بيان صادر عن مجموعات مدنية حول حماية قيم الثورة السورية (الحريات والعدالة)
بيان صادر عن مجموعات مدنية حول حماية قيم الثورة السورية (الحريات والعدالة)
يُتابع الموقّعون أدناه ببالغ القلق المسار السلطوي الذي تنتهجه السلطة الانتقالية مؤخرًا، والذي يُشكل ارتدادًا خطيرًا عن مكتسبات الشعب السوري وتضحياته بإسقاط نظام الأسد الإجرامي. إنَّ سلسلة الإجراءات الأخيرة، بدءًا من “مدونة السلوك الإعلامي” وصولًا إلى البلاغ رقم (201) المُقيّد لحقّ التظاهر السّلمي، وأخيراً استخدام الرصاص الحيّ لتفريق المواطنين المحتجين في بلدة تلّ منين، هي مؤشراتٌ على سياسةٍ تذكّرنا بأدوات تكميم الأفواه التي ثار عليها الشعب السوري ودفع أثمانًا باهظة.
بناءً عليه، نؤكّد على الثوابت التالية:
إنَّ الممارسات الأخيرة تشكّل مخالفةً صريحةً وجسيمةً لنص المادة (12) من الإعلان الدستوري، التي جعلت من كافّة الحقوق والحريات الواردة في المعاهدات والمواثيق الدولية لحقوق الإنسان جزءًا لا يتجزأ من صُلب البناء الدستوري السوري. إنّنا نؤكّد أنَّ الالتزام الأمين بمضمون هذه المادة هو الركيزة الأساسيّة لنهوض الدولة واستقرارها، والشرط الجوهري لنجاح السلطة الانتقالية في مهمتها لقيادة البلاد نحو مستقبلٍ تسوده سيادة القانون وتُصان فيه كرامة الإنسان. إنَّ القفز فوق هذه الاستحقاقات الدستورية هو تقويضٌ لأسس الدولة المنشودة وإهدارٌ للضمانات القانونية التي ناضل السوريون لانتزاعها.
إنَّ “مجلس الشعب” بصيغته الحالية التي يعيّن فيها رئيس السلطة الانتقالية ثلث أعضاءه، بشكلٍ مباشر، تجعل منه أداةً طيّعةً بيد السلطة التنفيذية لا ممثلًا لإرادة الشعب. إنَّ هذا المجلس بتكوينه الحالي عاجزٌ عن حماية السيادة الوطنية أو الرقابة على الاتفاقيات الخارجية، ممّا يجعله غطاءً محتملًا لتمرير سياساتٍ مجهولة العواقب.
إنَّ دمج السلطات وتكريس نفوذ الرئيس المؤقّت ومنحه حصانةً قانونيةً شاملةً بعيدًا عن الرقابة والمحاسبة، يُعيد البلاد إلى مربّع “الحكم الفردي” الذي ثار السوريون ضدّه. إنَّ ربط مصير وطنٍ بمصير فردٍ واحدٍ هو مغامرةٌ سياسيةٌ نرفض تبعاتها جملةً وتفصيلًا.
إنَّنا نعلن للرأي العام السوري والدولي رفضنا لطريقة تشكيل هذا المجلس نظرًا لما يمكن أن يصدر عنه من قراراتٍ أو اتفاقاتٍ تهدد السّيادة الوطنية. إنَّ الصّمت اليوم هو تفويضٌ بحكم الفرد الواحد، وإنَّ واجبنا الوطني يملي علينا مواجهة هذا الانحراف بالوسائل السلمية والقانونية كافّة. لن نسمح بمصادرة إرادة السوريين مرةً أخرى، ولن نقبل بأن تُهدر تضحياتنا في سبيل نظامٍ شموليٍّ جديدٍ بوجوهٍ جديدة.
إنَّ موقفنا هذا يعكس حرصنا على سلامة المرحلة الانتقالية وعدم المساس بجوهرها كونها مرحلة مؤقّتة باتّفاق الجميع وما يتم انتهاجه خلالها سينعكس على مستقبل سوريا لعقود.
عاشت سوريا حرّةً أبيّة، والعدالة والحرية للشعب السوري.
1 آب/أغسطس 2026
————————
- مناقشة البيان / نورجان سرغاية
من الطبيعي أن تثير بيانات المجتمع المدني السوري، خصوصًا في المرحلة الانتقالية، أسئلة تتجاوز مضمونها المباشر. فالمسألة ليست في حق التعبير أو الدفاع عن الحريات، بل في كوننا أمام لحظة يُفترض أن تؤسس لسوريا معافاة تسع الجميع، لا أن تكتفي بتسجيل المواقف.
وهنا تبرز أسئلة أساسية: من يمثل هذا البيان؟ وما طبيعة الجهات الموقعة عليه؟ وهل يعكس مشروعًا وطنيًا جامعًا، أم يعيد إنتاج الانقسامات السياسية والمناطقية والطائفية السابقة؟
وفي هذا السياق لدي عدة ملاحظات سأوردها تباعاً….
****
إذا قرأنا البيان بوصفه وثيقة سياسية وحقوقية موجهة إلى السوريين والرأي العام الدولي في آب/أغسطس 2026، فهناك نقاط قوة واضحة، لكن توجد أيضًا ثغرات يمكن أن تضعف تأثيره السياسي والقانوني، وبعض العبارات تحتاج إلى تدقيق حتى لا يتحول من بيان دفاع عن الحريات إلى بيان معارضة سياسية عامة للسلطة الانتقالية.
أبرز نقاط الضعف بإيجاز:
1. اللغة الهجومية في بعض المواضع قد تجعل البيان يبدو كبيان معارضة سياسية للسلطة الانتقالية، أكثر من كونه وثيقة حقوقية تدافع عن الحريات.
2. البيان واضح في الرفض، لكنه أقل وضوحًا في تقديم البديل؛ فهو ينتقد تشكيل مجلس الشعب وصلاحيات الرئيس، لكنه لا يقدم تصورًا واضحًا لشكل السلطة وآليات إنتاجها خلال المرحلة الانتقالية.
3. غياب سؤال الشرعية والتفويض الشعبي؛ فالاعتراض لا ينبغي أن يتوقف عند: من عيّن أعضاء مجلس الشعب؟ بل يجب أن يصل إلى السؤال الأهم: من فوّض السلطة أصلًا؟ ومن أين تستمد شرعيتها؟
4. ضعف توثيق بعض الوقائع، وخصوصًا ما يتعلق باستخدام الرصاص الحي في تل منين. وفي بيان موجه للرأي العام الدولي، يصبح التوثيق والتحقق عنصرًا أساسيًا في قوته الحقوقية.
5. استخدام أحكام قطعية تحتاج إلى أدلة، مثل وصف مجلس الشعب بأنه «أداة طيّعة». من الأقوى سياسيًا وحقوقيًا وصف آلية التشكيل والصلاحيات التي تجعله عرضة للهيمنة، بدل إطلاق حكم يحتاج إلى إثبات.
6. عدم تحديد مظاهر دمج السلطات بصورة دقيقة؛ فالحديث عن تركيز السلطة يحتاج إلى تحديد: ما الصلاحيات التنفيذية والتشريعية والقضائية التي اجتمعت؟ وأين غابت آليات الرقابة والمساءلة؟
7. عبارة «حصانة قانونية شاملة» تحتاج إلى تدقيق قانوني، لأن دقة المصطلحات في الوثيقة الحقوقية مهمة، وأي مبالغة يمكن أن تمنح الطرف الآخر فرصة للطعن في البيان كله.
8. الخلط بين ملفات متعددة: الحريات، والتظاهر، والإعلام، وتشكيل مجلس الشعب، وصلاحيات الرئيس، والسيادة الوطنية. جمعها مشروع، لكن البيان يحتاج إلى رابط تحليلي يوضح كيف تقود هذه الممارسات مجتمعة إلى خلل في بنية الحكم.
9. ضعف حضور العدالة الانتقالية، رغم ورود «العدالة» في عنوان البيان. فإذا كانت العدالة إحدى قيم الثورة، فمن الضروري تحديد موقع العدالة الانتقالية والمساءلة وجبر الضرر وكشف الحقيقة في المشروع الانتقالي.
10. الإفراط في استدعاء نظام الأسد قد يضعف الحجة الموضوعية إذا تحولت المقارنة إلى مساواة بين المرحلتين. الأهم هو نقد آليات إنتاج الاستبداد وتركيز السلطة، بصرف النظر عن الأشخاص.
11. عبارة «باتفاق الجميع» غير دقيقة؛ فالمرحلة الانتقالية لم تُبنَ على توافق سوري شامل، ولذلك الأدق الحديث عن «المرحلة الانتقالية القائمة» أو «الترتيبات الانتقالية الحالية».
12. مفهوم «مكتسبات الثورة» يحتاج إلى تعريف. فما الذي نقصد به تحديدًا؟ الحرية؟ الكرامة؟ المواطنة؟ التعددية؟ تداول السلطة؟ سيادة القانون؟ أم مجرد إسقاط النظام السابق؟
13. غياب معالجة حجة الأمن والاستقرار؛ فالسلطة قد تبرر بعض القيود بدواعي الأمن أو منع الفوضى. لذلك كان ينبغي للبيان أن يوضح أن حماية الأمن لا تلغي الحقوق، وأن أي تقييد لها يجب أن يكون قانونيًا وضروريًا ومتناسبًا ومحدودًا.
14. غياب مطالب محددة وقابلة للقياس؛ ماذا يريد الموقعون فورًا؟ وقف تقييد التظاهر؟ مراجعة مدونة السلوك الإعلامي؟ ضمان استقلال القضاء؟ تعديل آلية تشكيل مجلس الشعب؟ وضع جدول زمني للانتخابات؟ هذه المطالب كان يجب أن تكون واضحة.
15. لا يحدد البيان بصورة كافية الجهات التي يخاطبها: هل يخاطب رئيس السلطة الانتقالية؟ مجلس الشعب؟ الحكومة؟ القوى السياسية؟ منظمات المجتمع المدني؟ أم المجتمع الدولي؟
16. التعامل مع الإعلان الدستوري يحتاج إلى تمييز بين الاعتراف بالأمر الواقع والاعتراف بالشرعية. مجرد الاستناد إلى نصوص الإعلان الدستوري وانتقاد مخالفتها لا يعني بالضرورة الاعتراف بشرعية الجهة التي وضعته؛ لكن البيان كان يمكن أن يوضح هذه المسألة حتى لا يبدو وكأنه يسلّم بشرعية الإطار الدستوري القائم دون نقاش.
17. غياب السؤال الأهم: من يملك حق وضع قواعد المرحلة الانتقالية؟ فقبل مناقشة مضمون الإعلان الدستوري، ينبغي مناقشة مصدر التفويض الذي منح السلطة حق وضع هذه القواعد، وحدود هذا التفويض ومدته.
18. مفهوم الديمقراطية غائب تقريبًا خلف مفهوم الحريات. الدفاع عن حرية الإعلام والتظاهر مهم، لكنه لا يكفي لبناء دولة ديمقراطية. الديمقراطية تتعلق أيضًا بكيفية إنتاج السلطة، وتداولها، ومراقبتها، ومحاسبتها.
19. البيان يتحدث عن الشعب لكنه لا يوضح موقع الشعب في إنتاج السلطة. وهنا تظهر المسألة الجوهرية: الشعب ليس مجرد طرف تُدافع السلطة عن حقوقه، بل هو مصدر الشرعية وصاحب السيادة، وهو الذي يفوّض السلطة ويحدد حدودها ويحاسبها.
20. هناك خطر اختزال الثورة في إسقاط نظام الأسد. الثورة لا تُقاس فقط بمن أسقطته، وإنما بالنظام السياسي والقانوني الذي تؤسسه بعد سقوطه. فإذا تغير الحاكم وبقيت قواعد إنتاج السلطة كما هي، فإننا نكون قد غيّرنا السلطة ولم نغيّر بنية الاستبداد.
21. المجتمع المدني نفسه يحتاج إلى مساءلة: من يمثل المجتمع المدني السوري؟ وهل مجرد تجمع عدد من المنظمات أو توقيعها على بيان يمنحها صفة تمثيلية؟ أم أن شرعية المجتمع المدني تقوم على استقلاليته وتنوعه وقدرته على التعبير عن المجتمع بمختلف مكوناته؟
22. غياب رؤية واضحة للدولة التي نريد بناءها. لا يكفي أن نقول: نرفض الحكم الفردي. يجب أن نجيب: هل نريد دولة مواطنة؟ ما موقع الدين من الدولة؟ كيف تُحمى التعددية؟ كيف تُفصل السلطات؟ كيف يتم تداول السلطة؟ وكيف يُمنع احتكارها مستقبلًا؟
23. الخاتمة عامة وشعاراتية أكثر مما هي سياسية، وكان يمكن أن تنتهي بمجموعة مطالب واضحة، لأن قوة البيان لا تقاس فقط بحدة عباراته، وإنما بقدرته على تحويل الاعتراض إلى موقف سياسي وحقوقي قابل للقياس والمساءلة.
وفي رأيي، فإن جوهر النقد يمكن اختصاره في سؤال واحد:
هل نحن أمام محاولة لحماية قيم الثورة، أم أمام إعادة إنتاج خطاب الثورة دون الانتقال إلى السؤال الأصعب: كيف نبني دولة مختلفة في قواعد إنتاج السلطة نفسها ؟!