.
لا تزال “لعبة الأمم” فاعلة بأحداثها المستمرة، منذ أن كشف عميل الاستخبارات الأميركية مايلز كوبلاند، في كتابه “The Game of Nations” الصادر عام 1969، خصوصاً للشرق الأوسط، كيف تخترق الولايات المتحدة الدول، وتتعامل مع حكامها وشعوبها.
غير أن أدوات اللعبة التي كانت تُمارَس في المنطقة نفسها، كالحرب بالوكالة، واستغلال الانقسامات الداخلية، والقابلية للاستقطاب الخارجي، ونفوذ القوة الناعمة، بدأت القوى الإقليمية نفسها تستخدمها من ضمن أجنداتها الخاصة، بل أصبحت هي الأخرى تمارس اللعبة ذاتها مع القوى الكبرى، بقدر ما تستخدم فيه الأخيرة هذه الأدوات حيالها.
مثلاً، دولة مثل تركيا التي احتلت موقعاً مركزياً في الاستخبارات الأميركية التي كانت بمثابة الحارس للمؤسسة العسكرية الكمالية، خشية أي تمدّد شيوعي أو إسلامي فيها قد يمثل تهديداً للمصالح الغربية؛ تبدو تجربتها الراهنة نتاجاً جدلياً للصراع والتضاد بين السيف العلماني والهلال الإسلامي. كما تعلمت الدرس من تجربة القومية العربية التي انهارت، فسعت إلى أن تصبح طرفاً في “لعبة الأمم”، بدلاً من أن تظل موضوعاً لها.
ولذلك، لم يتخلَّ الإسلاميون الأتراك عن الليبرالية، ولم يتنكروا لعلمانية الدولة، خشية المساس باستقرار الداخل ووحدته؛ إذ بدا الحفاظ على هذه المعادلة شرطاً أساسياً للتحول إلى لاعب إقليمي فاعل. وفي مشروعهم الإمبريالي للنفوذ الخارجي، طرحوا آليةً لتجاوز الصراع بين العِرق والدين، فبرز في البداية مفهوم “العثمانية الجديدة” بوصفه منطلقاً قوميّاً يتجاوز حدود الجمهورية التي رسمها مؤسس الدولة التركية الحديثة، كمال أتاتورك.
