ستار كاووش… جريدة المدى
كلنا سنمضي ونترك خلفنا الاشياء التي أنجزناها والحياة التي نحبها. لا شيء يبقى أكثر مما صنعه الإنسان، ولا شيء يصمد أكثر من الجمال والإبداع والعمران على هذه الأرض. فمهما طال بنا الزمن، سنُخلي أماكننا لناس آخرين وأجيال جديدة قادمة. هكذا فكرت وأنا أقرأ خبر رحيل الفنانة اليابانية يايوي كوساما، التي غادرتْ الحياة بعمر السابعة والتسعين، بعد أن رسمت وصممت ولونت عوالماً مختلفة، وتركت جنونها وبصمتها في بلدان عديدة من هذا العالم. هكذا يمضي صانعو الجمال أيضاً، ويتركون فنهم وابداعهم وأرثهم الفني مثل وديعة بين أيدي الآخرين.
حين وطأت قدماي ساحة فرانسوا ميتران قرب محطة قطار مدينة ليل جنوب فرنسا، لمحتُ أحد أعمالها من بعيد، ورغم المسافة الكبيرة التي فصلتني عنه، لكني رَدَّدتُ مع نفسي مباشرة: إنها يايوي كوساما. ثم مضيتُ نحو العمل الذي ضعتُ بين تفاصيل حجمه الكبير وإرتفاعة الذي تجاوز السبعة أمتار. وقد إختارتْ يايوي هنا موضوعاً بسيطاً لكن له دلالات عميقة، وهو عبارة عن باقة من زهور التوليب، لكنها منحتها عنوان (توليب شانغريلا) نسبة لمدينة شانغريلا الخيالية الفاضلة التي يسودها الحب والسلام والطمأنينة، وقد أردات أن ترمز من خلال هذا العنوان، الى الخصوبة والتفتح والنمو والسلام، وجعلت الزهور عملاقة وملونة، حيث تتداخل سيقان الزهور وأوراقها واغصانها المتفرعة بطريقة جذابة، وكأنها قطعة حلوى كبيرة. درتُ حول العمل وتفحصت طريقة تنفيذة والألوان التي توزعت كأنها تشير وتدعوا الى مهرجان وسط المدينة، وفعلاً كانت يايوي قد أنجزت هذا العمل بمناسبة إختيار مدينة ليل، عاصمة الثقافة الأوروبية سنة ٢٠٠٤، وقد إبتهج به كل سكان المدينة. وما أن تركتُ باقة التوليب التي أضاءت الساحة بألوانها الصريحة، حتى جاءت مجموعة من الأطفال الصغار الذين بدأوا يلتفون ويتراقصون حول باقة التوليب التي بدتْ كأنها تطاول السماء، رموا حقائبهم المدرسية على الجانب وبدأو باللعب بين تفاصيل العمل وفراغاته المذهلة، وهكذا مثلما جذبَ هذا العمل الناس الكبار، فهو أيضاً ملاذاً للعب الأطفال وجزء من سعادتهم.
هكذا تتوزع أعمال يويوي في كل العالم، وقبل أن تحتفي بها المتاحف والمؤسسات الثقافية، تستقبلها الحدائق والساحات لتكون قريبة من الناس الذي أحبوها من خلال بساطتها وهويتها الواضحة، كذلك روح الدعابة التي تنبعث من بين ثناياها. ولم تكتفِ يويوي بالنحت أو الرسم، بل إهتمت بالشعر وفن الفيديو وعروض الأزياء وتصميم الاعلانات أيضاً. وفي المحصلة صارت أعمالها تنتمي الى الفن المفاهيمي والبوب آرت مع بعض اللمسات الطفولية. لتصبح في النهاية أهم فنانة يابانية معاصرة.
ومن خلال مسيرة طويلة كان لها حضورها الطاغي والكبير في كل مدن العالم التي احتفت بأعمالها، وآخرها معرضها الاستعادي الكبير الذي يقام الآن في متحف ستيدليك في أمستردام والذي يضم أعمالاً أنجزتها على مدى سبعين سنة، من ضمنها مجموعة من الأعمال أنجزتها بشكل خاص لهذا المعرض الذي أفتتح قبل رحيلها بفترة قصيرة، وقد نال المعرض إهتماماً واسعاً قبل وفاتها، وتضاعفَ هذا الإهتمام بعد إن تصدر خبر رحيلها وسائل الأعلام. ومازالت أعداداً كبيرة من الناس يأتون من مناطق مختلفة من العالم لمشاهدة اعمال معرضها والتطلع الى عالمها الفريد الذي يأخذنا الى أعماق البحار تارة، ويعيدنا الى مزارع خيالية مليئة بثمار سحرية تارة أخرى. رحلت هذه الفنانة عن عمر سبعة وتسعين عاماً، قضته كله تقريباً وسط الألوان والاشكال وبقيت أعمالها تشع مثل الشمس في المتاحف والساحات وشوارع المدن الكبيرة. مضتْ وبقي فنها وجمال إنتاجها، ليقول لنا حكايتها التي هي حكاية كل مبدع أحبَّ فنه، وأحبه الناس وانسجموا مع اعماله.
في كل أعمالها، دعَتْ يويوي الى الانفتاح واللانهاية، وعبَّرَتْ عن ذلك من خلال تموجات الخطوط التي تشبه المرايا أو العدسات المقعرة، كذلك ألوانها الجريئة والبقع اللونية التي تتوزع بطريقة غرائبية، وقد ارتكزت تقنيتها وأسلوبها على النقاط والدوائر. هكذا تتحول النقطة والدائرة الى مركز اشعاع فني وأثر جمالي ورؤية إبداع لا يتوقف.
يقولون ان الفرق بين العبقرية والجنون هو خط رفيع جداً، وهذا ما نراه ونتحسسه في اعمال هذه الفنانة التي يقول الكثيرون بأنها مجنونة أو لديها مسّاً من الجنون (ألم يقولوا هذا عن فان خوخ أيضاً؟!)، لكنها مضت في طريق ابداعها وألوانها الاحتفالية وتركيباتها المشوقة التي جذبتْ الصغار والكبار على حد سواء.
هكذا ينبع الجمال من روح الانسان وليس من المدارس الفنية ولا من خلف المكاتب الباردة أو المؤسسات التي تبحث عن الأرباح والنفوذ. فالفن في جانب كبير منه، بسيط وجميل وممتع ويشبه براءة الاطفال، وهذه هي قوته التي تجعله مثل أنشودة حماسية. بهذا الجمال وبهذه القوة الناعمة أشرقت أعمال يويوي في كل مكان وتركتْ بصمتها التي لا تخطؤها العين.