واشنطن – في انعطافة لافتة تعكس تباين الخطاب السياسي بين لغة التهديد والتلويح بالتسوية السريعة، اعتبر الرئيس الأميركي دونالد ترامب أن الأمور تسير على ما يرام فيما يتعلق بإيران، مؤكدا أن الحرب ستنتهي قريبا، ومكررا الجزم القاطع بأن طهران لن تمتلك سلاحا نوويا تحت أي ظرف.
وجاءت هذه التصريحات التي أدلى بها ترامب، الذي دأب مؤخرا على توجيه رسائل تهديد ووعيد لطهران عبر حسابه على منصة “تروث سوشيال”، اليوم السبت من العاصمة الإيرلندية دبلن، عقب لقائه الرئيسة الإيرلندية كاثرين كونولي.
وفي رده على سؤال حول ما إذا كان بإمكانه المساعدة في ضمان انسياب حركة الملاحة العالمية عبر مضيق هرمز الحيوي، قال ترامب إن “كل شيء سيسير على ما يرام”، مضيفا بثقة أن الحرب ستنتهي قريبا جدا وأن أسعار النفط العالمية ستشهد هبوطا حادا بعد ذلك، معربا في الوقت ذاته عن اعتقاده بأن طهران تمتلك صواريخ متطورة تستطيع استهداف المدن الأوروبية، في محاولة لحشد التأقلم الغربي مع السياسة الأميركية الخشنة.
وفي سياق متصل بالأمن البحري واحتواء التداعيات الاقتصادية، كشفت رسائل بريد إلكتروني تلقتها سفن الشحن التجاري مؤخرا أن الولايات المتحدة وضعت مواعيد جديدة ومحددة يمكن لناقلات النفط خلالها عبور مضيق هرمز تحت الحماية الجوية والبحريّة الأميركية المكثفة، وذلك بعد تصاعد الهجمات الإيرانية المستمرة على السفن التجارية، خصوصاً خلال ساعات الليل المتأخرة.
وأبلغت السلطات العسكرية الأميركية السفن بضرورة بدء رحلاتها العابرة للمضيق في أوقات دقيقة ومدروسة، مثل الساعة التاسعة صباحا، لتأمين تغطية دفاعية جوية تحول دون استهدافها.
ويأتي هذا الإجراء العملياتي بعد تصاعد غير مسبوق في التوتر بين الجانبين الأميركي والإيراني، إثر الانهيار التام لاتفاق يونيو الماضي، ليتركز الصراع كليا على هذا الممر المائي الاستراتيجي الذي شهد خلال الأيام القليلة الماضية ما يشبه “حرب السفن” المفتوحة بين إيران والقوات الأميركية.
وعلى خط الصعيد الإقليمي المرتبط، أشار ترامب إلى التطورات الميدانية المتسارعة في الساحة اليمنية، كاشفا أن الحوثيين المدعومين من إيران طلبوا من الولايات المتحدة عدم التدخل في النزاع في اليمن، حيث سيطروا الجمعة على منطقة مضيق باب المندب الاستراتيجي، بعد تقدمهم الواضح على حساب القوات الحكومية المدعومة من السعودية.
تصريحات ترامب من دبلن تعكس استراتيجية الضغط القصوى التي تدمج بين التهديد العسكري والتلويح بالتسوية الاقتصادية، في محاولة لإعادة هندسة أمن الطاقة العالمي
وقال ترامب خلال زيارته لإيرلندا “لقد أجرينا نقاشات. اتصل بنا الحوثيون، وهم لا يريدون قتالنا”، مضيفاً بوضوح: “لا يريدوننا أن نهاجمهم”، وهو ما يفتح بابا واسعا أمام قراءات جديدة لطبيعة التفاهمات التي جرت تحت الطاولة في الممرات البحرية الحساسة.
ومنذ تفجر المواجهة العسكرية الشاملة بين إيران والولايات المتحدة في الثامن والعشرين من شهر فبراير الماضي، تعرضت حركة الملاحة في مضيق هرمز لشلل شبه تام جراء التهديدات الإيرانية المستمرة واستهداف السفن المرتبطة بالتحالف الغربي.
فبينما كان المضيق يشهد في الظروف العادية مرور نحو مئة وعشرين وخمسين سفينة تجارية كبرى يومياً، تشمل ناقلات النفط الضخمة والغاز الطبيعي المسال وسفن البضائع السائبة والحاويات، تقلص هذا العدد تدريجيا ليصل إلى مجرد عشرات السفن.
يعدّ مضيق هرمز الشريان الحيوي الأهم عالميا، إذ كان يمر عبره نحو عشرين في المئة من الإمدادات العالمية اليومية من النفط الخام والغاز الطبيعي المسال.
وفي المقابل، أدى الحصار البحري والاقتصادي المشدد الذي فرضته الولايات المتحدة على حركة الشحن المرتبطة بإيران إلى توقف كامل وشامل لصادرات النفط الخام الإيرانية منذ إعادة فرض الحزمة القصوى من العقوبات في منتصف شهر يوليو الماضي.
وفي سياق ردود الفعل على التهديدات الإقليمية، علق الرئيس الأميركي على الهجوم الجوي الذي طال خط أنابيب النفط السعودي الاستراتيجي، مؤكدا أن ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان هو “صديق عزيز جدا”، وأردف بشكل حاسم أن إيران هي المسؤولة على الأرجح عن هذا الهجوم التخريبي.
وأتت هذه التصريحات السياسية بعد يوم واحد فقط من تجديد الرئيس الأميركي، الجمعة، تأكيده القاطع على أن بلاده لن تسمح بأي شكل من الأشكال لطهران بالحصول على ترسانة سلاح نووي.
وتكشف هذه المواقف عن مساعي الإدارة الأميركية للتنسيق الوثيق مع الحلفاء الخليجيين وتأمين خطوط الإمداد الطاقوية، بالتزامن مع الضغوط العسكرية والاقتصادية الهادفة لتقويض القدرات الإيرانية الإستراتيجية.
وتأتي تصريحات ترامب من دبلن لتعكس استراتيجية الضغط القصوى التي تدمج بين التهديد العسكري والتلويح بالتسوية الاقتصادية، في محاولة لإعادة هندسة أمن الطاقة العالمي بمعزل عن طموحات طهران الإقليمية.
وتؤكد هذه المعطيات المتشابكة أن الإدارة الأميركية تدير معركتها مع إيران وفق حسابات دقيقة تجمع بين الاحتواء العسكري والرسائل الدبلوماسية المطمئنّة للأسواق. فمن جهة، تؤكد واشنطن عزمها على تأمين الممرات المائية وحماية حلفائها عبر آليات المرافقة الجوية وإعادة إحياء سلاسل الإمداد النفطي، ومن جهة أخرى، يواصل ترامب إرسال إشارات متلاحقة حول قرب انتهاء العمليات العسكرية وانخفاض أسعار النفط، رغبةً منه في احتواء الغضب الاقتصادي المحلي والعالمي الناجم عن توترات هرمز.
ويقوم الرهان الأميركي على إجبار طهران، عبر الحصار المالي والعسكري المطبق، على القبول بشروط تفاوضية جديدة تلجم برنامجها النووي وتنهي تهديداتها للملاحة الدولية، مما يضع المنطقة أمام مفترق طرق حاسم بين تسوية هشة أو تصعيد واسع النطاق.