عليّ الطاهر ليس تلّةً أو مجموعة تلال. ليس حتّى مرتفعاً يسمح بحماية ما يقع عند سفوحه أو خلفه. سقوط عليّ الطاهر أكبر من ذلك بكثير. فهو ليس مجرّد حدث أو تطوّر عسكريّ يمكن تعويضه أو استعادته: عليّ الطاهر خسارة “وجوديّة” حقيقيّة في وطن الطوائف وملاذ الأقليّات.
الطوائف اللبنانيّة خاصّةً ما يطلق عليها “الأقليّات” في هذا الشرق عموماً، وفي الوطن الصغير على وجه الخصوص، تتكوّن من عقيدة دينيّة ومؤمنين وتواريخ وأعياد وطقوس خاصّة وسياسات تتّصل بما هو أوسع منها أو تنفصل عنه، حسب الظروف. لكن قبل ذلك كلّه وبعده، الطوائف في لبنان أو الأقليّات، هي أوّلاً وأخيراً مجموعة تلال وجبال تشكّل ملجأ وحصناً وملاذاً لأتباعها ومؤيّديها والمؤمنين بعقيدتها الدينيّة.
عليه، أن تخسر الطائفة الشيعيّة تلّةً هو أن تخسر جداراً أوّلاً أو أخيراً، ما قبله ليس كما بعده. وحال الطائفة الشيعيّة اليوم هو عمليّاً نتيجة خسارة “الحزب” حصون الطائفة حصناً خلف تلّة خلف حصن، من مارون الراس في أقصى الجنوب عند الحدود مع فلسطين المحتلّة، إلى عليّ الطاهر.
حين تغيب الدولة، تفقد كلّ تلّة وكلّ جبل وكلّ حصن وظيفته الجغرافيّة والسياسيّة… والوجوديّة، إلى أيّ طائفة أو أقليّة انتمى، وللتلال والجبال في لبنان عقائد دينيّة ووظائف سياسيّة وأمنيّة واقتصاديّة واجتماعيّة وثقافيّة.
حين تتحوّل الطّائفة إلى جمهور سياسيّ
ليس أخطر ما فعله “الحزب” بالشيعة أنّه صادر قرار الحرب والسلم فحسب، بل إنّه ساهم، على مدى عقود، في تضييق المجال الثقافيّ والفكريّ والاجتماعيّ الذي تتحرك فيه بيئة واسعة من اللبنانيّين الشيعة. فبدلاً من أن تكون الطائفة مساحة متعدّدة الأصوات، غنيّة بالاجتهادات السياسيّة والفكريّة والاجتماعيّة، جرى اختزالها تدريجيّاً في موقف سياسيّ واحد، وفي سرديّة واحدة، وفي تعريف شبه وحيد للهويّة والانتماء. وهنا يبدأ الإفلاس الحقيقيّ: حين يصبح الاختلاف تهمة، والنقد خيانة، والخروج عن السائد نوعاً من الانشقاق الأخلاقيّ.
لم يكن الشيعة في لبنان تاريخيّاً كتلة صمّاء. كانت بينهم مدارس سياسيّة مختلفة، وشخصيّات ثقافيّة وأدبيّة وفكريّة، وتيّارات قوميّة ويساريّة وليبراليّة ودينيّة، وكانت قراهم ومدنهم جزءاً من الحياة اللبنانيّة العامّة. لكنّ صعود “الحزب” وهيمنته على المجال الشيعيّ دفع بالكثير من هذه التعدّديّة إلى الهامش.
المشكلة، إذاً، ليست في وجود حزب سياسيّ شيعيّ، بل في تحوّله إلى مرجعيّة شبه حصريّة تحدّد ما ينبغي أن يُقال وما ينبغي أن يُرفض. وعندما يصبح السلاح جزءاً من منظومة النفوذ السياسيّ، يصبح الخلاف أكثر كلفة، ويبدأ المجتمع في ممارسة الرقابة على نفسه بنفسه. عندها لا يعود الإفلاس الثقافيّ مجرّد نقص في الإنتاج الفكريّ، بل يصبح فقداناً للقدرة على إنتاج الأسئلة نفسها.
قمّة لبنان وحيدة
سقطت عليّ الطاهر، وغاب “الحزب”. وحدهم الأهالي ظلّوا في الميدان، عزّلاً بلا سلاح ولا دولة ولا حتّى تلّة، ولا حتّى مقام لضريح يشفع للمؤمنين وبهم.
أكثر من 600 كلم مربّع من مساحة لبنان والجنوب تحتلّها إسرائيل اليوم، وهي في طريقها إلى قضم واحتلال المزيد. أكثر من 60 قريةً، والعدد مرشّح للارتفاع يوميّاً، باتت بلا سكّان ولا بيوت ولا أثر لتاريخ أو اجتماع أو ثقافة أو حياة. وأكثر من مليون مواطن لبنانيّ مهدّدون في عيشهم وحياتهم وثقافتهم. يعيشون أيّامهم يوماً بيوم، دون أن يدروا إن كانوا سيستيقظون في اليوم التالي في قراهم وبلداتهم وقرب قبور آبائهم وأجدادهم. لا يدرون حتّى ما إذا كانوا سيستيقظون أصلاً في اليوم التالي. أعمارهم بيد الله صحيح، لكنّها اليوم بيد إسرائيل أيضاً… و”الحزب”.
برغم ذلك، لا يعثر المرء على 600 معترض على ما يجري، لكلّ كيلومتر مربّع محتلّ معترض واحد، أو حتّى على ستّين معترضاً كلّ واحد منهم من قرية محتلّة، أو للدقّة ممحوّة. وتتداول تقارير وأرقام عن تدمير عشرات القرى في الجنوب، وصولاً إلى الحديث عن 65 قرية دُمّرت بالكامل أو تقريباً كلّيّاً.
ربّما تكمن المفارقة الأقسى في السؤال الذي ينبغي أن يطرح نفسه بعد كلّ هذا الدمار: إذا كانت عشرات القرى قد سُوّيت بالأرض، فأين أصوات أهلها؟ ولماذا لا نرى، بالحدّ الأدنى، تجمّعاً مدنيّاً واسعاً يضمّ عشرات الأشخاص الذين يرفعون سؤالاً واضحاً في وجه “الحزب”: لماذا وصلنا إلى هنا؟
إنّ عدم وجود “65 شخصاً”، إذا أردنا استخدام الرقم بوصفه صورة رمزيّة، لا يعني أنّ 65 قرية لا تستحقّ الاحتجاج، بل يعني أنّ الخوف أو التعب أو الولاء أو فقدان الثقة أو غياب البديل قد أصبح أقوى من الرغبة في الاعتراض لو لا عريضة النبطية 2 التي حازت 855 توقيع.
سقوط فائض القوّة وانكشاف الوهم
مأساة الجنوبيّين اليوم في جانب منها من صنع خياراتهم. هي فعليّاً نتيجة أصواتهم التي صبّت في مصلحة “الحزب” والثنائيّ الشيعيّ. يقع جزء من المسؤوليّة على عاتق الدولة، الدولة الغائبة أو المغيّبة، الصامتة أو المتواطئة، كما تقع أجزاء على عاتق الشركاء في الوطن، وتحديداً عندما حاولوا فرادى وجماعات تقليد “الحزب” بالهيمنة والسيطرة على طوائفهم، وعلى المجتمع الدوليّ، وحتماً على إسرائيل، عاصمة الإجرام والإبادة في هذا العالم، ولإيران من ذلك حصّة أيضاً.
مأساة الجنوبيّين تكمن اليوم في تبدّد وهم فائض القوّة. “الحزب” الذي كان يقاتل في سوريا دفاعاً عن نظام الأسد المجرم، وفي غيرها دفاعاً عن حليف هنا ومحور هناك، تبيّن أنّه غير قادر على حماية نفسه، أو حماية أنصاره ومؤيّديه وبيئته الحاضنة. لم يعد قادراً على حماية تلاله وجباله وكلّ ما ظنّ أنّه قد يحميه، وروّج بين مناصريه له.
سقطت تلّة عليّ الطاهر وسقط معها الكثير الكثير، إلّا أمراً واحداً لا يزال مطلوباً أن يسقط لتتغيّر الطائفة الشيعيّة وتعتبر من أخواتها من الطوائف اللبنانيّة الأخرى وتستفيد من الدرس: أن يسقط وهم الحماية الذاتيّة، وأن تسقط التلال الملاجئ، وأن يسقط التقوقع والانعزال.
التلال التي فوق الأرض والمنشآت التي تحتها لا تحمي. وحدها الدولة قادرة على فعل ذلك. وحدها الدولة، دولة القانون والمؤسّسات تعلو ولا يُعلى عليها. هي القمّة العليا في لبنان، بل هي القمّة الوحيدة، من ابتعد عنها خسر ومن لاذ بها ظفر ولو بعد حين.
فهل تتّعظ البيئة الحاضنة، أم يظلّ الحزب يراهن على إسناد جديد يقلب الموازين ويعيد إليه ما فقده من تلال وجبال وملاذ وملجأ؟
