محي الدين عمّورة…الجمهورية .نت
ما إن أُسدِل الستار على موسم 2025–2026 من الدوري السوري لكرة القدم، أحدِ أكثر المواسم إثارةً للجدل في تاريخه الحديث بما شهده من فوضى ومشكلات إدارية ومالية وتنظيمية وجماهيرية، حتى بدأت الأندية واتحاد كرة القدم الاستعداد لموسم جديد يبدو أنه يحمل معه كثيراً من الأسئلة القديمة، إلى جانب متغيّراتٍ جديدة قد تُعيد رسم شكل اللعبة في سوريا.
وكانت الأندية الأربعة التي احتلت المراكز الأخيرة في ترتيب الدوري الممتاز مع نهاية الموسم الماضي قد حاولت الضغط على اتحاد كرة القدم لإلغاء الهبوط إلى الدرجة الأولى خلال الجمعية العمومية التي انعقدت بعد نهاية الموسم، إلا أن الاتحاد تمسّكَ بتنفيذ القرار الذي سبق أن اتَّخذته الجمعية العمومية السابقة، وبموافقة جميع الأندية، قبل انطلاق الدوري. وبذلك هبطت فرق أُميّة وخان شيخون وجبلة والشعلة إلى الدرجة الأولى، في حين صعد فريقا النواعير والقامشلي سبورت (الهلال سابقاً) إلى الدوري الممتاز، لينخفض عددُ فرق الدرجة الممتازة من 16 إلى 14 فريقاً في الموسم الجديد.
تاريخ يعود إلى ستين عاماً
يعود تاريخ انطلاق الدوري السوري لكرة القدم إلى السابع من تشرين الأول (أكتوبر) عام 1966، ولكنه ظلَّ خارج إطار الاحتراف حتى عام 2003. وخلال هذه الفترة أُقيمت 55 نسخةً، إذ لم تُقَم البطولة في بعض السنوات، ولم تكتمل في سنوات أخرى لأسباب مختلفة. وخلال النُّسخ الـ55، توّج عشرة أندية فقط بلقب الدوري، ستخوض ثمانية منها منافسات الموسم المقبل، بينما ستبحث ستةُ أندية عن تتويجها الأول باللقب. ويتصدر الجيش قائمة الأندية الأكثر تتويجاً، برصيد 17 لقباً، بينها خمسة ألقاب متتالية بين عامي 2015 و2019. ويأتي أهليُّ حلب والكرامة في المركز الثاني بثمانية ألقاب لكل منهما. وكان أهلي حلب صاحبَ أول لقب في تاريخ الدوري، كما أحرز آخرَ لقبين، بينما حقّق الكرامة أربعة ألقاب متتالية بين عامي 2006 و2009. أمّا تشرين فأحرز خمسة ألقاب، بينها ثلاثة متتالية، فيما تُوِّج الفتوة أربع مرات، والشرطة ثلاث مرات، والحرية والوحدة مرتين لكل منهما. وهذه الأندية الثمانية ستُنافِس في الموسم المقبل، في حين يمتلك جبلة أربعة ألقاب لكنه هبط في الموسم الماضي إلى الدرجة الأولى. ويملك بردى لقبين، وقد خاض آخر مواسمه في الدرجة الممتازة (الأولى حينها) في موسم 1995/1996، قبل أن يهبط ولم يتمكن منذ ذلك الحين من العودة إلى دوري الأضواء.
احتراف منذ 23 عاماً، لكنّه أقرب إلى دوري الهواة
بدأ تطبيق نظام الاحتراف في الدوري السوري خلال موسم 2003/2004، لكن مرور 23 موسماً على اعتماد هذا النظام لم يكن كافياً لنقل كرة القدم السورية إلى مستوى الاحتراف المعمول به في دوريات العالم، ولا حتى في معظم الدوريات العربية. فالمال هو العصب الأساسي لأيِّ منظومة احترافية، ومع غيابه أو عدم استقراره تظهر معظم المشكلات التي تُعاني منها الأندية.
وبين قوانين احتراف ناقصة نتيجةَ أداء الاتحادات المتعاقبة على إدارة كرة القدم السورية، وإدارات أندية تفتقر إلى الموارد المالية، ولاعبين محليين بات كثيرٌ منهم يختزل مفهوم الاحتراف في الأموال التي يحصلون عليها، تدور كرة القدم السورية في حلقة مُفرّغة، فيما يبقى الخاسر الأكبر هو اللعبة نفسها وجمهورها. ولم تكن هذه المشكلات واضحةً بهذا الحجم خلال السنوات الأولى لتطبيق نظام الاحتراف، خصوصاً مع توافد عدد كبير من اللاعبين الأجانب إلى فرق الدوري، في ظلِّ تدفق الأموال من الداعمين ورجال الأعمال.
لكن مع انطلاق الثورة السورية عام 2011، تبدَّلت الصورة بشكل كبير. غادر أصحاب الأموال البلاد، أو توقفوا عن تقديم الدعم المالي للرياضة، ومعهم غادر عددٌ من اللاعبين المحليين بحثاً عن دوريات أكثر استقراراً، عربية أو أجنبية، ورواتب أفضل مما تُقدّمه الأندية السورية، مهما بلغت قيمتها. أمّا اللاعبون الذين لم تُتَح لهم فرصة المغادرة، فقد وجد بعضهم نفسه في موقع قوة أكبر أمام إدارات الأندية، وبدأوا يُطالِبون بمبالغ مالية كبيرة، بل ويفرضون شروطهم ضمن العقود الموقَّعة. ومن أبرز هذه الشروط توقيعُ عقد لموسم واحد فقط، وأحياناً نصف موسم، وشرطٌ آخر يسمح للاعب بالمغادرة في أيِّ وقت إذا وصل إليه عرض خارجي. وفي المقابل، وجدت إدارات الأندية نفسها، في ظلِّ قلة اللاعبين المحليين الجيدين ورغبتها في إرضاء جماهيرها، مضطرة إلى دفع تلك المبالغ والموافقة على الشروط، مهما كانت مجحفة. وحاولت اتحادات كرة القدم المتعاقبة مواجهة هذه الظاهرة عبر إصدار قوانين تضع سقفاً لمقدمات العقود ورواتب اللاعبين الشهرية، بعد وصول عددٍ كبيرٍ من الشكاوى من الأندية التي لا تملك الموارد المالية الكافية. لكن تلك القوانين لم تمنع بعض الإدارات، بالتعاون مع اللاعبين، من الالتفاف عليها من خلال توقيع عقود شكلية بقيمٍ ماليةٍ أقلَّ من المبالغ المتفق عليها فعلياً. ومع ذلك، وقعت خلال السنوات الماضية مشكلات قانونية كثيرة بين الأندية واللاعبين، وصل بعضها إلى الاتحاد الدولي لكرة القدم، الذي فرض عقوبات على أندية سورية بسبب عدم سدادِ مستحقات لاعبين سوريين أو أجانب.
لكن المشكلة الأكبر تبقى في إدارات الأندية نفسها. فعندما تجِد الإدارة أنها عاجزة عن توفير الأموال أو دفع مستحقات اللاعبين والمدربين، تُقدِّم استقالتها، تاركةً وراءها مشكلات مالية وإدارية متراكمة للإدارة التي ستأتي بعدها. ويتذكر متابعو الدوري السوري كيف شهدت الأندية قبل عدة سنوات انتخابات متكررةً لاختيار مجالس إدارات جديدة، من دون أن يتقدَّم أحدٌ للترشح، رغم إعادة الانتخابات أكثر من مرة، بل إن بعض الأشخاص رفضوا تسلُّم إدارة النادي حتى بالتعيين.
إدارات جديدة في أكثر من نصف أندية الممتاز
لم تكن بداية الموسم الجديد مختلفة كثيراً. فور انتهاء الموسم الماضي، هبَّت رياح التغيير على إدارات معظم الأندية، بين الاستقالة والإقالة وإعادة التشكيل. ومن أصل 14 نادياً ستخوض منافسات الموسم المقبل، تغيَّرت إدارات ثمانية أندية، وبعضها أكثر من مرة. في المقابل، بقيت إدارات أندية الجيش، والشرطة، ودمشق الأهلي، والكرامة، والطليعة، والوافد الجديد القامشلي سبورت على حالها. أمّا الأندية التي طالها التغيير فهي أهلي حلب، بطل الدوري، وحمص الفداء الوصيف، والوحدة والفتوة وحطين وتشرين والحرية، والنواعير العائد إلى دوري الأضواء.
ورغم تتويج أهليّ حلب بلقب الدوري في الموسمين الأخيرين، أعادت وزارة الرياضة والشباب في شهر أيلول (سبتمبر) تشكيل مجلس إدارة النادي برئاسة محمد زكريا كعدان، إلى جانب 11 عضواً جديداً، فيما بقي رئيس النادي وحدهُ من المجلس القديم الذي كان قد تشكّل في شباط (فبراير) 2025، وضَمّ ثمانية أعضاء آخرين.
وكان جاره الحرية قد سبقه إلى تغيير إدارته. ففي مطلع شهر آب (أغسطس)، أصدرت وزارة الرياضة والشباب قراراً يقضي بحلِّ مجلس إدارة النادي وتشكيل لجنة لتسيير أعماله برئاسة محمد جابر شيخ البساتنة، إلى جانب أربعة أعضاء، وذلك إلى حين تشكيل مجلس إدارة جديد وفق الأصول. إلا أن الإدارة الجديدة لم تتشكّل حتى الآن، وما تزال لجنة تسيير الأعمال تقوم بمهامها.
وفي حمص، وبعد أربع سنوات من العمل في إدارة نادي حمص الفداء، بدأها نائباً لرئيس النادي منذ عام 2022، قبل أن يتولى رئاسة الإدارة عقب انتخابات عام 2024، تقدَّم نجيب الفرا باستقالته. وجاءت الاستقالة بعد أن أنهى فريقه الدوري في المركز الثاني، بفارق نقطة واحدة فقط عن البطل أهلي حلب، وذلك بسبب ما وصفهُ بالتحديات والضغوط المادية والمعنوية الكبيرة التي يُواجهها النادي، مؤكداً في الوقت نفسه استمراره في تسيير الأمور خلال الفترة المقبلة. ورغم تقديم الاستقالة في منتصف شهر تموز (يوليو)، ما تزال الإدارة على حالها، ولم يُكلَّف رئيس جديد حتى اليوم.
أمّا إدارة الفتوة برئاسة حذيفة الأحمد، فقد قدَّمت استقالتها فور انتهاء الموسم الماضي، قبل أن يُعاد تشكيل الإدارة في بداية شهر أيلول (سبتمبر) برئاسة محمد عبد الرزاق الوردي، إلى جانب ثمانية أعضاء آخرين.
وفي النواعير، لم تستمر إدارة هشام حمدون طويلاً. فبعد نحو خمسة أشهر فقط من توليها إدارة النادي، الذي نجح في العودة إلى الدوري الممتاز، تقدَّم مجلس الإدارة باستقالته في بداية شهر أيلول (سبتمبر). وقبلت الوزارة الاستقالة، وأعادت تشكيل مجلس إدارة جديد برئاسة خالد حافظ مراد أغا وعضوية ستة أشخاص.
وطال التغيير أيضاً قطبي اللاذقية حطين وتشرين. ففي نهاية شهر آب (أغسطس)، شُكِّل مجلس إدارة جديد لنادي حطين برئاسة عبد القادر زيدان وعضوية أربعة أشخاص. لكن قصة تشرين كانت أكثرَ تعقيداً. ففي نهاية شهر تموز (يوليو)، شُكلت إدارة جديدة برئاسة علي طه وعضوية أربعة أشخاص، قبل أن تقوم مديرية الرياضة والشباب بإقالتها في منتصف شهر أيلول (سبتمبر)، وتكليف أحد أعضائها، عمر دروبي، برئاسة لجنة مؤقتة لتسيير أمور النادي، مع الإبقاء على عضوين من الإدارة السابقة هما خالد بدوي وزياد عجوز. وقالت صحيفة «الوطن» إن سبب الإقالة يعود إلى عدم جدية الإدارة في التعاطي مع شؤون النادي وملف كرة القدم بمسؤولية، وهو ما أدى إلى التأخر في تسديد الدفعة الثانية من عقود اللاعبين التي وُعِدوا بها. وما تزال اللجنة المؤقتة على رأس عملها من دون تشكيل إدارة جديدة.
أمّا نادي الوحدة، فله قصة مختلفة، وربما أكثر دلالة على التحولات التي يُمكِن أن تشهدها الأندية السورية خلال المرحلة المقبلة، سنأتي على ذكرها.
70 لاعباً أجنبياً.. ومدرب أجنبي واحد
على الرغم من كل التغييرات الإدارية والمشكلات المالية التي تُعاني منها معظم الأندية، فإن سوق التعاقدات للموسم الجديد شهد تدفقاً كبيراً للاعبين الأجانب. وبلغ مجموع اللاعبين الأجانب الذين وصلوا إلى فرق الدوري 70 لاعباً، من دون احتساب اللاعبين السوريين العائدين من خارج البلاد. واستفادت إدارات الأندية من تعديل أجراه اتحاد كرة القدم على أحكام التعاقد للموسم المقبل، إذ سَمَح للأندية بالتعاقد مع أربعة لاعبين أجانب كحد أقصى، على ألا يكون بينهم حرّاس مرمى، في حين يُعامل اللاعب الفلسطيني معاملة اللاعب السوري.
وفتح القرار الباب أمام موجة واسعة من التعاقدات، خصوصاً بعد موافقة الاتحاد الدولي لكرة القدم على طلب الاتحاد السوري تمديد فترة الانتقالات الصيفية أسبوعاً إضافياً، بعدما كان مقرراً إغلاقها في 20 أيلول (سبتمبر). وبلغ عدد اللاعبين الفلسطينيين الذين سيكونون موجودين في الموسم المقبل مع ثمانية أندية 20 لاعباً، فيما وصل عدد اللاعبين الأجانب إلى 50 لاعباً، معظمهم من القارة الأفريقية. والجديد هذا الموسم كان دخولَ لاعبين من أميركا الجنوبية إلى سوق الدوري السوري. فتعاقدَ الفتوة مع لاعبين، أحدهما أرجنتيني والثاني كولومبي، بينما تعاقدَ حمص الفداء مع لاعبٍ برازيلي وآخرَ أرجنتيني من أصول فلسطينية، في حين تعاقدَ أهليُّ حلب مع ثلاثة لاعبين من البرازيل.
وكان الفتوة وحمص الفداء الأكثر تعاقداً. فقد تعاقد الفتوة مع خمسة لاعبين فلسطينيين وثلاثة أجانب، بينما تعاقد حمص الفداء مع أربعة فلسطينيين وأربعة أجانب. ويأتي بعدهما الطليعة ودمشق الأهلي، بواقع ثلاثة لاعبين فلسطينيين وثلاثة أجانب لكل فريق. أمّا الكرامة والوحدة، فتعاقدَ كلٌّ منهما مع لاعب فلسطيني وأربعة أجانب. وتعاقد أهليُّ حلب والحرية والشرطة والجيش مع أربعة لاعبين أجانب لكل فريق. وضمَّ حطين لاعباً فلسطينياً وثلاثة أجانب، وتشرين ثلاثة أجانب، والنواعير لاعباً فلسطينياً ولاعباً أجنبياً، فيما تعاقدَ القامشلي سبورت مع لاعب أجنبي واحد.
وبالمقارنة مع الموسم الماضي، فإن عدد اللاعبين الأجانب ارتفع بشكل كبير. ورغم أن الموسم الماضي شهد تألُّق عددٍ من المحترفين، وفي مقدمتهم الكاميروني إيمانويل ماهوب، لاعب أهلي حلب، الذي تُوِّج هدافاً للدوري بعد تسجيله 26 هدفاً، قبل أن يُغادر مع نهاية الموسم للاحتراف في البحرين، والغيني ريتشموند آنطوني، لاعب دمشق الأهلي، الذي غادر بدوره إلى الدوري السعودي، والفلسطيني إسلام البطران، لاعب الكرامة، الذي جدَّد عقده لموسم آخر، إضافة إلى عدد من اللاعبين الآخرين الذين أثبتوا حضورهم، فإن غالبية المحترفين لم يُشكِّلوا إضافة كبيرة، بحسب متابعين للدوري.
وفي مفارقة لافتة، لم تتّجه الأندية إلى المدربين الأجانب بالطريقة نفسها. فقد فضّلت إدارات 13 نادياً الاعتماد على مدربين محليين، بينما كان أهلي حلب النادي الوحيد الذي تعاقد مع مدرب أجنبي، هو الروماني تيتا فاليريو، الذي سبق له تدريب الفريق في سنوات سابقة.
استعداد متفاوت، والشرطة في المقدمة
وعلى مستوى التحضير للموسم الجديد، كان فريق الشرطة الأفضل استعداداً، بعدما أقام معسكراً خارجياً في الأردن استمر 14 يوماً، خاض خلاله ثلاث مباريات مع فرقٍ أردنيةٍ انتهت جميعها بالتعادل. أمّا حمص الفداء، فلعب مباراة ودية مع الأنصار اللبناني في لبنان، وتمكَّن من الفوز بها. وفضّلت بعض الفرق إقامة معسكرات تدريبية خارج محافظاتها، فيما اكتفت بقية الأندية بعدد من المباريات الودية على أرضها. وتتّجه الأنظار أيضاً إلى الوافد الجديد، القامشلي سبورت، الذي تأسس عام 2022 وتمكّن خلال فترة قصيرة من التدرُّج في الدرجات حتى وصل إلى الدوري الممتاز، في إنجاز غير مسبوق. وكثّف الفريق استعداداته من خلال سلسلة من المعسكرات التدريبية والمباريات الودية في محافظات اللاذقية وحمص وحلب.
اتحاد الكرة: قرارات جديدة وإعادة تشكيل اللجان
وبالتوازي مع التغييرات التي شهدتها الأندية، أصدر اتحاد كرة القدم مجموعةً من القرارات الجديدة. فإلى جانب القرار المتعلق باللاعبين الأجانب، أصدر الاتحاد قراراً يتعلق بآلية تسجيل اللاعبين في الدوري والرسوم المترتبة على ذلك. وفرض الاتحاد نسبة 5 بالمئة من القيمة الإجمالية لعقدِ كلِّ لاعب تُدفَع إلى الاتحاد، إضافة إلى رسوم إصدار البطاقات الخاصة بلاعبي فريق الرجال وأفراد الكادر الفني والإداري والطبي، والبالغة 1,000 ليرة سورية جديدة عن كلِّ بطاقة.
وفي ملف التحكيم، أصدر الاتحاد قراراً برفع تعويضات وأجور الحكام المحليين، بالتزامن مع إطلاق آلية جديدة تسمح للأندية باستقدام حُكَّام أجانب. ووفق القرار، يتقاضى حكم الدوري الممتاز «الدولي» 15,000 ليرة سورية جديدة، أي ما يعادل 1.5 مليون ليرة بالعملة القديمة، بينما يتقاضى حكم الدرجة الأولى 13,500 ليرة جديدة، وحكم الدرجة الثانية 11,000 ليرة، وحكم الدرجة الثالثة 10,000 ليرة، في حين حُدد تعويض مُقيِّم الحكام والمراقب الإداري بـ11,000 ليرة جديدة. أمّا تكلفة استقدام طاقم تحكيمي من الأردن أو لبنان، فحدَّدها الاتحاد السوري بـ 4,000 دولار أميركي للمباراة الواحدة. ومع ذلك، تبقى التقنيات والوسائل المساعدة للحكام غائبة عن الدوري السوري حتى إشعار آخر.
وعلى صعيد اللجان، أعاد اتحاد كرة القدم تشكيل لجنة الانضباط والأخلاق، ولجنة الاستئناف، ولجنة المسابقات، وهي اللجان التي أثارت خلال السنوات الماضية الكثير من المشكلات والجدل.
هل يكون نادي الوحدة بوابة الخصخصة؟
لكنَّ المتغير الأبرز في الموسم الجديد قد لا يكون داخل الملعب، بل خارجه. فكرةُ تحويل الأندية السورية إلى شركات مساهمة بدأت تخرج من إطار الحديث النظري إلى مساحة أكثر جدية، وكان نادي الوحدة أول الأندية التي ارتبط اسمها بهذه التحوّلات. بدأت القصة مع عدة تصريحات لوزير المالية محمد يسر برنية، قال فيها إنه ناقش مع وزير الرياضة والشباب إجراء بعض الدراسات حول فكرة ومشروع تحويل الأندية إلى شركات مساهمة.
وبعد ذلك، وفي 25 آب (أغسطس)، أعلن غياث دباس مغادرته منصب رئيس مجلس إدارة نادي الوحدة، عبر حسابه الشخصي على منصة إنستغرام، بعد نحو عامين من توليه رئاسة النادي. وفي اليوم التالي، 26 آب (أغسطس)، كلَّف محمد الحامض، وزير الرياضة والشباب، رجل الأعمال ماهر المهاجر برئاسة نادي الوحدة. وضمّت الإدارة الجديدة نزار محروس نائباً لرئيس النادي ومسؤولاً عن كرة القدم، وسعد المهايني مسؤولاً عن كرة السلة، ومحمد السباعي مسؤولاً عن المكتب المالي، وعبد الخالق الأحمد مسؤولاً عن المكتب الإعلامي، ونسيب قباني مسؤولاً عن مكتب الأنشطة والفعاليات، وبسام صباغ أميناً للسرِّ، وأنس طرابلسي مسؤولاً عن العلاقات العامة، ووائل السويدان مستشاراً قانونياً. وكانت هذه المرة الأولى التي تُصدِر فيها وزارة الرياضة والشباب تشكيلاً لإدارة نادٍ مع تحديد المهام المُناطة بكل عضو. كما بلغ عدد أعضاء الإدارة تسعة، خلافاً لما كان متعارفاً عليه.
ووفق الخبر الذي نقلته صحيفة الموقف الرياضي، فإن ماهر المهاجر هو المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة مهاجر العالمية للتصميم والمقاولات في سوريا، كما يرأس مجلس إدارة شركة مهاجر غاليري ويُدير مشروع بارك ڤيو السياحي. لكن البحث في خلفية رجل الأعمال والشركات المرتبطة به يكشف تفاصيل أوسع. فشركة مهاجر العالمية للتصميم والمقاولات تأسّست عام 2017 في سوريا. وفي العام نفسه، أسس المهاجر شركة أماكن في سوريا أيضاً، وهي شركة تعمل في إدارة وتشغيل واستثمار واستئجار المنشآت السياحية، إضافة إلى استيراد وتصدير جميع المواد المسموح بها بموجب القوانين السورية. ويمتلك ماهر المهاجر 80 بالمئة من حصص الشركة، بينما تمتلك زوجته وفاء الطمشة 15بالمئة، ويمتلك شقيقه سامر 5 بالمئة. والمهاجر أيضاً رئيس مجلس إدارة مهاجر غاليري، ومقرها الإمارات، ورئيس مجلس إدارة شركة إنليميتد للاستثمار والتطوير العقاري، وهي شركة تأسست قبل أكثر من 20 عاماً في الإمارات، لكنها باشرت نشاطها في سوريا من خلال مشروع بارك ڤيو. وبحسب تصريح المهاجر، فإن المشروع يُمثّل باكورة استثمارات الشركة في سوريا. وقبل فترة قصيرة، افتتح المهاجر مولاً تجارياً في منطقة أبو رمانة يضمّ علامات تجارية عالمية، كما يعمل على بناء فندق من فئة خمس نجوم في وسط دمشق.
لكن النقطة الأهم في هذه الشبكة الاستثمارية تتعلّق بشركة طموح – سورية، لأن ماهر المهاجر هو المدير العام والشريك المؤسس في الشركة، ويمتلك 40 حصة فيها، أي ما نسبته 33.33%. وهذه الشركة تتبع للصندوق السيادي، وقد وقعت عقداً استثمارياً مع نادي الوحدة، وفق ما أعلنه الصندوق السيادي على موقعه الرسمي. وأُعلِن عن العقد خلال مؤتمر صحفي عُقِد في 30 آب (أغسطس)، بحضور محافظ دمشق ورئيس وأعضاء إدارة النادي. ومثّل نادي الوحدة في المؤتمر ماهر المهاجر بصفته رئيس النادي، بينما مثّل شركة «طموح» محمد السباعي بصفته رئيس مجلس الإدارة، علماً أنه عضو في مجلس إدارة نادي الوحدة ومسؤول المكتب المالي فيه. وخلال المؤتمر، قال المهاجر إن إدارة النادي سدَّدت أكثر من 600 ألف دولار من الديون المتراكمة. أمّا السباعي، فقال إن الشركة تعمل ضمن إدارة الصندوق السيادي وفق خطة استراتيجية تهدف إلى تحقيق الاستدامة المالية للنادي ودعم استقراره، مشيراً إلى أن الهدف الأساسي للشركة هو تأهيل وتنمية القطاع الرياضي في سوريا.
ولم يبقَ دعم الشركة للنادي في إطار الخطط المالية والاستثمارية، بل ظهر سريعاً في سوق التعاقدات، مع نجاح الوحدة في التعاقد مع اللاعب السوري الدولي عمر السومة، بعد غيابه عن الملاعب السورية لمدة 15 عاماً، لتمثيل الفريق في الموسمين المقبلين. وخلال المؤتمر الصحفي الذي عُقِد بهذه المناسبة، تحدّث ماهر المهاجر أيضاً عن نيته التواصل مع شبكة «بي إن سبورتس» القطرية لنقل مباريات الدوري السوري. وهنا تظهر إشكالية أخرى، إذ إن حقوق بث مباريات الدوري واختصاص التفاوض بشأنها تعود إلى اتحاد كرة القدم، وليس إلى الأندية. فهل جاء تصريح المهاجر باعتباره رئيساً لنادي الوحدة، أم باعتباره أيضاً مديراً عاماً لشركة «طموح» التابعة للصندوق السيادي؟
يكتسب هذا السؤال أهمية أكبر عند النظر إلى موقع نادي الوحدة نفسه. فالنادي يقع في منطقة المزرعة، في قلب دمشق، وهي من المناطق مرتفعة القيمة، وتبلغ مساحة الأرض التي يقع عليها النادي نحو 28 ألف متر مربع، وربما أكثر، إذ لا يوجد رقم دقيق متداول حول مساحة الأرض. وقد بقيت هذه الأرض لسنوات طويلة موضع صراع ونزاع بين إدارات النادي المتعاقبة ومحافظي دمشق المتعاقبين. ومن هنا يبرز سؤال آخر: هل يُمثّل اختيار نادي الوحدة للرعاية من قبل الصندوق السيادي مجرد خطوة لإنقاذ نادٍ يعاني من مشكلات مالية، أم أنه يرتبط أيضاً بالقيمة الاستثمارية والموقع الجغرافي للأرض التي يشغلها النادي؟
الأندية والسلطة الاقتصادية.. نموذج جديد؟
ولا يبدو أن ربط الأندية بالمؤسسات الحكومية والاقتصادية سيقتصر على الوحدة. فمن ملامح الموسم الجديد أيضاً اختيار شخصيات تشغل مناصب حكومية واقتصادية رفيعة لتولي منصب الرئيس الفخري لعددٍ من الأندية. ومن أبرز هذه الأسماء عبد الرحمن الأعمى، الأمين العام لرئاسة الجمهورية، الذي أصبح رئيساً فخرياً لنادي الكرامة. كما أصبح عبد الرحمن سلامة، محافظ الرقة، رئيساً فخرياً لنادي أهلي حلب. وتولى يوسف قبلاوي، الرئيس التنفيذي للشركة السورية للبترول، منصب الرئيس الفخري لنادي الفتوة.
وقد يكون هذا التحوّل مؤشراً على رغبة في إعادة تعريف العلاقة بين الأندية ومؤسسات الدولة والقطاعات الاقتصادية، خصوصاً في ظلِّ الأزمة المالية المزمنة التي تعاني منها معظم الأندية السورية. لكن السؤال الذي سيبقى مطروحاً هو: هل تقود هذه العلاقة إلى نموذج جديد ومستدام لتمويل الرياضة السورية، أم أنها ستُعيد إنتاج علاقة الأندية بمراكز النفوذ المالي والإداري، ولكن بأشكال جديدة؟
موسم جديد، وأسئلة قديمة
تنطلق مرحلة الذهاب اليوم في التاسع من تشرين الأول (أكتوبر)، فيما تبدأ مرحلة الإياب في الخامس من شباط (فبراير) 2027. ويبقى السؤال التقليدي الذي يتكرر قبل بداية كل موسم: هل الملاعب السورية جاهزةٌ فعلاً لاستضافة المباريات، أم أن تجربة كل موسم ستتكرر مرة أخرى؟
يتزايد حضور الشركات ورجال الأعمال والمؤسسات الاقتصادية في المشهد الرياضي، في وقت بدأت فيه فكرة تحويل الأندية إلى شركات مساهمة تَجِدُ طريقها إلى النقاش الرسمي. لكن السؤال الجديد هذا الموسم هو: هل يُمكِن أن تتحوَّل الأندية السورية من مؤسسات تعاني الديون والعجز المالي إلى كيانات اقتصادية قادرة على تمويل نفسها، أم أن الخصخصة ستفتح بدورها باباً جديداً من الأسئلة حول ملكية الأصول، وحقوق الانتفاع بالأراضي، وحدود سلطة المستثمر، ودور الدولة، وحقوق الجماهير؟