبينما سعت إدارة بايدن إلى الحد من اعتماد سلاسل إمداد البطاريات الأميركية على الصين، تمكنت شركات صينية مثل “كاتل “CATL في الواقع من زيادة حصتها السوقية عبر توسيع الإنتاج وشبكات التوريد في آسيا وأوروبا. ومنحت “كاتل” شركة “فورد”Ford ترخيصاً لاستخدام تقنياتها لإنتاج البطاريات على الأراضي الأميركية.
وحتى إذا نجحت الصين والولايات المتحدة في معالجة مكامن ضعفيهما في مجالي الرقائق والعناصر الأرضية النادرة، على التوالي، فإن الروابط الأوسع بين البلدين تضمن استمرار الاعتماد المتبادل بينهما في مجالات أخرى.
وسيؤدي التطور السريع لتقنيات مثل الذكاء الاصطناعي إلى جعل القضاء على مصادر نفوذ الطرف الآخر أمراً بالغ الصعوبة بالنسبة إلى الولايات المتحدة أو الصين. فالتقنيات الجديدة تخلق مواطن ضعف جديدة. ومع اقتراب احتمال ظهور الذكاء الاصطناعي العام، من غير المرجح أن تتركز الاحتكاكات في العلاقات الأميركية – الصينية في المجالات نفسها، أو أن تتخذ الأشكال نفسها التي نراها اليوم. ومن المستبعد جداً أن تتمكن الصين أو الولايات المتحدة من بناء ما تسميه روايات الفنون القتالية الصينية “القميص الحديدي”، أي نظام تدريبي يجعل صاحبه بمنأى عن تأثير السيوف والرصاص.
ومع امتلاك البلدين قدرات تكنولوجية أكثر قوة وسرعة وأقل قابلية للتنبؤ، من المرجح أن تتغير أيضاً الشروط اللازمة للحفاظ على الاستقرار. وقد تؤدي محاولات أي من الطرفين تحقيق تفوق ساحق أو ضمان أمن مطلق إلى نتيجة عكسية، فتزيد شعور الطرف الآخر بعدم الأمان وتفاقم التنافس الثنائي، مما سيدفع البلدين في نهاية المطاف إلى الإقرار بقدر من الضعف المتبادل وقبول توازن استراتيجي مختلف.
ويدرك البلدان بالفعل أنهما سيضطران إلى التعامل مع التحديات الهائلة التي يفرضها الذكاء الاصطناعي، ولا سيما أخطار السلامة، سواء من خلال تحرك مشترك أو عبر جهود متوازية.
وقد استقرت العلاقات الأميركية – الصينية أربع مرات خلال السنوات الثماني الماضية؛ وهذا يعني أيضاً، إذا نظرنا إلى الأمر من الزاوية المعاكسة، أن العلاقة انحدرت مراراً إلى المواجهة. ومع كل صدام جديد وما يخلفه من مظالم متراكمة وعداء متجدد، بدأ إرهاق واضح يفرض نفسه على الجانبين. ويتيح خفض سقف الطموحات والاكتفاء بهدف محدود يتمثل في الحفاظ على الاستقرار وكبح التقلبات، وتحقيق تقدم ملموس، والتعامل مع واقع الاعتماد المتبادل بين البلدين بطريقة أكثر فاعلية وإنتاجية.
الشرق ينهض
من أبرز التحولات التي تقف وراء قبول الصين مفهوم “الاستقرار الاستراتيجي” تنامي ثقتها بنفسها. فعندما بدأت إدارة ترمب الأولى الدفع نحو مزيد من فك الارتباط الاقتصادي والتكنولوجي مع الصين عام 2018، شعر كثير من صناع السياسات والمواطنين الصينيين بالقلق من أن يؤدي تصاعد التوتر مع الولايات المتحدة إلى الإضرار بمسار تقدم بلادهم، وإنهاء آمالها في التحول إلى دولة أكثر قوة وثراء.
وفي الصين المعاصرة، يرتبط التطور بالانفتاح ارتباطاً وثيقاً؛ فكلما اتسع نطاق التعاون الدولي، تسارع التطور التكنولوجي. وكان تبني الولايات المتحدة مفهوم “التنافس الاستراتيجي” بمثابة تحد مباشر لهذه القناعة الأساسية. ثم جاءت جائحة كوفيد-19 والحرب في أوكرانيا لتعمقا الانقسام بين الدول وتدفعاها أكثر نحو الاصطفاف في تكتلات، مما زاد مخاوف صناع القرار والمواطنين العاديين على حد سواء.
لكن بعد ثماني سنوات من حروب تجارية وتكنولوجية متقطعة مع الولايات المتحدة، ظلت الأسس الاقتصادية للصين مستقرة. صحيح أن أسواق العقارات تواجه صعوبات، وأن الصناعات التقليدية ترزح تحت أزمات عميقة، لكن الصناعات عالية التقنية حققت قفزات هائلة، وازدادت قوة قطاع التصنيع، ولا سيما التصنيع المتقدم.
وأجبر عجز الصين عن الحصول على أشباه الموصلات من الولايات المتحدة بكين على تعزيز صناعة الرقائق المحلية. وأصبح الرأي السائد في الصين اليوم أن القيود التي فرضتها الحكومة الأميركية على قطاعات التكنولوجيا المتقدمة دفعت الصين إلى مسار أفضل نحو مزيد من الاعتماد على الذات والابتكار، الأمر الذي جعل سياسات الاحتواء الأميركية غير فعالة، بل جاءت بنتائج عكسية في نهاية المطاف.
دفعت عوامل بُنيوية البلدين نحو مزيد من الاستقرار
وتتزايد نجاحات الصين. ففي مطلع عام 2025، أطلقت شركة “ديب سيك” DeepSeek الصينية نموذجاً لغوياً كبيراً حقق أداءً يقارب مستوى نماذج الذكاء الاصطناعي الأميركية الرائدة، لكن بكلفة لا تتجاوز جزءاً بسيطاً من كلفتها.
وفي أبريل (نيسان) من العام نفسه، ردت الصين بنجاح على الرسوم الجمركية التي فرضها ترمب، وأجبرت واشنطن على العودة إلى طاولة المفاوضات. وخلال تلك المفاوضات وما تلاها من محادثات، منحت هيمنة الصين على العناصر الأرضية النادرة بكين نقطة اختناق في سلاسل الإمداد الأميركية. وعززت هذه التطورات ثقة الصين بنفسها، وجعلت صناع سياساتها واستراتيجييها أقل تردداً في التعامل مع التنافس باعتباره جزءاً من علاقتها مع الولايات المتحدة.
وغالباً ما يرى المعلقون الغربيون أن الصين الواثقة بنفسها ستصبح أكثر ميلاً إلى فرض إرادتها. لكن العكس هو الصحيح. فعندما يعتقد القادة الصينيون أنهم قادرون على إدارة بيئتهم الخارجية، وأن مصالح البلاد الأساسية وآفاق تنميتها ليست مهددة، يصبحون أكثر استعداداً لضبط النفس والانخراط في التشاور والتركيز على حل المشكلات الداخلية.
ففي تسعينيات القرن الماضي والعقد الأول من القرن الـ21، على سبيل المثال، ومع النمو السريع للاقتصاد الصيني، عمدت بكين إلى تجميد النزاعات في بحر الصين الجنوبي مع جيرانها. ولم تتبن نهجاً أكثر تشدداً في تسوية تلك النزاعات إلا بعدما أطلقت إدارة أوباما سياسة “التحول نحو آسيا”، عندما شعرت بكين بأن الولايات المتحدة تعمل على توحيد دول المنطقة في مواجهتها.
في عام 2026، لم تستغل الصين، التي ازدادت ثقتها بنفسها، الصعوبات التي واجهتها الولايات المتحدة في حربها مع إيران، بل عززت بهدوء محادثات السلام في الخفاء. وبشكل مماثل، الآن وقد أصبحت الصين أقل قلقاً من أن تكون لدى الولايات المتحدة إما النية أو القدرة على عرقلة آفاق التنمية الصينية، فإنها صارت أكثر استعداداً لقبول منافسة ضمن حدود معينة معها. ومن موقع الثقة بالنفس، تستطيع بكين التعامل مع الولايات المتحدة بواقعية، قضيةً بعد أخرى، والسعي إلى إيجاد سياسات محددة لإدارة قدر حتمي من التنافس بين البلدين.
ركيزة جديدة للاستقرار
إن الشرط الأساس للإطار الجديد للاستقرار الاستراتيجي هو الحفاظ على السلام. وهذا يستوجب من القوات المسلحة الصينية والأميركية وضع آليات أكثر نضجاً بغية تجنب الأزمات وإدارتها وبناء الثقة. وبوسع الجانبين خفض احتمالات نشوب الصراع بتكلفة منخفضة وذلك من خلال إجراء تبادلات منتظمة بين العسكريين، واستكمال البروتوكولات القائمة الخاصة بالمواجهات البحرية والجوية وتوسيعها.
ويمكنهما أيضاً أن ينسقا معاً بخصوص قضايا الفضاء الخارجي، مثل منع الاصطدامات في المدار القريب من الأرض، وتنظيم حركة المرور الفضائية، وبناء الثقة بما يتعلق بالنوايا الاستراتيجية لكل منهما. أما معالجة المخاوف في المجالات الأكثر حساسية من الناحية السياسية، كالأسلحة النووية والتطبيقات العسكرية للذكاء الاصطناعي، فسوف تتطلب اتباع نهج أكثر تدرجاً.
وعلى رغم أن إدارة ترمب قد أبدت اهتماماً متزايداً بمناقشة الحد من التسلح النووي مع الصين، فإن بكين ترى أن المفاوضات الرسمية سابقة لأوانها نظراً إلى التفاوت الهائل بين القدرات النووية الأميركية والصينية.
ولا ينبغي أن يقتصر التقدم على القادة الكبار. فزيادة التبادلات بين الصين والولايات المتحدة على مختلف المستويات تمثل أيضاً وسيلة منخفضة الكلفة لترسيخ إطار الاستقرار الاستراتيجي.
وبإمكان البلدين توسيع فرص التواصل من خلال تخفيف قيود التأشيرات، ومراجعة العقوبات وتقليصها، وإلغاء قرارات حظر الدخول أو الخروج، والحد من القيود الأخرى على سفر المؤسسات والمواطنين، فضلاً عن السماح لمزيد من وسائل الإعلام التابعة للطرف الآخر بالعمل في كل من البلدين.
وبإمكان ترمب أن يغتنم الفرصة ليؤكد صراحة للطلاب الصينيين أنهم مرحب بهم للدراسة في الولايات المتحدة، فيما تستطيع بكين وضع سياسات أكثر وضوحاً ترشد الباحثين والطلاب إلى حدود البحث المقبول في الصين، وتضمن الانفتاح والأمان والحرية الأكاديمية لأي أبحاث تقع خارج تلك الحدود.
ولا تزال تايوان بؤرة توتر خطرة يمكن أن تقوض التقدم نحو علاقة قائمة على الاستقرار الاستراتيجي. فهي القضية الوحيدة التي يمكن أن تشعل صراعاً عسكرياً متعمداً بين الصين والولايات المتحدة، فيما تتزايد الضغوط المحيطة بها. وقد أدى استمرار حكم الحزب الديمقراطي التقدمي، الأكثر ميلاً إلى الاستقلال، للجزيرة، إلى جانب رغبة بكين القوية في الدفع نحو توحيد البلاد، وعدم اليقين في شأن السياسة التي ستتبناها الولايات المتحدة تجاه تايوان، إلى تأجيج التوترات على جميع الجبهات. ولا يمكن أن ينشأ توازن جديد إلا من خلال صيغة لا يحصل فيها أي طرف على كل ما يريد، لكن يستطيع كل طرف التعايش مع النتيجة.
الهدف هو بناء أرضية صلبة للعلاقات الأميركية – الصينية
وطالما ظلت بكين تعتقد أن تحقيق الاندماج بين جانبي مضيق تايوان ممكن، فلن يكون لديها سبب للجوء إلى القوة العسكرية. وبإمكان الولايات المتحدة تعديل سياستها المعلنة لتصبح أقرب إلى الموقف الصيني، من خلال الاعتراف بالسيادة الصينية على تايوان أو إعلان معارضتها صراحة لاستقلال الجزيرة، وهو ما سيطمئن بكين إلى أن احتمال “إعادة التوحيد السلمي” لا يزال قائماً. وسيسمح ذلك للصين والولايات المتحدة بالتوصل إلى توافق يحقق الهدف الأميركي المتمثل في تسوية سلمية للنزاع، مع الحفاظ في الوقت نفسه على قدرة سكان تايوان على صون نظامهم السياسي والاجتماعي. ومن خلال إبقاء احتمال إعادة التوحيد السلمي قائماً، يمكن استيعاب المصالح والمخاوف الأساسية للأطراف الثلاثة إلى أقصى حد ممكن.
إن قرار واشنطن بتعليق مبيعات الأسلحة إلى تايوان بقيمة 14 مليار دولار، الذي تم اتخاذه في إطار قمة ترمب وشي في مايو، قد نجح في نزع فتيل بؤرة توتر متصاعدة بصورة سريعة في العلاقات بين الولايات المتحدة والصين. إلا أنه يطرح تحدياً جديداً أمام الإطار الناشئ للاستقرار الاستراتيجي. وعلى رغم أن بكين رحبت بشكل مؤكد بهذا التأجيل، بيد أن تعليق المبيعات رفع أيضاً سقف التوقعات في شأن السياسة الأميركية المستقبلية تجاه تايوان. وإذا قررت إدارة ترمب في نهاية المطاف استئناف عمليات نقل الأسلحة، وهو احتمال يرجح معظم المراقبين في واشنطن حصوله، فإن بكين سوف تعارض هذه الخطوة بشدة، الأمر الذي قد يُعرض إطار الاستقرار الاستراتيجي للخطر. ويُمثل هذا السيناريو تهديداً ملموساً وبارزاً يتعين على كل من البلدين التعامل معه خلال الفترة المقبلة.
إن العلاقة القائمة على الاستقرار الاستراتيجي ليست مفهوماً فرضه طرف على الآخر، ولا صيغة تحقق مكاسب لبكين على حساب واشنطن. إنها ثمرة جهود مشتركة بين البلدين، وهو ما يجعلها فرصة نادرة. والخطوة التالية هي تطوير هذا الإطار الأساس، وإضفاء مضمون عملي عليه، وتحويله إلى صيغة قابلة للاستمرار. وتوفر قمة سبتمبر (أيلول)، إلى جانب اللقاءات الإضافية المقررة بين الزعيمين هذا العام، نافذة مواتية لاتخاذ مزيد من الخطوات الصغيرة نحو ترسيخ هذه الأرضية من الاستقرار. ويرى البعض أن هذا الهدف متواضع أكثر مما ينبغي. لكن إذا تمكنت قوتان عظميان مثل الصين والولايات المتحدة من إبقاء تقلبات العلاقة ضمن نطاق يمكن احتواؤه، وتجنب أي نوع من الحرب، فسيكون ذلك إنجازاً يتجاوز بكثير مجرد هدف متواضع.
دا واي هو مدير مركز الأمن الدولي والاستراتيجية وأستاذ في قسم العلاقات الدولية بجامعة تسينغهوا.
مترجم عن “فورين أفيرز”، 7 سبتمبر (أيلول) 2026
