لـدمشق برنامج الزيارة بقدر ما هزّت صورتها. جاء ماكرون في لحظة أرادت فيها باريس ودمشق تقديم سوريا بصورة مختلفة، دولة مستقرة، قابلة للشراكة، ومفتوحة أمام الشركات الأوروبية، وقادرة على توظيف موقعها بين البحر المتوسط والخليج والعراق في مشروع سياسي واقتصادي جديد. لكنّ تفجيرين متتاليين قرب وزارة السياحة وفندق “فورسيزن” أعادا الأمن إلى صدارة المشهد، وكسرا جزءاً من الصورة التي سعت الزيارة إلى ترسيخها.
وقائع محدودة ورسالة واسعة
لا تحتاج قراءة الحدث إلى تتبع تفاصيل الساعات الأولى المتسارعة. فقد استقرت الوقائع عند ثلاث نقاط أساسية: التفجيران وقعا قرب مكان إقامة ماكرون ومسار تحركه، وجاءا متتاليين، وقدمت السلطات السورية ما حدث على أنه اختراق محدود باستخدام عبوات بدائية لم يؤثر في برنامج الزيارة. وتمنح هذه العناصر الحادثة معناها الأعمق، إذ إن الجهة المنفذة، أياً تكن، لم تكن بحاجة إلى عملية واسعة لإصابة الرسالة السياسية للزيارة، بل إلى إثبات أن قلب دمشق لا يزال قابلاً للاختراق في لحظة يراد لها أن تعكس الاستقرار.
وتتبع السلطة السورية، في مثل هذه الحوادث، نمطاً متكرراً في إدارة الانطباع العام. فبعد تفجير القصر العدلي الذي أسفر عن أكثر من عشرة قتلى، وصف محافظ دمشق العبوة بأنها “بدائية” و”ما بتخوّف”، في محاولة لتقليل الأثر السياسي والأمني للحادثة رغم فداحة نتائجها. وفي تفجيري زيارة ماكرون، تكرر الخطاب نفسه تقريباً، مع الحديث عن عبوتين بدائيتين، ورصد أمني، ومحاولة تفكيك، وبرنامج زيارة لم يتأثر. وتكشف هذه الرواية إدراك السلطة أن المواجهة لا تتعلق بعدد الضحايا، بل أيضاً بالصورة التي تريد ترسيخها عن قدرتها على فرض السيطرة.
من هنا، تبدو التفجيرات أقرب إلى استهداف صورة الاستقرار منها إلى السعي لإيقاع أكبر عدد من الضحايا. فاختيار المكان والتوقيت يدلّ على توجيه رسائل متزامنة إلى السلطة السورية، وفرنسا، والشركات الأوروبية، والعواصم التي تربط انفتاحها على دمشق بمدى قدرة السلطة الجديدة على تثبيت الأمن.
ماكرون وسوريا الجديدة… اختبار الشراكة
تحمل زيارة ماكرون هذا البعد لأنها لا تشبه زيارة مسؤول غربي عادي. فهي الأولى لرئيس غربي لدمشق منذ سقوط نظام بشار الأسد، وجاءت محمولة على اعتراف سياسي، ووفد اقتصادي، ونقاشات تناولت الطاقة والمرافئ والطيران والمصارف وإعادة الإعمار. كما ربط الرئيس أحمد الشرع، خلال الزيارة، موقع سوريا بالممرات الآمنة بين المتوسط والخليج والعراق، في وقت تتقدم فيه حسابات الموانئ والطرق البديلة والطاقة وسلاسل الإمداد على أجندة المنطقة. لذلك، فإنّ التفجيرات استهدفت لحظة سعت إلى إعادة تعريف موقع سوريا ووظيفتها في المرحلة المقبلة.
وتقع هذه الرؤية في قلب صراع إقليمي ودولي واسع. فـتركيا تعمل على تثبيت نفوذها في الشمال، واستكمال ترتيبات الملف الكردي، وضبط إرث المقاتلين الأجانب. وتراقب إسرائيل الجنوب والحدود، إلى جانب توجهات السلطة الجديدة في ما يتعلق بـإيران ولبنان. كما يضع منتدى شرق المتوسط ومعادلات الغاز والموانئ الساحل السوري في قلب منافسة جيوسياسية متصاعدة، فيما عززت اضطرابات الخليج والبحر الأحمر أهمية الممر الهندي – الشرق أوسطي – الأوروبي، ما رفع قيمة الجغرافيا السورية إذا نجحت دمشق في تقديم نفسها بوصفها حلقة ربط آمنة.
في المقابل، تنظر الولايات المتحدة إلى سوريا من زاوية مكافحة الإرهاب، وضبط الحدود، واحتواء النفوذ الإيراني، ومواكبة التطورات في لبنان، بينما تسعى أوروبا إلى ترسيخ حضور أمني واقتصادي في البلاد. وتحاول فرنسا، تحديداً، استعادة دورها في شرق المتوسط والمشرق، بما يمنحها موقعاً مؤثراً في مرحلة إعادة رسم التوازنات، من دون ترك الساحة بالكامل لتركيا أو الولايات المتحدة أو دول الخليج.
في هذا المناخ، يستطيع أي تفجير أن يحقق أثراً يتجاوز إمكانات الجهة المنفذة. فقد يزرع طرف محلي العبوة، لكن الرسالة تنتقل إلى فضاء إقليمي ودولي شديد التعقيد. ولا يحتاج المنفذ إلى الارتباط مباشرة بمحور خارجي حتى يخدم، عملياً، مصالح أطراف تسعى إلى إبطاء اندماج سوريا في المسار الأوروبي، أو إحراج السلطة الجديدة أمام المستثمرين، أو تقويض المساعي الفرنسية لقيادة مرحلة الانفتاح على دمشق. وهكذا تتحول سوريا إلى ساحة تتقاطع فيها الرسائل بقدر ما تتقاطع فيها المصالح، ويغدو كل انفجار في دمشق رسالة تتجاوز الداخل إلى عواصم تضع الاستقرار في مقدمة شروط الانخراط السياسي والاقتصادي.
دوائر الاشتباه وصراع المصالح
داخلياً، فتحت التفجيرات باب الاتهامات في اتجاهات متعددة. فهناك من يحمّل بقايا النظام السابق المسؤولية، وآخرون يوجهون أصابع الاتهام إلى “قسد“، أو إلى المقاتلين الأجانب، أو إلى تنظيم “داعش“، فيما يتحدث بعضهم عن صراعات بين تيارات داخل السلطة نفسها. ولا تتساوى هذه الفرضيات في قوتها، لكنها تعكس حجم المصالح المتعارضة داخل سوريا الجديدة، حيث يملك كل طرف سبباً مختلفاً للتعامل مع صورة الاستقرار، سواء لإضعافها، أو احتكارها، أو توظيفها في صراعات سياسية وأمنية.
مع ذلك، يبقى تنظيم “داعش” في مقدمة الجهات التي تملك مصلحة مباشرة في استهداف هذه الصورة. فقد صعّد التنظيم خطابه ضد الحكم الجديد، وهاجم مسار التشريع ومجلس الشعب، ويعتبر انفتاح دمشق على الغرب وتقديم السلطة نفسها شريكاً في مكافحة الإرهاب تهديداً مباشراً لسرديته. لكن دائرة المستفيدين لا تقتصر على التنظيم، إذ قد تجد بقايا شبكات النظام السابق، ومجموعات أجنبية تخشى ترتيبات أمنية مع باريس، وشبكات فوضى محلية، وأطراف متضررة من إعادة توزيع النفوذ، مصلحة في تقويض الانطباع بأن سوريا دخلت مرحلة استقرار تسمح بإعادة الإعمار والانفتاح الاقتصادي.
صورة الزيارة وحدود الاستقرار
استمرت زيارة ماكرون كما كان مقرراً، وحرص الرئيس الفرنسي على تأكيد دعمه لسوريا آمنة وموحدة وتعددية. لكن استمرار البرنامج لم يمنع التفجيرين من تحقيق أثرهما السياسي، إذ أعادا إلى الواجهة السؤال الذي حاولت باريس ودمشق تجاوزه عبر ملفات الاقتصاد والاستثمار، وهو مدى قدرة السلطة الجديدة على تثبيت الاستقرار وتحويله إلى عنصر ثقة لدى المستثمرين والشركاء الدوليين.
وتتجاوز أهمية التفجيرين هوية الجهة المنفذة، لأن كشف الاسم سيشرح جانباً من العملية، فيما تبقى الرسالة السياسية أوسع من المنفذين أنفسهم. فقد أظهرت الحادثة أن سوريا لا تزال تتحرك وسط شبكة معقدة من الأجندات الإقليمية والدولية، وفي مواجهة تهديدات داخلية قادرة على التأثير في مسارها السياسي والاقتصادي. لذلك، أصابت العبوات صورة الاستقرار التي سعت الزيارة إلى تكريسها، وأعادت التذكير بأن طريق الانفتاح وإعادة الإعمار لا يزال يمر أولاً عبر اختبار الأمن.