ملخص
على رغم سنوات من الحديث عن الطاقة النظيفة لا يزال الاقتصاد البريطاني رهينة الديزل المستورد. ومع ارتفاع الأسعار وتهديد ترمب بوقف الصادرات الأميركية تواجه البلاد أزمة تكشف ثمن تراجع قدراتها على التكرير وضعف احتياطاتها، وتعيد أمن الطاقة إلى صدارة الاهتمام.
الديزل بمثابة خنجر في خاصرة حكومة آندي بيرنهام، والرئيس الأميركي هو من يمسك بمقبضه.
فتهديد الرئيس الأميركي بحظر صادرات الديزل في محاولة لخفض الأسعار أمام المستهلكين الأميركيين قبل انتخابات التجديد النصفي، سيوجه ضربة موجعة إلى حليفته بريطانيا التي تستورد 55 في المئة من حاجاتها، يأتي نحو ثلثها من الولايات المتحدة.
وعلى رغم كل الجهود التي بذلتها بريطانيا لتحقيق التحول نحو الطاقة النظيفة لا يزال الاقتصاد البريطاني يعتمد بشدة على الديزل، فهو يشغل قطاراً واحداً من كل خمسة، وثلاث سيارات من كل 10، وسبع حافلات من كل 10، وتقريباً جميع الجرارات الزراعية، فضلاً عن 99 في المئة من مركبات نقل البضائع الثقيلة.
وقد تجاوز متوسط سعر الديزل مستويات قياسية، وهو ماضٍ في اتجاه تخطي حاجز جنيهين استرلينيين للتر الواحد. وأظهر تحليل أجرته رابطة السيارات البريطانية (RAC) أن ثلث محطات الوقود في البلاد تبيع الديزل بالفعل بهذا السعر أو بأكثر منه، فيما بات ملء خزان سيارة عائلية تعمل بالديزل، بسعة 55 لتراً، يكلف نحو 110 جنيهات استرلينية (نحو 154 دولاراً)، بزيادة قدرها 31.54 جنيه منذ فبراير (شباط)، مقابل 96 جنيهاً (نحو 127 دولاراً) لوقود السيارات الخالي من الرصاص.
لكن تداعيات ارتفاع الأسعار على الاقتصاد الأوسع ستكون أشد وطأة، لأن الديزل هو الوقود الذي يحرك عجلة نقل السلع والبضائع. ومن الحتمي أن تسعى الشركات إلى تحميل المستهلكين الارتفاع الحاد في كلفها. ولن يكون أمام بنك إنجلترا خيار سوى رفع أسعار الفائدة لمواجهة الضغوط التضخمية. وفي وقت ترتفع فيه أسعار الرهن العقاري بالفعل، تلوح زيادة مرتقبة في ضريبة الوقود من شأنها أن تزيد الضغوط على الأسر، فيما يتعرض وزير الخزانة لضغوط متزايدة للتدخل.
كيف وصلت الأمور إلى هذا الحد؟
ببساطة، سمحت بريطانيا لقدرتها على تكرير النفط بأن تتراجع تدريجاً حتى تآكلت، ولم يعد يعمل في البلاد سوى أربع مصافٍ فقط. ومما يزيد المشكلة تعقيداً أن أكبرها، مصفاة “فاولي” في هامبشير، من المقرر أن تتوقف لمدة 10 أسابيع لإجراء أعمال صيانة.
كذلك لا تحتفظ بريطانيا سوى بجزء ضئيل من حجم مخزونات الوقود التي تحتفظ بها حليفاتها الأوروبية، وتوجد أكبر تلك الاحتياطات في فرنسا وألمانيا. وتضغط إدارة ترمب حالياً من أجل الإفراج عن هذه المخزونات.
لكن السبب الجذري للأزمة الراهنة يعود لترمب نفسه، إذ أدت حربه في إيران إلى اضطراب إمدادات الشرق الأوسط ودفع سعر خام “برنت” إلى الارتفاع متجاوزاً 100 دولار للبرميل.
وتحظى أسعار الوقود بحساسية كبيرة لدى الأميركيين، وهو ما يحاول الديمقراطيون استثماره سياسياً مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي. ووفقاً لتقديرات منصة “بوليماركت” للتنبؤات، تبلغ احتمالات فوز الديمقراطيين بمجلس النواب 93 في المئة، مقابل 63 في المئة للسيطرة على مجلس الشيوخ. وفي ظل هذه المعطيات، يمكن فهم توجه ترمب نحو حظر صادرات الوقود، في انسجام مع نهجه القائم على شعار “أميركا أولاً”.
وبالطبع، فإن أسهل سبيل أمامه لخفض الأسعار هو التوصل إلى تسوية تنهي الصراع مع إيران، لكن قبول الهزيمة بشروط طهران سيكون إذلالاً سياسياً له.
وهكذا، وصلت الأمور إلى الأزمة الراهنة. وإذا لم تتمكن بريطانيا من إقناع ترمب باستثنائها من الحظر، فستكون في موقف بالغ الخطورة.
وفجأةً، بات الجميع يتحدث عن أمن الطاقة. وكان الأجدر أن يحدث ذلك منذ وقت طويل.
© The Independent
