ملخص
سيمفونية بيتهوفن التاسعة تطرح سؤالاً جديداً: هل تستطيع السيمفونية، وهي جنس موسيقي آلي في أساسه، أن تستوعب الكلمة الإنسانية، وأن تتحول إلى إعلان أخلاقي وفلسفي يتجاوز حدود التجربة الفردية؟
لم يبد أي اختيار آخر في تاريخ الفن لعمل يجمع عليه كل المعنيين ومعظم الجمهور الأوروبي العريض، بديهياً، بقدر ما بدا اختيار النشيد العظيم الذي يزين بأصوات كورال نادر الأداء، الحركة الأخيرة من سيمفونية بيتهوفن “التاسعة”، تلك القطعة المذهلة التي كان من الطبيعي لصاحبها أن يتوقف عن إبداع أية سيمفونية من بعدها، تماماً كما يفعل أي فنان عظيم حين يحس، ويجمع كل المحيطين به، بأن عملاً أنجزه في لحظة متقدمة من حياته، إنما هو العمل الأسمى الذي يعرف أنه لن يمكنه تحقيق أي عمل كبير يضاهيه، مهما بذل من جهد وعصر روحه واستعان بأقصى ما يمكن لموهبته، بل حتى كذلك لمعرفته العميقة بعالم الفن والحاجات الروحية لمستمعيه والأجيال الآتية من بعده وبعدهم.
وكل هذا وهو الوحيد في العالم الذي لا يمكنه أن يستمع إلى اللحن الذي أبدع، يعزف أمامه، فهو كان حين لحن السيمفونية التاسعة قد بلغ أعلى درجات الصمم الذي أنتج لديه من بين أمور أخرى، نفوراً من الناس، من المدهش أنه لم ينعكس في ذلك الإبداع الإنساني العظيم، الإبداع الذي أقل ما يمكننا أن نقول عنه إنه أربك المؤلفين الموسيقيين الذين كانوا في تلك الآونة بالذات “يخططون” لإضافة سيمفونيات جديدة إلى تراثهم، فإذا بعمل بيتهوفن الإبداعي الأخير، يضعهم أمام أسئلة بالغة القوة كما سنرى بعد سطور.
وفي انتظار ذلك لا بد، أولاً من أن نطل على تلك السيمفونية التي لا يضجرنا أبداً أن نعود إلى حديث ما، عنها، بين الحين والآخر.
في عز العزلة وذروتها
فحين أنجز لودفيغ فان بيتهوفن (1770 – 1827) سيمفونيته “التاسعة”، التي عزفت للمرة الأولى في فيينا في مايو (أيار) 1824، كان قد ابتعد أعواماً طويلة عن الحياة الموسيقية العامة، وأصبح الصمم الذي أصابه شبه كامل. ومع ذلك، لم يكن هذا العمل مجرد عودة متأخرة إلى جنس موسيقي صنع بيتهوفن أحد أعظم أمجاده، بل كان بالتأكيد محاولة منه لتجاوز الحدود التي استقرت عليها السيمفونية كفن مستقل قائم بذاته، منذ هايدن وموزارت، وصولاً إلى سيمفونيات بيتهوفن نفسه الثماني السابقة.
وكان بيتهوفن قد جعل العمل السيمفوني، منذ الثالثة (“البطولية”)، وفي رأي كبار الباحثين الذين ما انفكوا يتناولون هذا العمل بالبحث والتحليل، تناولهم لمعجزة فنية لا تضاهى، ومنذ قرنين من الزمن، أي حتى ظهور “التاسعة” وعزفها للمرة الأولى، جعلها أكثر من بناء موسيقي متماسك، “جعلها مجالاً لصراع الإنسان مع العالم، وللتعبير عن الإرادة والمقاومة والانتصار”، وهو ما يعيدنا إلى بعض السيمفونيات السابقة للمبدع نفسه، ولا سيما إلى تلك الأربع التي سبقت “التاسعة” وربما يصح أن نقول: مهدت لها بصورة أو بأخرى.
ففي “الخامسة” تحول الإيقاع الشهير الذي يفتتح العمل إلى ما يشبه صورة للصراع مع القدر، بينما اتخذت “السادسة” (“الرعوية”)، مساراً مختلفاً، جعل الطبيعة مصدراً للتأمل والبهجة والصفاء، أما “السابعة” فقد احتفت بالطاقة الإيقاعية، فيما نعرف أن “الثامنة” استعادت شيئاً من الروح الكلاسيكية المرحة، وإن عبر لغة بيتهوفن الناضجة الساخرة والمفارقة.
أفق آخر مختلف تماماً
لكن “التاسعة” تفتح أفقاً آخر، فهي لا تكتفي بتطوير الإمكانات التي بلغها هذا المسار، بل تطرح سؤالاً جديداً: هل تستطيع السيمفونية، وهي جنس موسيقي آلي في أساسه، أن تستوعب الكلمة الإنسانية، وأن تتحول إلى إعلان أخلاقي وفلسفي يتجاوز حدود التجربة الفردية؟ والحقيقة أن أهمية هذا السؤال تتجلى في الحركة الأخيرة، حين يدخل بيتهوفن الأصوات البشرية إلى النسيج السيمفوني، مستعيناً بقصيدة فريدريش شيلر “أنشودة الفرح”. لم يكن إدخال الجوقة والأصوات المنفردة مجرد إضافة شكلية أو استعراض لقدرات التأليف، لقد كان انقلاباً في مفهوم السيمفونية، إذ أصبحت الموسيقى والكلمة تتضافران للتعبير عن حلم بالأخوة الإنسانية، وعن عالم تتجاوز فيه الروابط البشرية الانقسامات والحدود، ولكن، وبالتحديد بصورة لا علاقة لها بفن الليدر (الشعر الملحن) ولا طبعاً بالفن الذي يقوم على التضافر بين الموسيقى والغناء، وحتى ليس بفن الأوراتوريو القائم على الترتيل غير الممسرح، ولا سيما الترتيل الذي يغلب عليه الطابع الديني.
هنا في “التاسعة” لدينا الموسيقى السيمفونية في المقام الأول، ولكن لدينا خلال دقائق، تعبر وكأنها تصعيد غير متوقع (كريشندو) لعاطفة جماعية تنهل من قصيدة شيلر الرائعة وقد أضحت جزءاً جوهرياً من العمل برمته، لدينا ذلك الاحتفال الغريب بالفرح الذي لم يكن قد خطر في بال المستمعين خلال الحركات السابقة، ولا يتوقعون من بيتهوفن نفسه.
تأثير الثورة الفرنسية
ولكن هنا قد يكون علينا أن نتنبه إلى ما يذكرنا به دارسو هذا العمل الاستثنائي، من أن هذه السيمفونية لا تصل إلى هذا الاحتفاء بالفرح عبر طريق مستقيم، “فالحركة الأولى، كما يقولون عن حق، مشحونة بالتوتر، والثانية تندفع في حركة إيقاعية تكاد تستحضر طاقة جماعية بدائية، فيما تقدم الثالثة فضاءً تأملياً بالغ الرقة” ثم عندما تبدأ الحركة الأخيرة، تستعيد الموسيقى موضوعاتها السابقة كما لو أنها تراجع مساراتها الممكنة، قبل أن تقترح صوتاً جديداً يفضي إلى “أنشودة الفرح”، بهذا المعنى لا يبدو الفرح نتيجة سهلة، بل ثمرة اجتياز الصراع والاضطراب والتأمل.
ومن هنا أيضاً تتضح، وفي رأي النقاد والدارسين أنفسهم، الصلة بين العمل ومناخ بيتهوفن الفكري، فقد حملت الثورة الفرنسية ومثالها التحرري، بما صاحبه من آمال وانتكاسات، أثراً عميقاً في وجدانه، صحيح أنه لا ينبغي اختزال السيمفونية في بيان سياسي مباشر، لكن تصورها للأخوة الإنسانية يلتقي مع المثل التنويرية التي جعلت الإنسان، لا النسب أو الامتياز الاجتماعي، أساساً للكرامة. إنها رؤية مثالية لا تخلو من التوتر بين الحلم والواقع، لكنها تمنح الموسيقى بعداً أخلاقياً نادراً.
الورثة أمام معضلة
أما موقع “التاسعة” في مجمل أعمال بيتهوفن فيتحدد كذلك بما تركته من أثر في الأجيال اللاحقة. لقد واجه مؤلفون مثل برامز وفاغنر سؤال الإرث البيتهوفني كل بطريقته: كيف يمكن كتابة موسيقى كبرى بعد عمل بدا كأنه استنفد إمكانات السيمفونية ورفع سقف طموحاتها إلى أقصى مدى؟ لم يكن تأثير “التاسعة” مقتصراً على الشكل، بل شمل فكرة أن الموسيقى تستطيع أن تحمل تصوراً للعالم، وأن تعبر من التعبير الذاتي إلى المعنى الإنساني المشترك.
هكذا تبدو السيمفونية التاسعة ذروة لمسار بيتهوفن، ولكنها أيضاً باب مفتوح على المستقبل. إنها نهاية مرحلة في تطور السيمفونية، وبداية سؤال ظل يشغل الموسيقى الأوروبية الحديثة: كيف يمكن للصوت، من دون أن يفقد استقلاله الجمالي، أن يصبح لغة للحرية والتضامن والأمل؟ أي لتضافر هذه الأبعاد التي ما إن أعيد توحيد أوروبا في عدد بلدانها الحالي بعد أعوام قليلة من بدايات الألفية الجديدة، لم يتردد الأوروبيون في اختيار مقطوعة “نشيد إلى الفرح” المقتطعة من السيمفونية التاسعة، النشيد التوحيدي لأوروبا باعتباره، كالفكرة الأوروبية نفسها، نشيداً موجهاً إلى البشرية جمعاء، كما سبق أن ذكرنا هنا مرات ومرات من قبل.
